الكلمـــــة الحـــــرّة

الكلمـــــة الحـــــرّة

منتدى ثقافي عام
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 من مفكرة امرأة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فاتحة
الكاتبة القصصية


عدد المساهمات : 617
نقاط : 10398
تاريخ التسجيل : 12/11/2009
الموقع : سلا/ المغرب

مُساهمةموضوع: من مفكرة امرأة   الأحد فبراير 21, 2010 8:00 pm

السلام عليكم ورحمة الله

أقصوصة للقاصة المغربية الرائعة " لطيفة لبصير" استفزتني فأنا من أشد المعجبات بهذه الكاتبة الرائعة.

عناق
( منقـــــــــول)

تجاور مدخل شقتي أصص جاري العازب، ولأنني أشعر بأنه يقتحم لحظات خلوتي، فقد اشتريت أصصا بحيث جعلت ألياف النباتات تعانق بعضها عند مدخل شقتينا. كنت أنتظر من هذا العناق الذي أراه كل يوم سيوقظ في جاري رغبتي في معانقة أبدية تستكين لها روحي، لكنه وهو يحييني كل صباح ومساء، لم يبد أي اهتمام بعناق الألياف ببعضها البعض، حتى أن الزمن كلما طال وتشابكت ، أمقت عطالته في اللغة والكلام، وأنتظر صوت هذا الرجل الخمسيني، وإن كنت في بعض الأوقات أرغب لو سألته مباشرة، متى تريد أن تتزوج؟ هل تنتظر أن تصبح لك رجل ثالثة؟ لا أدري لماذا لا يشعر مثلي بنهاية العالم وبالسقف الزمني المحدد لي سلفا للعشق، والزواج، لذا فحين بدأت شهور قليلة تفصلني عن الأربعين، بدأت أشعر بأنني سأحمل هذه السنين عما قليل على كتفي بأعين الآخرين.
وبدأت أشعر فعلا بأنني أرغب أن أشعل الحب كل مساء، لأن المساء يفتح كل هواجس الخواء والعدم، لكن جاري يتحدث عن مشاريع مستقبلية، وكأن الشعيرات البيضاء والتجاعيد الإضافية لا تقلق وجوده اليومي، ولأنني تعبت من التلميح، لأنه الصك الوحيد الذي تمنحه لي العادات الإجتماعية للاعتراف، فإنني لم أستطع أن أقول له مباشرة بأنني أود أن تعانق ألياف نباتاته نباتي إلى الأبد.
لكنني تعبت من ذلك، لا أستطيع أن أصرح بأنني اعتدت على وجوده وحركته المجاروة لي وأصوات تلفازه وأوانيه وضجيجه وفوضاه وارتباكه الصباحي، كل شيء اعتدت عليه، الشيء الذي لم أعتد عليه هو أنه لا يضيف إلى كلامنا المعتاد الروتيني، وكأنه لا يشعر بعطش مثلي إلى الحب.
ولأنني مع الأيام، صرت أكره هذه الأعراف الاجتماعية التي تجعل من الرجال مالكي الطلب والرغبة، فقد دعوت جاري ليتناول فنجان قهوة معي ...كنت قد رتبت أحلامي الكثيرة، وقبل أن يرن الجرس ... قدمت له فنجان القهوة الذي أثنى عليه والحلويات التي هيأتها بنفسي كي أكشف ورقا سريا من الجانب الآخر للأنوثة، وأشعلت التلفاز كي يمحو بعض نقط الصمت التي تمتد في بعض الأحيان، قال لي إنه يرغب أن يتابع نشرة الأخبار، وكانت الحروب تشع بلهيبها، وتنشر علينا القسوة، قلت له وأنا أنزلق لأتحدث عن نفسي: لقد قرأت في إحدى الروايات " للحب وقت وللموت وقت" لكاتب ألماني إحدى الجمل الجميلة: كم يكون رائعا لو استخدم الإنسان يديه وذراعيه في شيء آخر غير حمل البنادق وإطلاق النار.
كنت أنتظر عناق الذراعين بدل الألياف، لكنه بهدوء أكد لي ذلك، وقال بأنه يتفق معي، وبأنه يكره الحروب، فاستأذنته لأن نغير القناة، وعثرت على برنامج ...يقدم صورة متأخرة للمرأة في هذا القرن، فهو يسعى إلى تزويج العرسان، لكنه يستحضر الحموات لاختيار السلعة المعروضة للبيع، بحيث تعرض النساء مهاراتهن في الطبخ والخياطة والرتيب، وكأننا نعود إلى الوراء، وتصادق عليه أم العريس المنتظر، وكأنها الجمركي الذي يمنع السلع المضروبة من العبور، استفزني المشهد فقلت:
ألا ترى أن هذا البرنامج يعود بنا إلى أزمنة سحيقة،وهي اختيار الأم للزوجة؟
فقال لي، أنه لا يمانع في اختيار الوالدة، خاصة أن الأمهات يستطعن تمييز النساء أكثر من الرجال بحواسهن، وأسر لي بأن والدته قد اختارت له شابة ما زالت تدرس في الجامعة وسيرتبطان عما قريب.
وددت أن أصفعه، ألا يرى أنني أقترب من الأربعين وهو في الخمسين؟
أنهيت اللقاء بنوع من السرعة قبل أن أهشم رأسه أحسست بالحنق من هذا التعنت الرجولي الذي يمنح للذكورة أمواجا إضافية حتى في أرذل العمر.
لماذا أرغب في العناق من رجل يشبهني في السنين والعمر، بينما لا يشعر هو بنفس الارتباك، وكأن الزمن يمنح له حق التجول في كل سنوات العمر كما يشتهي؟ ولماذا لا يمكن للمرأة أن تبوح وأن تبادر في الحب؟ لماذا ينبغي أن تلمح عوض أن أن تصرح؟ لماذا تتعب في إيجاد كل الوسائل كي تثير الطرف الآخر؟ لماذا تظل تلك الأنوثة مستترة، وكأنها الجوهر الذي لا ينبغي الإعلان عنه، حتى يأتي من يفض سرها؟ لماذا هي في حاجة إلى من يشتري السر؟ ولماذا لا تشتري هي ممتلكات الآخر برغبتها الذاتية وكأنها مواد للصنع والمساومة والاختيار؟ متى ينتهي عصر العبودية الذي مازالت نواتها تمرره ضمن هذا العصر الملقب بالحديث؟
فلنغير ميثاق ارتباطاتنا، فلنغير عناقنا الأبدي ولنتحرر من الصمت بالقول والكلام، لأننا في حاجة إلى عناق حقيقي يغير حيواتنا الرتيبة.
فالعديد من النساء يشتهين في صمت، ويرغبن في صمت، ويحترقن في صمت دون أن يرسمن لغة أو يحركن شفاههن التي قد تنتظر لسنوات متى يحن الطرف الآخر ...ألا نستطيع أن نوقف حجم الانتظارات الطويلة التي قد ترحل بكل أوقات العمر الجميلة...ألا نملك سلطة الحديث والرغبة؟ لماذا ننتظر أن يأتي من يغير خريطة أوطاننا الداخلية ويرسمها كما اتفق ...



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
كريم الراوى
مشرف منتدى البوح و القصة
avatar

عدد المساهمات : 92
نقاط : 9374
تاريخ التسجيل : 14/02/2010
العمر : 29
الموقع : قاهرة المعز- مصر

مُساهمةموضوع: رد: من مفكرة امرأة   الثلاثاء فبراير 23, 2010 6:29 pm

السلام عليك ورحمة الله وبركاته
اختى فاتحة لا اعرف كيف اشكرك على هذه التحفة الادبية
حقا انا اول مرة اقرأ لتلك القاصة المغربية وارى انه نوع اخر من العار
علي حيث ان هذه اول مرة اقرأ فيها شئ من الادب المغربي
لكن القصة التى اتيتينا بها , تحمل الكثير من المواضيع والمجالات
المهمة جدا للنقاش فى صورة مشاعر واحاسيس ,
فلماذا النساء هن دائما من يشعرون بتقدم العمر وبهابون السنوات ؟؟
لماذا تكفل مجتمعاتنا للرجل ان يتزوج من فتاه العشرينات حين يكون يدارى الشيب بالاصباغ ؟؟
لماذا اوجبنا على المرأة السكوت والسقوط فى جب العتمة دون ان تتألم ؟؟
اسئلة كثيرة باجوبة ضائعة احيانا وظالمة احيانا اخري
الاخت الكريمة فاتحة شكرا لك على هذا النقل الممتاز
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
من مفكرة امرأة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الكلمـــــة الحـــــرّة :: منتدى القصة-
انتقل الى: