الكلمـــــة الحـــــرّة

الكلمـــــة الحـــــرّة

منتدى ثقافي عام
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أسرار البلاغة

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 6:48 pm

أسرار البلاغة



عبد القاهر الجرجاني



اللفظ والمعنى:


اعلم أن الكلام هو الذي يُعطي العلومَ منازلها، ويبيّن مراتبها،

ويكشفُ عن صُوَرها، ويجني صنوفَ ثَمَرها، ويدلُّ على سرائرها،

ويُبْرِزُ مكنون ضمائرها، وبه أبان اللّه تعالى الإنسان من سائر الحيوان،

ونبّه فيه على عِظَم الامتنان، فقال عزّ من قائل:

"الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ، خَلَقَ الإنْسَانَ، عَلَّمَهُ البَيَانَ" "الرحمن1-4"،

فلولاه لم تكن لتتعدَّى فوائدُ العلمِ عالِمَه، ولا صحَّ من العاقل

أن يَفْتُق عن أزاهير العقلِ كمائمه، ولتعطَّلَت قُوَى الخواطر

والأفكار من معانيها، واستوَتِ القضيّة في مَوْجُودَها وفانيها، نَعمْ،

ولوقع الحيُّ الحسَّاس في مرتبةِ الجماد، ولكان الإدراك كالذي ينافيه

من الأضداد، ولبقيتِ القلوب مُقْفَلةً تَتَصَوَّنُ على ودائعها،

والمعاني مَسْجُونَةً في مواضعها، ولصارت القرائح عن

تصرُّفها معقولةً، والأذْهان عن سلطانها معزولةً،

ولما عُرف كفرٌ من إيمان، وإساءة من إحسان،

ولما ظهر فرقٌ بين مدح وتزيين، وذمّ وتهجين، ثم إنّ

الوصف الخاصَّ به، والمعنى المثبِتَ لنسبه،

أنه يريك المعلومات بأوصافها التي وجدها العلم عليها،

ويقرِّر كيفياتها التي تتناولها المعرفةُ إذا سَمَتْ إليها،

وإذا كان هذا الوصفُ مقوِّمَ ذاته وأخصَّ صِفاته، كان أشرف

أنواعه ما كان فيه أجلى وأظهر، وبه أولى وأجدر، ومن

ها هنا يبيّن للمحصل، ويتقرّر في نفس المتأمِّل، كيف ينبغي

أن يَحْكُمْ في تفاضُل الأقوال إذا أراد أن يقسّم بينها حظوظها

من الاستحسان، ويعدّل القسمةَ بصائب القِسطاس والميزان،

ومن البيّن الجليّ أن التبايُنَ في هذه الفضيلة، والتباعد عنها

إلى ما ينافيها من الرذيلة، ليس بمجرَّد اللفظ، كيف والألفاظ

لا تُفيد حتى تُؤلَّف ضرباً خاصّاً من التأليف، ويُعْمَد بها إلى

وجه دونِ وجهٍ من التركيب والترتيب، فلو أنك عَمَدت إلى

بيت شعرٍ أو فَصْل نثرٍ فعددت كلماته عَدّاً كيف جاء واتَّفق،

وأبطلت نضدَهُ ونظامه الذي عليه بني، وفيه أفرغ المعنى وأجري،

وغيّرت ترتيبه الذي بخصوصيته أفاد ما أفاد، وبنَسَقِه المخصوص

أبان المراد، نحو أن تقول في: "من الطويل قِفا نَبْكِ من ذِكْرَى

حَبيبٍ ومنزل" منزل قفا ذكرى من نبك حبيب، أخرجته من كمال

البيان، إلى مجال الهَذَيان، نعم وأسقطت نسبتَهُ من صاحبه،

وقطعت الرَّحمِ بينه وبين مُنْشِئه، بل أحَلْت أن يكون له إضافةٌ

إلى قائل، ونَسَبٌ يَخْتَصّ بمتكلم، وفي ثبوت هذا الأصل ما تَعْلم به

أنّ المعنى الذي له كان هذه الكلم بيتَ شعرٍ أو فصلَ خطابٍ،

هو ترتيبها على طريقة معلومة، وحصولها على صورة من

التأليف مخصوصة، وهذا الحُكْمُ - أعني الاختصاص في

الترتيب - يقع في الألفاظ مرتَّباً على المعاني المرتَّبَة في النفس،

المنتظمةِ فيها على قضيّة العقل، ولا يُتّصوَّر في الألفاظ وُجُوبُ

تقديم وتأخير، وتخصُّصٍ في ترتيب وتنزيل، وعلى ذلك وُضِعَت

المراتبُ والمنازلُ في الجمل المركَّبة وأقسام الكلام المدَّونة

فقيل: من حق هذا أن يَسبق ذلك، ومن حقِّ ما هاهنا أن يقع هنالك،

كما قيل في المبتدأ والخبر والمفعول والفاعل، حتى حُظِر

في جنس من الكلم بعينه أن يقع إلاّ سابقاً، وفي آخَرَ أن

يوجد إلا مبنيَّاً على غيره وبه لاحقاً، كقولنا: إن الاستفهام

له صدر الكلام، وإن الصفة لا تتقدم على الموصوف

إلا أنْ تُزال عن الوصفية إلى غيرها من الأحكام،

فإذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعراً أو يستجيد نثْراً،

ثم يجْعَلُ الثناءَ عليه من حيث اللّفظ فيقول: حُلْوٌ رشيق،

وحَسَنٌ أَنيقٌ، وعذبٌ سائغٌ، وخَلُوبٌ رائعٌ، فاعلم أنه ليس

يُنبئك عن أحوالٍ ترجعُ إلى أجْراس الحروف، وإلى ظاهر

الوضعِ اللغويّ، بل إلى أمرٍ يقع من المرء في فؤاده،

وفضلٍ يَقْتدحُه العقلُ من زِناده، وأمَّا رجوع الاستحسان

إلى اللفظ من غير شِرْكٍ من المعنى فيه، وكونِه من أسبابهِ ودواعيه،

فلا يكاد يَعْدُو نمطاً واحداً، وهو أن تكون اللفظة مما يتعارفه

الناس في استعمالهم، ويتداولُونه في زمانهم، ولا يكون وَحْشِياً غريباً،

أو عامّياً سخيفاً، سُخْفُهُ بإزالته عن موضوع اللغة، وإخراجه

عما فرضتْه من الحكم والصفة، كقول العامة أشْغَلتَ وانفسد،

وإنما شرطتُ هذا الشرط، فإنه ربما استُسخف اللفظ بأمر يرجعُ

إلى المعنى دون مجرَّد اللفظ، كما يحكى من قول عبيد اللّه بن زياد

لما دُهش: افتحوا لي سيفي، وذلك أن الفتح خلاف الإغلاق،

فحقُّه أن يتناول شيئاً هو في حكم المُغلقَ والمسدود، وليس

السَّيف بمسدود، وأقصى أحوالِهِ أن يكون كونُه في الغِمْد

بمنزله كَوْنِ الثوب في العِكْمِ، والدرهم في الكيس، والمتاعِ

في الصندوق، والفتح في هذا الجنس يتعدَّى أبداً إلى الوِعاء

المسدود على الشيء الحاوي له لا إلى ما فيه، فلا يقال:

افتحِ الثوبَ، وإنما يقال: افتحِ العِكْمَ وأخرجِ الثوب و افتحِ الكيس،

وها هنا أقسام قد يُتَوهَّمُ في بَدْءِ الفكْرة، وقبلَ إتمام العِبرة،

أنَّ الحُسْنَ والقبحَ فيها لا يتعدَّى اللفظَ والجَرَسَ، إلى ما يُناجِي

فيه العقلُ النفسَ، ولها إذا حُقّق النظر مَرجِعٌ إلى ذلك،

ومُنْصَرَفٌ فيما هنالك، منها: التجنيس والحشو


عدل سابقا من قبل الهادي الزغيدي في الخميس نوفمبر 12, 2009 8:46 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 6:51 pm

القول في التجنيس:


أما التجنيس فإنك لا تستحسن تجانُس اللفظتين إلا إذا كان وقع معنييهما

من العقل موقعاً حميداً، ولم يكن مَرْمَى الجامع بينهما مَرْمًى بعيداً،

أتراك استضعفتَ تجنيس أبي تمام في قوله:

من الكامل ذَهَبَت بمُذْهَبَهِ السَّمَاحَةُ فَالْتَوتفِيهِ الظُّنُونُ: أَمَذْهَبٌ أم مُذْهَبُ

واستحسنتَ تجنيس القائل: "حتى نَجَا من خَوفِهِ وَمَا نَجا" وقول المحدَث:

ناظِراه فيما جَنَى ناظِـراه أوْ دَعانِي أمُتْ بما أَودعَانِي


لأمرٍ يرجع إلى اللفظ? أم لأنك رأيتَ الفائدة ضَعُفَت

عن الأوّل وقويتَ في الثاني? ورأيْتَك لم يزدك بمَذْهب ومُذهب

على أن أَسْمَعَكَ حروفاً مكررةً، تروم فائدة فلا تجدُها

إلا مجهولةً منكرةً، ورأيتَ الآخر قد أعَادَ عليك اللفظةَ كأنه

يخدعُك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك كأنه لم يَزِدْك

وقد أحسن الزيادة ووفَّاها، فبهذه السريرة صار التجنيس

- وخصوصاً المستوفَى منه المُتَّفَقَ في الصورة - من حُلَى الشّعر،

ومذكوراً في أقسام البديع.

فقد تبين لك أن ما يُعطي التجنيس من الفضيلة، أمرٌ لم يتمَّ إلا بنُصْرةِ المعنى،

إذ لو كان باللفظ وَحْدَهُ لما كان فيه مستحسنٌ،

ولما وُجد فيه معيبٌ مُسْتهجَن، ولذلك ذُمَّ الاستكثار منه والوَلُوعُ به،

وذلك أن المعاني لا تَدِين في كل موضع لما يَجْذبها التجنيس إليه،

إذ الألفاظ خَدَمُ المعاني والمُصرَّفةُ في حكمها، وكانت المعاني

هي المالكة سياستهَا، المستحقَّةَ طاعتها، فمن نَصَرَ اللفظ

على المعنى كان كمن أزال الشيء عن جِهَته،

وأحاله عن طبيعته، وذلك مظنّة الاستكراه، وفيه فَتْح أبواب العيب،

والتَّعرُّضُ للشَّيْن، ولهذه الحالة كان كلامُ المتقدِّمين الذين

تركوا فَضْل العناية بالسجع، ولَزِموا سجِيَّةَ الطبع،

أمكنَ في العقول، وأَبْعَد من القَلَقِ، وأَوضحَ للمراد،

وأفضل عند ذوي التَّحصيِل، وأسلمَ من التفاوتِ،

وأَكْشَفَ عن الأغراض، وأَنْصَرَ للجهة التي تَنحو نَحْوَ العقل،

وأَبعدَ من التَّعمُّلِ الذي هو ضربٌ من الخِداعِ بالتزويق،

والرضَى بأن تَقَع النقيصةُ في نفس الصُّورة، وإنّ الخِلْقَةَ،

إذا أكثر فيها من الوَشْم والنقش، وأُثْقل صاحِبُها بالحَلْي والوَشْي،

قياسُ الحَلْي على السيف الدَّدَان، والتَوسُّعِ في الدعوى بغير بُرْهان، كما قال:

إذا لم تُشاهِدْ غَيْرَ حُسْن شِيَاتِهَا ** وَأَعْضَائها فالحُسْنُ عنك مُغَيَّبُ

وقد تجد في كلام المتأخرين الآنَ كلاماً حَمَل صاحبَه فرطُ شَغَفِه

بأمورٍ ترجع إلى ما له اسم في البديع، إلى أن ينسى أنَّه يتكلم ليُفهِم،

ويقول ليُبين، ويُخيَّل إليه أنه إذا جَمَعَ بين أقسام البديع

في بيت فلا ضير أن يقع ما عَنَاهُ في عمياء، وأنْ يُوقع السامعَ

من طَلَبه في خَبْطِ عَشْوَاءِ، وربَّمَا طَمَسَ بكثرة ما يتكلَّفه

على المعنى وأفسده، كمن ثقَّل العروسَ بأصناف الحَلْي

حتى ينالها من ذلك مكرُوهٌ في نفسها. فإن أردت أن تعرف

مِثالاً فيما ذكرتُ لك، من أن العارفين بجواهر الكلام

لا يعرِّجون على هذا الفنّ إلا بعد الثقة بسلامة المعنى وصحَّته،

وإلا حيثُ يأمَنون جنايةً منه عليه، وانتقاصاً له وتعويقاً دونه،

فانظر إلى خُطَب الجاحظ في أوائل كتبه هذا

- والخُطبُ من شأنها أن يُعْتَمَد فيها الأوزانُ والأسجاعُ،

فإنها تُرْوَى وتُتناقل تَنَاقُلَ الأشعار، ومحلُّها محلُّ النسيب

والتشبيب من الشعر الذي هو كأنه لا يُرَادُ منه إلاّ

الاحتفالُ في الصنعة، والدَّلالةُ على مقدار شَوْطِ القَرِيحَة،

والإخبارُ عن فَضْل القوة، والاقتدار على التفنُّن في الصنعة

- قال في أول كتاب الحيوان: "جَنَّبك اللّه الشُّبْهة،

وعَصَمَك من الحَيْرِةِ، وجعل بينك وبين المعرفة سبَباً،

وبين الصدق نسبَاً، وحبَّب إليك التثُّبت، وزَيَّنَ في عينك الإنصاف،

وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عِزَّ الحق،

وأوْدِع صدرَك بَرْدَ اليقين وطَرَد عنك ذُلَّ اليأس، وعرَّفك

ما في الباطل من الذلّة، وما في الجهل من القِلّة".

فقد ترك أوَّلاً أن يوفِّق بين الشبهة و الحيرة في الإعراب،

ولم يَرَ أن يَقْرن الخلاف إلى الإنصاف، ويَشْفَعَ الحق بالصدق،

ولم يُعْنَ بأن يَطْلُب لليأس قرينةً تصل جناحَه،

وشيئاً يكون رَدِيفاً له، لأنه رأى التوفيق بين المعاني أحقُّ،

والموازنة فيها أحسنَ، ورأى العناية بها حتى تكونَ إخوةً

من أبٍ وأمٍّ؛ ويذَرَها على ذلك تَتَّفقُ بالوداد،

على حسب اتّفاقها بالميلاد، أَوْلى من أن يَدَعها،

لنُصْرَة السجع وطلب الوزن، أولادَ عِلَّة، عسى أن لا يوجد

بينها وفاق إلا في الظواهر، فأما أنْ يَتَعَدَّى ذلك إلى الضمائر،

ويُخْلص إلى العقائِد والسَّرائر، ففي الأقلِّ النادر.

وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيساً مقبولاً، ولا سَجَعاً حَسَنَاً،

حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وسَاق نحوَه،

وحتى تَجِده لا تبتغي به بدَلاً، ولا تجِد عنه حِوَلاً،

ومن ها هنا كان أَحْلَى تجنيس تسمَعُه وأعلاه،

وأحقُّه بالحُسْن وأولاهُ، ما وقع من غير قصدٍ من

المتكلم إلى اجتلابه، وتأهُّب لطلبه، أو مَا هو

- لحسن مُلاءمته، وإن كان مطلوباً

- بهذه المنزلة وفي هذه الصورة، وذلك كما يمثّلون به

أبداً من قول الشافعي رحمه اللّه تعالى وقد سئل عن النَّبيذ فقال:

"أجمع أهلُ الحرمين على تحريمه"، ومما تجده كذلك قولُ البحتري:

يَعْشَى عَنْ المجد الغبيّ؛ُ ولَنْ تَرَى ** في سُؤدَدٍ أَرَبـاً لـغـير أريبِ

وقوله:

فقد أصبحتَ أَغْلبَ تَغْلَـبِـيّاً ** على أيدي العَشِيرةِ والقلوب

ومما هو شبيه به قوله:

وهوًى هَوَى بدُموعه فتَبَادَرَت ** نَسَقَاً يَطأنْ تجلُّداً مغـلـوبـا

وقوله:

ما زِلْتَ تقرَعُ بَابَ بابَلَ بالقَنا ** وتزوره في غارةٍ شعـواءِ

وقوله:

ذَهَبَ والأعالِي حيثُ تَذْهَبُ مُقْلَةٌ ** فيه بنَاظِرِهَا حَـدِيدُ الأسـفـلِ


ومثال ما جاء من السجع هذا المجيءَ وجرى هذا المجرى

في لِين مقَادته، وحلَ هذا المحلِّ من القَبُولِ قولُ القائل:

اللّهم هَبْ لي حمداً، وهَبْ لِي مجداً، فلا مجدَ إلا بِفَعالٍ،

ولا فَعَال إلاّ بمال، وقولُ ابن العميد: فإن الإبقاء

على خَدَم السلطان عِدْلُ الإبقاء على ماله، والإشفاق

على حاشيته وحَشَمه، عِدْلُ الإشفاق على ديناره ودِرْهَمه.

ولستَ تجد هذا الضرب يكثُر في شيءٍ،

ويستمرُّ كَثْرَته واستمرارَه في كلام القدماء، كقول خالد:

ما الإنسان، لولا اللسان، إلا صورة ممثلة، وبهيمة مُهْمَلة،

وقول الفضل بن عيسى الرقاشي: سَلِ الأرض فقل:

مَنْ شَقَّ أنهارك، وغرسَ أشجارك، وجنى ثمارك،

فإن لم تُجبك حِواراً، أجابتك اعتباراً. وإن أنتَ تتبِّعته من

الأثر وكلام النبي صلى الله عليه وسلم تَثِقْ كلَّ الثقة بوجودك له

على الصِّفة التي قَدمتُ، وذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم:

"الظُّلْم ظُلُماتٌ يوم القيامة"، وقوله صلوت اللّه عليه:

"لا تزالُ أُمَّتِي بخيرٍ ما لم ترَ الغنى مَغْنَمَاً، والصدقةَ مَغْرَماً"،

وقوله صلى الله عليه وسلم: "يا أيُّهَا الناس؛ أَفْشُوا السلام،

وأَطْعِمُوا الطعام، وصِلُواْ الأرحامَ، وصَلُّوا بالليلِ، والناسُ نِيامٌ،

تدخلُوا الجنَّةَ بِسَلامٍ"، فأنت لا تجد في جميع ما ذكرتُ

لفظاً اجتُلِب من أجل السجع، وتُرك له ما هو أحقُّ بالمعنى

منه وأبرُّ به، وأهدَى إلى مَذْهبه، ولذلك أنكرَ الأعرابي

حين شكا إلى عامل ألماً بقوله: حُلِّئَتْ رِكَابِي، وشُقِّقَتْ ثيابي،

وضُرِبَتْ صِحابِي، فقال له العامل: أَوَتَسْجَعْ أيضاً إنكارَ العامل

السجع حتى قال: فكيف أقول?، وذاك أنّه لم يعلم أصلح

لما أراد من هذه الألفاظ ولم يَرَهُ بالسجع مُخِلاًّ بمعنى،

أو مُحْدِثاً في الكلام استكراهاً، أو خارجاً إلى تكلُّفٍ واستعمال

لما ليس بمُعَتادٍ في غَرضه، وقال الجاحظ: لأنه لو قال:

حُلِّئَتْ إبلي أو جمالي أو نوقي أو بُعْرَانِي أو صِرْمَتِي لكان لم يعبِّر

عن حقّ معناه، وإنما حُلِّئَتْ ركابه، فكيف يدع الركابَ إلى

غير الرَكّاب? وكذلك قولُه: وشُقِّقَتْ ثيابي، وضُرِبت صحَابِي،

فقد تبين من هذه الجملة أن المعنى المقتضى اختصاصَ

هذا النَّحو بالقَبُول: هو أنَّ المتكلم لم يَقُدِ المعنى نحوَ

التجنيس والسَّجع، بل قادَه المعنى إليهما، وعَبر به الفرق عليهما،

حتى إنه لو رَامَ تَركَهُما إلى خلافهما مما لا تجنيسَ فيه ولا سجعَ،

لدخَل من عُقُوق المعنى وإدخال الوَحْشَة عليه، في شبيهٍ

بما يُنسَب إليه المتكلف للتَّجنيس المستكْرَهِ، والسجع النَّافر،

ولن تجد أيمنَ طائراً، وأحسنَ أوّلاً وآخراً، وأهدى إلى الإحسان،

وأجلبَ للاستحسان، من أن تُرسل المعاني على سجيّتها،

وتَدَعها تطلب لأنفسها الألفاظَ، فإنها إذا تُركت وما تريد لم تكتسِ

إلا ما يليق بها، ولم تَلْبَسْ من المعارض إلا ما يَزِينها،

فأمّا أن تَضَع في نفسك أنه لا بُدَّ من أن تجنس

أو تَسْجَعْ بلفظين مخصوصين، فهو الذي أنْتَ منه بِعَرَض

الاستكراه، وعلى خَطَرٍ من الخطأ والوقوع في الذَّمّ، فإنْ

ساعَدَك الجَدّ كما ساعد في قوله: أو دعاني أمُت بما أودعاني،

وكما ساعد أبا تمام في نحو قوله:

وَأنجدتمُ من بَعْدِ إتـهـام دَارِكُـمْ ** فيا دَمعُ أَنْجِدْنِي عَلى سَاكِنِي نَجْدِ

وقوله:

هُنَّ الحَمَامُ، فإنْ كَسَرتَ عِيافةً ** من حَائِهنٌ فإنهـنَّ حِـمَـامُ

فذاك، وإلاّ أطلقت ألسنة العيب، وأفضى بك طلبُ الإحسانُ

من حيث لم يَحْسُنِ الطلبِ، إلى أفحش الإساءة وأكبر الذنب ،

ووقعت فيمِا تَرَى من ينصرك، لا يرى أحسن من أن لا يَرْويه لك،

ويَوَدُّ لو قَدَر على نَفْيه عنك، وذلك كما تجده لأبي تمام

إذا أسلم نفسه للتكلف، ويرى أنه إن مرَّ على اسم

موضع يحتاج إلى ذكره أو يتصل بقصة يذكرها في شعره،

مِنْ دُونَ أن يشتقّ منه تجنيساً، أو يعمل فيه بديعاً،

فقد باء بإثم، وأخلّ بفَرْضِ حَتْمٍ، من نحو قوله:


سيف الإمامِ الذي سمّتْهُ هَـبَّـتُــــهُ ** لمّا تَخَرَّمَ أهلَ الكُفْرِ مُخْتَـرِمَـا
إنّ الخليفةَ لمَّا صَالَ كـنـتَ لـــــــه ** خَلِيفةَ الموتِ فيمن جَارَ أَوْ ظَلَمَا
قَرَّت بقُرَّانَ عينُ الدين وَاشْتتـرَت ** بالأشتَرَينِ عُيونِ الشِّرْكِ فَاصطُلما

وكقول بعض المتأخرين:

اِلبسْ جلابيبَ الـقـنَـا عةِ إنّهـا أوقَـى رِداءْ
يُنْجيكَ من دَاءِ الحـريـ ـص معاً ومن أوقارِ داءْ


وكقول أبي الفتح البُستي:

جَفُّوا فما في طينهم للذي ** يَعْصِرُه من بِلَّةِ بِـلَّـهْ

وقوله:

أخٌ لي لفظُه دُرُّ ** وكلُّ فِعاله بِـرُّ
تلقّانِي فحيّانـي ** بوجهٍ بَشْرُهُ بِشْرُ


لم يساعدهما حُسن التوفيق كما ساعد في نحو قوله:

وكُلُّ غِـنًـى يَتـيهُ بــــــــــــه غـنـيٌّ ** فمـرتـجَـعٌ بـمـوتٍ أو زوال
وهَبْ جَدِّي طَوَى لي الأرض طُرّاً ** أليسَ الموتُ يَزْوِي ما زَوَى لـي

ونحوه:

منزلتي يحفظُها منزلي ** وباحتي تُكرِمُ ديباجتي

واعلم أنّ النكتة التي ذكرتها في التجنيس، وجعلتُها العّلةَ في

استيجابه الفضيلة وهي حُسْن الإفادة، مع أنّ الصورة صورةُ

التكرير والإعادة وإن كانت لا تظهر الظهورَ التامَّ الذي لا يمكن دَفْعُه،

إلا في المستوفَى المتفق الصورة منه كقوله:

ما مات من كَرَم الزمانِ فإنه ** يَحْيَى لدَى يَحْيَى بن عبد اللّه


أو المرفُوِّ الجاري هذا المَجْرَى كقوله:

"أودَعانِي أمتْ بما أوْدَعاني"، فقد يُتَصَوَّر في غير ذلك

من أقسامه أيضاً، فمما يظهر ذاك فيه ما كان نحو قول أبي تمام:

يَمُدُّون من أيدٍ عَواصٍ عَواصِـمٍ ** تَصُولُ بأسْيافٍ قَوَاضٍ قَواضِبِ


وقول البحتري:

لئن صَدَفتْ عنَّا فرُبَّـتَ أنـفُـس ** صَوادٍ إلى تِلك الوجُوه الصَّوادف


وذلك أنك تَتَوهم قبل أن يردَ عليك آخرُ الكلمة كالميم من

عواصم والباء من قواضب، أنها هي التي مَضَت،

وقد أرادتْ أن تجيئَك ثانيةً، وتعودَ إليكَ مؤكِّدَةً،

حتى إذا تمكن في نفسك تمامُها، ووعى سمعُك آخرَها،

انصرفتَ عن ظنّك الأول، وزُلْتَ عن الذي سبق من التخيُّل،

وفي ذلك ما ذكرتُ لك من طلوع الفائدة بعد أنْ يخالطك

اليأس منها، وحصول الربح بعد أن تُغالَطَ فيه حتى

ترى أنه رأس المال. فأما ما يقع التجانس فيه على

العكس من هذا وذلك أن تختلف الكلمات من أوّلها

كقول البحتري:

بسيوفٍ إيماضُها أوجالُ ** للأعادي ووقعُها آجال


وكذا قول المتأخر:

وكم سبقَتْ منـه إلَـيَّ عـوارفٌ ** ثنائَي من تلك العَـوارف وَارِف
وكم غُررٍ من بِـرّه ولـطـائفٍ ** لَشُكْرِي على تلك اللَّطائِف طائفُ


وذلك أنّ زيادة عوَارِف على وارف بحرف اختلاف

من مبدأ الكلمة في الجملة، فإنه لا يبعد كلَّ البعد

عن اعتراض طرفٍ من هذا التخيُّل فيه، وإن كان

لا يقوى تلك القوةَ، كأنك ترى أن اللفظة أعيدت

عليك مُبْدَلاً من بعض حروفها غيرُه أو محذوفاً منها،

ويبقى في تتبّع هذا الموضع كلامٌ حقُّه غير هذا

الفصل وذلك حيث يوضع.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 6:53 pm

فصل في قسمة التجنيس وتنويعه:




فالذي يجب عليه الاعتماد في هذا الفنّ، أن التوهُّم على ضربين:

1- ضربٍ يستحكم حتى يبلُغ أن يصيرَ اعتقاداً،

2- وضربٍ لا يبلغ ذلك المبلغ، ولكنه شيءٌ يجري في الخاطر،

وأنت تعرف ذلك وتتصور وَزْنه إذا نظرت إلى الفرق بين

الشيئين يشتبهان الشَبَهَ التامَّ؛ والشيئين يشبه أحدُهما بالآخر

على ضرب من التقريب، فاعرفه، وأما الحشو فإنما

كُرِهَ وذُمَّ وأُنْكر ورُدَّ، لأنه خلا من الفائدة، ولم يَحْلَ منه بعائدةٍ،

ولو أفاد لم يكن حشواً، ولم يُدْعَ لغْواً، وقد تراه مع إطلاق

هذا الاسم عليه واقعاً من القَبُول أحسنَ موقعَ، ومُدْركاً من

الرّضَى أجزلَ حظّ، وذاك لإفادته إيَّاك، على مجيئه مجيءَ

ما لا يعوّلَ في الإفادة عليه، ولا طائل للسامع لديه، فيكون

مَثَلُه مَثَلَ الحَسَنةِ تَأتيك من حيث لم ترقبها، والنافعةِ أتتك ولم تحتسبها،

وربّمَا رُزِقَ الطُّفَيْليُّ ظَرْفَاً يحظَى به حتى يحلَّ محلّ الأضياف

الذين وقعَ الاحتشاد لهم، والأحباب الذين وُثِقَ

بالأُنس منهم وبهم، وأما التطبيق والاستعارة وسائر أقسام البديع،

فلا شبهة أنَّ الحُسْن والقُبْح لا يعترض الكلامَ بهما

إلاّ من جهة المعاني خاصّةً، من غير أن يكون للألفاظ

في ذلك نصيبٌ، أو يكون لها في التحسين أو خلاف

التحسين تصعيدٌ وتصويب، أما الاستعارة، فهي ضربٌ من التشبيه،

ونَمَطٌ من التمثيل، والتشبيه قياس، والقياس يجري

فيما تعيه القلوب، وتُدركه العقول، وتُسْتَفتَى فيه الأفهامُ والأذهان،

لا الأسماع والآذان، وأما التطبيق، فأمره أبينُ،

وكونه معنوياً أجْلَى وأظهر، فهو مقابلة الشيء بضدِه،

والتضادّ بين الألفاظ المركَّبة مُحال، وليس لأحكام

المقابلة ثَمَّ مَجَال، فخذ إليكَ الآن بيت الفرزدق الذي


يُضْرَب به المثل في تَعَسُّفِ اللفظ:

ومَا مِثْلُهُ في الناسِ إلا مُمَلَّكَاً ** أبُو أمِّهِ حيٌّ أبوه يُقـاربـه


فانظر أتتَصَوَّر أن يكون ذلك للفظهِ من حيث إنّك أنكرتَ شيئاً،

من حروفه، أو صادفتَ وحشيّاً غريباً، أو سُوقيّاً ضعيفاً?

أم ليس إلاّ لأنه لم يُرَتَّب الألفاظ في الذكر،

على مُوجب ترتيب المعاني في الفكر، فكدَّ وكَدَّر،

ومنع السامع أن يفهم الغرضَ إلاّ بأنْ يُقدِّم ويؤخّر،

ثم أسرفَ في إبطال النِّظام، وإبعاد المرَام،

وصار كمن رَمَى بأجزاء تتألّف منها صورةٌ،

ولكن بعد أن يُراجَعَ فيها باباً من الهندسة، لفرط ما عادَى

بين أشكالها، وشدّةِ ما خَالف بين أوضاعها،

وإذا وجدت ذلك أمراً بيِّنَاً لا يُعارضك فيه شكٌّ،

ولا يملكك معه امتراءٌ، فانظر إلى الأشعار التي أَثنوا

عليها من جهة الألفاظ، ووصفوها بالسلامة،

ونسبوها إلى الدَّماثة،

وقالوا: كأنَّها الماءُ جَرَياناً، والهواءُ لُطفاً،

والرياضُ حُسْناً، وكأنها النَّسِيم، وكأنها الرَّحيقُ

مِزاجها التَّسْنِيم، وكأنها الديباج الخُسْرُوانيّ في

مَرامي الأبصار، ووَشْيُ اليمَن منشوراً على أذْرُع التِّجَار، كقوله:


ولَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَـاجةٍ ومَسَّح بالأركان مَنْ هو ماسـحُ
وشُدَّت على دُهْم المهَارَى رِحَالُنا ولم يَنْظُر الغادي الَّذِي هو رائحُ
أخذْنا بأطراف الأحاديث بَيْنَـنـا وسَالَتْ بأعناق المطيِّ الأباطحُ


ثم راجعْ فكرتَك، واشْحَذْ بصيرتَك، وأحسِنِ التأمُّل،

ودع عنك التجوُّز في الرأي، ثم انظر هل تجدُ لاستحسانهم

وحَمْدهم وثَنائهم ومَدحهم مُنْصَرَفاً، إلاّ إلى استعارةٍ

وقعت موقعَها، وأصابت غَرَضها، أو حُسن ترتيب تكاملَ

معه البيانُ حتى وصلَ المعنى إلى القلب مع وصول اللفظ

إلى السمع، واستقرَّ في الفهم مع وقوع العبارة في الأذن،

وإلا إلى سلامة الكلام من الحشو غير المفيد، والفضل

الذي هو كالزيادة في التحديد، وشيءٍ داخَلَ المعاني

المقصودَة مداخلةَ الطفيليّ الذي يستثقل مكانهُ،

والأجنبيّ الذي يُكره حُضوره، وسلامتهِ من التقصير

الذي يَفْتَقِر معه السامِعُ إلى تَطَلُّب زيادةٍ بقيت في نفس المتكلم،

فلم يدلَّ عليها بلفظها الخاصّ بها، واعتمد دليلَ حالِ غير مُفْصِح،

أو نيابةَ مذكورِ ليس لتلك النِّيابة بمُسْتَصْلَح،

وذلك أن أوّل ما يتلقَّاك من محاسن هذا الشعر أنه قال:

"ولمَّا قضينا من مِنًى كلَّ حاجة"

فعبّر عن قضاء المناسك

بأجمعها والخروج من فُروضِها وسُنَنِها، من طريقٍ أمكنه

أن يُقصِّر معه اللفظ، وهو طريقة العموم، ثم نبّه بقوله:

"ومسّح بالأركان من هو ماسحُ" على طواف الوداع الذي

هو آخر الأمر، ودليل المسيرِ الذي هو مقصوده من الشعر،

ثم قال: "أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا" فوصل بذكر مسح الأركان،

ما وليه من زَمِّ الركاب وركوب الرُّكبان، ثم دلّ بلفظة

الأطراف على الصّفة التي يختصّ بها الرِّفاق في السَّفر،

من التصرف في فنون القولِ وشجون الحديث،

أو ما هو عادة المتظرِّفين، من الإشارة والتلويح والرَّمْز والإيماء،

وأنبأ بذلك عن طِيب النفوس، وقُوَّة النشاط، وفَضْلِ

الاغتباط، كما تُوجبُه ألفة الأصحاب وأُنسةُ الأحباب،

وكما يليق بحال من وُفَّق لقضاء العبادة الشريفة

ورجا حُسن الإياب، وتنسَّمَ روائح الأحبّة والأوطان،

واستماع التهاني والتَّحايا من الخُلاَّن والإخوان،

ثم زانَ ذلك كلَّه باستعارة لطيفةٍ طَبَّق فيها مَفْصِل التشبيه،

وأفاد كثيراً من الفوائد بلُطْف الوَحْي والتنبيه،

فصرحّ أوّلاً بما أومأ إليه في الأخذ بأطراف الأحاديث،

من أنهم تَنَازعوا أحاديثهم على ظهور الرَّواحل،

وفي حال التوجُّه إلى المنازل، وأخبر بعدُ بسرعة السير،

ووَطَاءة الظَّهر، إذ جَعَل سلاسة سَيْرها بهم كالماء

تسيل به الأباطح، وكان في ذلك ما يؤكّد ما قبْله،

لأن الظُّهور إذا كانت وَطِيئةً وكان سيرها السَّيْرَ السهلَ السريع،

زاد ذلك في نشاط الرُّكبان، ومع ازدياد النشاط

يزداد الحديث طِيباً، ثم قال: بأعناق المطيّ، ولم يقل بالمطيّ،

لأن السرعة والبُطءَ يظهران غالباًفي أعناقها،

ويَبِين أمرهما من هَواديها وصدورِها، وسائِرُ أجزائها

تستند إليها في الحركة، وتَتبعها في الثِّقَل والخفَّة،

ويُعبِّر عن المَرَح والنشاط، إذا كانا في أنفسها،

بأفاعيلَ لها خاصّة في العنق والرأس، وتَدُلّ عليهما

بشمائل مخصوصةٍ في المقاديم، فقل الآن: هل بقيتْ

عليك حسنة تُحِيل فيها على لفظة من ألفاظها حتى

إنّ فَضْلَ تلك الحسنة يبقى لتلك اللفظة لو ذُكرتْ على الانفراد،

وأزيلت عن موقعها من نظم الشاعر ونسجه وتأليفه وترصيفه،

وحتى تكون في ذلك كالجوهرة التي هي، وإن ازدادت

حُسناً بمصاحبة أخواتها، واكتست بهاءً بمُضَامَّة أترابها،

فإنها إذا جُلِيتْ للعين فَرْدةً، وتُركت في الخيط فَذَّة،

لم تعدم الفضيلة الذاتية، والبهجة التي في نفسها

مَطويَّة والشَّذْرةِ من الذهب تراها بصُحْبة الجواهر لها

في القلادة، واكتنافها لها في عنق الغَادة،

ووَصْلها بريقَ جَمرتها والتهاب جَوْهَرها،

بأنوار تلك الدُّرَر التي تجاورها، ولألاء اللآلئ التي

تُناظرها تزداد جمالاً في العين، ولُطْف موقِع من

حقيقة الزين، ثم هي إن حُرِمت صُحبة تلك العقائل،

وفَرَّقَ الدهرُ الخؤُون بينها وبين هاتيك النفائس،

لم تَعْرَ من بَهْجتها الأصيلة، ولم تذهب عنها فضيلة

الذَّهبية، كلاَّ، ليس هذا بِقياس الشعر الموصوفِ بحسن اللفظ،

وإن كان لا يبعد أن يتخيّله مَنْ لا يُنعم النظر، ولا يُتمّ التدبُّر،

بل حقُّ هذا المثل أن يوضع في نصرة بعض المعاني

الحكمية والتشبيهية بعضاً، وازدياد الحسن منها بأن

يجامِعَ شكلٌ منها شكلاً، وأن يصل الذِّكرُ بين متدانيات

في ولادة العقول إياها، ومتجاوراتٍ في تنزيل الأفهام لها.



واعلم أن هذه الفصول التي قدَّمتها وإن كانت قضايَا لا يكاد

يخالف فيها مَنْ به طِرْقٌ، فإنه قد يُذكر الأمر المتّفَقّ عليه،

ليُبنَى عليه المختلَفُ فيه، هذا وربّ وِفاقِ من مُوافِقٍ

قد بقيتْ عليه زياداتٌ أغفلَ النظرَ فيها، وضروبٌ من

التلخيص والتهذيب لم يبحث عن أوائلها وثوانيها،

وطريقةٌ في العبارة عن المغزى في تلك الموافقة لم يمهّدها،

ودقيقةٌ في الكشف عن الحجة على مخالف لو عرض

من المتكلفين لم يجدها، حتى تراه يطلق في عُرْض كلامه

ما يبرز به وِفاقاً في مَعْرِض خلاف، ويعطيك إنكاراً

وقد همَ باعتراف، وربّ صديق والاك قلبهُ، وعاداك فِعلهُ،

فتركك مكدوداً لا تشتفي من دائك بعلاج، وتبقى منه في

سوء مزاج،لفصول التي قدَّمتها وإن كانت قضايَا لا يكاد

يخالف فيها مَنْ به طِرْقٌ، فإنه قد يُذكر الأمر المتّفَقّ عليه،

ليُبنَى عليه المختلَفُ فيه، هذا وربّ وِفاقِ من مُوافِقٍ

قد بقيتْ عليه زياداتٌ أغفلَ النظرَ فيها، وضروبٌ من

التلخيص والتهذيب لم يبحث عن أوائلها وثوانيها،

وطريقةٌ في العبارة عن المغزى في تلك الموافقة لم يمهّدها،

ودقيقةٌ في الكشف عن الحجة على مخالف لو عرض

من المتكلفين لم يجدها، حتى تراه يطلق في عُرْض كلامه

ما يبرز به وِفاقاً في مَعْرِض خلاف، ويعطيك إنكاراً وقد

همَ باعتراف، وربّ صديق والاك قلبهُ، وعاداك فِعلهُ،

فتركك مكدوداً لا تشتفي من دائك بعلاج، وتبقى

منه في سوء مزاج.


المقصد


واعلم أن غرضي في هذا الكلام الذي ابتدأته،

والأساس الذي وضعته، أن أتوصّل إلى بيان

أمر المعاني كيف تختلف وتتفق، ومن أين تجتمع وتفترق،

وأفصل أجناسها وأنْواعها، وأتتبّع خاصّها ومُشَاعَها،

وأبين أحوالها في كرم مَنْصبها من العقل،

وتمكُّنَها في نِصَابه، وقُرْب رَحِمِها منه،

أو بُعدها حين تُنسب عنه، وكَوْنِها كالحَلِيف

الجارِي مجرى النَّسَبَ، أو الزَّنيم الملصَق

بالقوم لا يقبلونه، ولا يمتعضون له ولا يَذُبُّون دونه،

وإنّ من الكلام ما هو كما هو شريف في جوهره

كالذهب الإبريز الذي تختلف عليه الصُوَر وتتعاقب

عليه الصناعات، وجُلَّ المعَوَّل في شرفه على ذاتهِ،

وإن كان التصويرُ قد يزِيد في قيمته ويرفع من قدره،

ومنه ما هو كالمصنوعات العجيبة من موادَّ غير

شريفة، فلها، ما دامت الصورة محفوظةً عليها

لم تنتقض، وأثَر الصنعة باقيّاً معها لم يبطل قيمةٌ تغلو،

ومنزلة تعلو، وللرغبة إليها انْصبابٌ، وللنفوس

بها إعجاب، حتى إذا خانت الأيام فيها أصحابَها،

وضامَت الحادثاتُ أربابها، وفجعتهم فيها بما

يسلُب حُسْنها المكتسب بالصَّنعة، وجمالَها المستفادَ

من طريق العَرضِ، فلم يبق إلا المادّة العارية من التصوير،

والطِّينة الخالية من التشكيل سقطت قيمتها،

وانحطت رتبتها، وعادت الرَّغبات التي كانت فيها زُهداً،

وأوسعتها عيونٌ كانت تطمح إليها إعراضاً دونها،

وصدّاً، وصارت كمن أحظاه الجدُّ بغير فضلٍ كان

يرجع إليه في نفسه، وقدَّمه البخت من غير معنًى

يقضي بتقدّمه، ثم أفاق فيه الدهر عن رقدته،

وتنبّه لغلطته، فأعاده إلى دِقّة أصله، وقلّة فضله،

وهذا غرضٌ لا يُنال على وجهه، وطَلِبةٌ لا تُدرَك كما ينبغي،

إلا بعد مقدّماتٍ تُقدَّم، وأصولٍ تُمهَّد، وأشياءَ هي

كالأدوات فيه حقُّها أن تُجمع، وضروبٍ من القول

هي كالمسافات دونه، يجب أن يُسَار فيها بالفكر وتُقْطَع،

وأوَّلُ ذلك وأوْلاه، وأحقّهُ بأن يستوفِيَهُ النظر ويتَقَصَّاه،

القولُ على التشبيه و التمثيل و الاستعارة،

فإن هذه أصولٌ كبيرة، كأنَّ جُلَّ محاسن الكلام إن لم نقل:

كُلَّها متفرّعة عنها، وراجعة إليها، وكأنها أقطابٌ تدور

عليها المعاني في مُتصرَّفَاتها، وأقطارٌ تُحيط بها

من جهاتها، ولا يَقْنع طالب التحقيق أن يقتصر فيها

على أمثلة تُذكر، ونظائرَ تُعدُّ، نحو أن يقال:

الاستعارة مثل قولهم الفكرة فخُّ العمل، وقوله:

"وعُرّىَ أفراسُ الصِّبَا وَرَوَاحِلُهْ" وقوله:

"السفَرُ ميزان القوم"،

وقول الأعرابي:

"كانوا إذا اصطفُّوا سَفَرتْ بينهم السهام،

وإذا تصافحوا بالسيوف قَفَز الحِمَام"،

و التمثيل كقوله: "فإنك كَاللَّيْلِ الَّذِي هُو مُدْرِكِي"

ويؤتى بأمثلة إذا حُقّق النَّظَر في الأشياء يجمعها

الاسم الأعمّ، وينفرد كل منها بخاصّةٍ، مَنْ لم يقف

عليها كان قصيرَ الهمّة في طلب الحقائق، ضعيفَ

المُنّة في البَحْث عن الدقائق، قليلَ التَّوْقِ إلى معرفة

اللطائف، يرضى بالجُمَل والظواهر، ويَرَى أن لا يُطيل

سَفَر الخاطر، ولعمري إنّ ذلك أروَحُ للنفس، وأقلُّ للشُّغْل،

إلا أنّ مِنْ طلب الراحة ما يُعْقب تعباً، ومِنَ اختيارِ

ما تقلُّ معه الكُلفة ما يُفْضِي إلى أشدّ الكُلفة، وذلك

أن الأمور التي تلتقي عند الجُملة وتتَباين لَدَى التفصيل،

وتجتمع في جِذْمٍ ثم يذهب بها التشعُّب ويقسمها قَبِيلاً

بعدَ قبيل، إذا لم تُعْرَف حقيقة الحال في تلاقيها حيث التقت،

وافتراقها حيث افترقت، كان قياسُ مَنْ يحكم فيها،

إذا توسَّط الأمرَ قياسَ من أرادَ الحكم بين رجلين في

شرفهما وكرَم أصلهما وذهاب عِرْقهما في الفضل،

ليعلم أيُّهما أقعد في السؤدد، وأحقُّ بالفخر، وأرسخ

في أُرُومة المجد، وهو لا يعرف من نسبتهما أكثرَ

من ولادة الأب الأعلى والجد الأكبر، لجواز أنّ يكون

واحد منهما قُرشياً أو تَمِيمياً، فيكون في العجز عن

أن يُبْرِم قضيةً في معناهما، ويبيّن فضلاً أو نقصاً في

منتماهما في حكم من لا يعلم أكثر من أن كل واحد

منهما آدميٌّ، ذَكَر، أو خَلْقٌ مصوَّر. واعلم أن الذي

يوجبُه ظاهر الأمر، وما يَسْبِق إلى الفكر، أن يُبْدَأ

بجملةٍ من القول في الحقيقة و المجاز ويُتْبَعَ ذلك القولَ

في التشبيه و التمثيل، ثم يُنسَّق ذِكْرُ الاستعارة عليهما،

ويُؤْتَى بها في أثرهما، وذلك أن المجاز أعمُّ من الاستعارة،

والواجب في قضايا المراتب أن يُبدأ بالعامّ قبل الخاصّ ،

و التشبيه كالأصل في الاستعارة، وهي شَبِيهٌ بالفرع له،

أو صورة مقتضبة من صُوَره إلاّ أنّ ها هنا أموراً اقتضت

أن تقع البِدَاية بالاستعارة، وبيان صَدْرٍ منها، والتنبيهِ

على طريق الانقسام فيها، حتى إذا عُرِف بعض ما يكشف

عن حالها، ويقف على سَعَة مجالها، عُطف عِنان الشرح

إلى الفصلين الآخرين، فَوُفِّيَا حقوقَها، وبُيِّنَ فروقُهما،

ثم يُنْصَرَف إلى استقصاء الكلام في الاستعارة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 6:56 pm

تعريف الاستعارة:



اعلم أن الاستعارة في الجملة أن يكون للَّفظ أصلٌ في

الوضع اللغوي معروفٌ تدلُّ الشواهد على أنه اخْتُصَّ

به حين وُضع، ثم يستعمله الشاعر أو غير الشاعر في

غير ذلك الأصل، وينقله إليه نقلاً غيرَ لازمٍ،

فيكون هناك كالعارِيَّة.


تقسيم الاستعارة:

ثم إنها تنقسم أوّلاً قسمين،

أحدهُما: أن يكون لنقله فائدة،

والثاني: أن لا يكون له فائدة،

وأنا أبداً بذكر غير المفيد، فإنه قصيرُ الباع،

قليل الاتساع، ثم أَتَكلم على المُفيَد الذي هو المقصود،

وموضع هذا الذي لا يفيد نقله، حيث يكون

اختصاصُ الاسم بما وُضع له من طريق أريدَ به

التوسُّع في أوضاع اللغة، والتنوُّق في مراعاة

دقائق في الفروق في المعاني المدلول عليها،

كوضعهم للعضو الواحد أساميَ كثيرةً بحسب

اختلاف أجناس الحيوان، نحوَ وضع الشفة

للإنسان و المشْفَر للبعير و الجحفلة للفرس،

وما شاكل ذلك من فروقٍ ربما وجُدت في غير

لغة العرب وربما لم توجد، فإذا استعمل الشاعر

شيئاً منها في غير الجنس الذي وُضِع له،

فقد استعاره منه ونقله عن أصله وجَازَ به موضعَه،

كقول العجّاج "وفَاحماً، ومَرْسِناً مُسَرَّجَا"

يعني أنْفاً يَبْرُق كالسِّراج، و المَرْسِنُ في الأصل للحيوان،

لأنه الموضع الذي يقع عليه الرسن وقال آخر: يصف إبلاً:

تسمعُ للماءِ كصوتِ المِسْحَلِ بين وَريدَيها وبَين الجَحْفَـلِ

فجعل للإبل جحافل، وهي لذوات الحوافر، وقال آخر:

"وَالحَشْوُ من حَفَّانها كالحَنظلِ" فأجرَى الحَفَّان على

صغار الإبل، وهو موضوع لصغار النعام، وقال الآخر:

فبِتْنَا جُلوساً لَدَى مُهرِنَـا نُنَزِّعُ من شَفَتيه الصَّفَارَا

فاستعمل الشفة في الفرس، وهي موضوعة للإنسان،

فهذا ونَحْوه لا يفيدك شيئاً، لو لزمتَ الأصليّ

لم يحصل لك، فلا فرق من جهة المعنى بين قوله

من شفتَيه وقوله من جَحْفلتيه لو قاله،

إنما يُعْطِيك كِلا الاسمين العضوَ المعلومَ فحسب،

بل الاستعارة ها هنا بأن تنقصك جزءاً من الفائدة أشبهُ،

وذلك أنّ الاسم في هذا النحو، إذا نفيتَ عن نفسك

دخولَ الاشتراك عليه بالاستعارة، دَلَّ ذكره على

العضو وما هو منه، فإذا قلت الشفة دلَّ على

الإنسان، أعني يدلّ على أنك قصدت هذا العضو

من الإنسان دون غيره، فإذا توهمت جَرْيَ

الاستعارة في الاسم، زالت عنها هذه الدلالة بانقلاب

اختصاصها إلى الاشتراك، فإذا قلت الشفة في

موضع قد جرى فيه ذكرُ الإنسان والفرس،

دخل على السامع بعض الشبهة، لتجويزه أن تكون

استعرتَ الاسم للفرس، ولو فرضنا أن تُعدَم

هذه الاستعارة من أصلها وتُحظَر، لمَا كان لهذه

الشُبهة طريق على المخاطب فاعرفه.


وأمَّا المفيد فقد بانَ لك باستعارته فائدةٌ ومعنًى

من المعاني وغَرَضٌ من الأغراض، لولا مكان

تلك الاستعارة لم يحصل لك، وجملة تلك الفائدة

وذلك الغرض التشبيه، إلا أنَّ طُرُقه تختلف حتى

تفوت النهايةَ، ومذاهبه تتشعب حتى لا غاية،

ولا يمكن الانفصال منه إلا بفصول جمّة، وقسمة

بعدَ قسمة، وأنا أرى أن أقتصر الآن على إشارة

تُعرِّفُ صورته على الجملة بقدر ما تراه،

وقد قَابَلَ خلافَهُ الذي هو غير المفيد، فيتمّ تصوُّرك

للغرض والمراد، فإن الأشياء تزداد بياناً بالأضداد،

ومثاله قولنا: رأيت أسداً، وأنت تعني رجلاً شجاعاً،

و بحراً، تريد رجلاً جواداً و بدراً و شمساً، تريد

إنساناً مضيء الوَجْه متهَلّلاً و سللتُ سيفاً على

العدوّ تريد رجلاً ماضياً في نصرتك، أو رأياً نافذاً

وما شاكل ذلك، فقد استعرت اسم الأسد للرجل،

ومعلومٌ أنك أفدت بهذه الاستعارة ما لولاها لم

يحصل لك، وهو المبالغة في وصف المقصود

بالشجاعة، وإيقاعُك منه في نفس السامع صورة

الأسد في بطشه وإقدامه وبأسه وشدّته،

وسائر المعاني المركوزة في طبيعته، مما يعود إلى الجرأة،

وهكذا أفدت باستعارة البحر سَعَته في الجود

وفَيْضَ الكفّ، و بالشمس والبدر ما لهما من

الجمال والبهاء والحسن المالئ للعيون الباهر

للنواظر، وإذْ قد عرفت المثالَ في كون الاستعارة

مفيدة على الجملة، وتبيّن لك مخالفةُ هذا الضرب

للضرب الأوّل الذي هو غير المفيد، فإني أذكر

بقية قولٍ مما يتعلق به، أعني بغير المفيد، ثم

أعطف على أقسام المفيد وأنواعه، وما يتصل به

ويدخل في جملته من فنون القول بتوفيق اللّه عز وجل،

وأسأله عز اسمه المعونة، وأبرأ إليه من الحول

والقوة، وأرغب إليه في أن يجعل كل ما نتصّرف

فيه منصرِفاً إلى ما يتصل برضاه، ومصروفاً

عمَّا يؤدّي إلى سَخَطِه. اعلم أنه إذا ثبت أن

اختصاص المَرْسِن بغير الآدمي لا يفيد أكثر

مما يفيد الأنف في الآدمي وهو فَصْل هذا العضو

من غيره ولم تكن باستعارته للآدميّ مفيداً

ما لا تفيده بالأنف لم يتُصوّر أن يكون استعارة

من جهة المعنى، وإذا كان مدَار أمره على اللفظ

لم يتصور أن يكون في غير لغة العرب، بَلَى،

إن وُجد في لغة الفُرْس مراعاةُ نحو هذه الفروق،

ثم نقلوا الشيءَ من الجنس المخصوص به إلى

جنس آخر، كانوا قد سلكوا في لُغتهم مسلك

العَرَب في لغتها،وليس كذلك المفيدُ،

فإن الكثير منه تراه في عِداد ما يشترك فيه

أجيال الناس، ويجري به العُرْف في جميع اللغات،

فقولك رأيت أسداً، تريد وصفَ رجل بالشجاعة وتشبيههُ

بالأسد على المبالغة، أمرٌ يَستوي فيه العربيُّ والعجميُّ،

وتجِده في كل جِيل، وتسمعه من كل قبيل،

كما أن قولنا زيد كالأسد على التصريح بالتشبيه كذلك،

فلا يمكن أن يُدَّعَى أنا إذا استعملنا هذا النحو

من الاستعارة، فقد عمدنا إلى طريقةٍ في المعقولات

لا يعرفها غير العرب، أو لم تتفق لمن سواهم،

لأن ذلك بمنزلة أن تقول: إن تركيبَ الكلام من الاسمين،

أو من الفعل والاسم، يختصّ بلغة العرب،

وإنّ الحقائق التي تُذكر في أقسام الخبر ونحوه،

مما لا نعقله إلاّ من لغة العرب، وذلك مما لا يخفَى

فسادُه، فإذا ذُكر المجاز، وأُريد أن يُعَدَّ هذا النحو

من الاستعارة فيه، فالوجه أن يضاف إلى العقلاء جملةً،

ولا تُستعمل لفظةٌ تُوهمُ أنه مِنْ عُرْفِ هذه اللغة

وطُرُقِها الخاصة بها، كما تقول مثلاً فيما يختصُّ

باللغة العربية من الأحكام، نحو الإعراب بالحركات،

والصَّرْف ومنع الصَّرف، ووضعِ المصدر مثلاً

مواضع اسم الفاعل نحو رجلٌ صَوْمٌ و ضَيْفٌ،

وجمعِ الاسم الواحد في التكسير عِدّة أمثلة نحو فَرْخ

و أفُرخ و فِراخ و فُروخ، وكالفرق بين المذّكر والمؤنَّث

في الخطاب وجملةِ الضمائر وما شاكل ذلك،

ولإغفال هذا الموضع والتجوّز في العبارة عنه،

دخل الغلط على مَنْ جَعَل الشيءَ من هذا الباب سَرِقةً

وَأخْذاً حتى نُعِي عليه، وبَيَّنَ أنه من المعاني العاميَّة

والأمور المشتركة التي لا فضل فيها للعربيّ على العجميّ،

ولا اختصاص له بجيل دون جيل، على ما ترى القول فيه،

إن شاء اللّه تعالى في موضعه، وهو تعالى وليّ المنّ

بالتوفيق له بفضله وجوده، ولو أن مترجماً ترجم قوله:

"وإلاّ النَّعامَ وحَفّانَهُ" ففسّر الحفّان باللفظ المشترك

الذي هو كالأولاد والصغار، لأنه لا يجد في اللغة التي

بها يترجم لفظاً خاصّاً، لكان مصيباً ومؤديّاً للكلام كما هو،

ولو أنه ترجم قولنا: رأيت أسداً، تريد رجلاً شجاعاً،

فذكر ما معناه معنى قولك: شجاعاً شديداً، وترك أن يذكر

الاسم الخاص في تلك اللغة بالأسد على هذه الصورة،

لم يكن مترجماً للكلام، بل كان مستأنِفاً من عند نفسه كلاماً،

وهذا بابٌ من الاعتبار يُحتاج إليه، فحقُّه أن يُحفَظ، وعسى

أن يجيءَ له زيادةُ بسطٍ فيما يُستقبَل، فاعلم أنك قد تجد

الشيء يُخلَط بالضَّرب الأول الذي استعارة من طريق

اللفظ ويُعدُّ في قبيله، وهو إذا حقَّقت ناظِرٌ إلى الضرب

الآخَر الذي هو مستعار من جهة المعنى وجارٍ في سبيله،

فمن ذلك قولهم: إنه لغليظ الجَحافل، وغليظُ المشافر،

وذلك أنه كلام يصدر عنهم في مواضع الذّمّ،

فصار بمنزلة أن يقال: كأنَّ شفته في الغِلَظ مِشفَر البعير

وجَحْفَلة الفرس، وعلى ذلك قول الفرزدق:

فلو كنتَ ضَبّيّاً عرفتَ قَرابتي ** ولكنَّ زنجيّاً غليظَ المشافِـر


فهذا يتضمّن معنى قولك: ولكن زنجياً كأنه جمل لا يعرفُني

ولا يهتدي لَشَرفي، وهكذا ينبغي أن يكون القول في قولهم:

أنْشبَ فيه مخالبه، لأنَّ المعنى على أن يجعل له التعلُّق بالشيء

والاستيلاء عليه، حالةً كحالة الأسد مع فريسته،

والبازي مع صيده، وكذا قول الحُطَيئة:

قَرَوْا جارَك العَيمْانَ لمَّا جَفَوْتَـهُ ** وقَلَّصَ عن بَرْدِ الشَّرابِ مَشَافرهُ


حَقُّه، إذا حقّقت، أن يكون في القبيل المعنويّ،

وذلك أنه وإن كان عَنَى نفسَهُ بالجار، فقد يجوزُ

أن يقصد إلى وصْفِ نفسه بنوع من سُوء الحال،

ويعطيها صفةً من صفات النقص، ليزيد بذلك في

التهكم بالزِّبرقان، ويؤكّد ما قصده من رميه بإضاعة

الضيف واطراحه وإسلامه للضُرّ والبؤس، وليس

ببعيد من هذه الطريقة من ابتدأ شعراً في ذمِّ نفسه،

ولم يرضَ في وصف وجهه بالتقبيح والتشويه

إلا بالتصريح الصريح دون الإشارة والتنبيه.

وأما قولُ مُزَرِّد:

فما رَقَد الوِلْدانُ حتـى رأيتُـهُ عَلَى البَكْرِ يَمْرِيهِ بِسَاقٍ وحَافِر


فقد قالوا إنه أراد أن يقول: بساقِ وقَدَمٍ، فلما لم تطاوعه القافية

وضع الحافرَ موضع القدم، وهو وإن كان قد قال بعد هذا

البيت ما يدلُّ على قَصْدِه أن يُحسنَ القولَ في الضيف،

ويُباعده من أن يكون قَصَدَ الزراية عليه، أو يَحولَ

حول الهزء به والاحتقار له، وذلك قوله:

فقلتُ له أهْلاً وسَهلاً ومَرْحباً ** بهذا المُحيّا من مُحَيٍّ وزائرِ

فليس بالبعيد أن يكون فيه شوبٌ مما مضى، وأن يكون الذي

أفضى به إلى ذكر الحافر، قَصْدُه أن يصفه بسوء الحال في مسيره،

وتقاذُفِ نواحي الأرض به، وأن يُبالغ في ذكره بشدّة الحرص

على تحريك بَكْره، واستفراغ مجْهودهِ في سيره،

ويُؤنِس بذلك أن تنظر إلى قوله قبل:


وأشْعَثَ مُسْتَرخِي العَلاَبِي طوَّحَـتْ ** به الأرضُ من بَادٍ عَريضٍ وحاضر

فأَبْصَرَ نارِي وهي شقْراءُ أوقِـدتْ ** بعَلْيَاءِ نَشْزٍ للعُـيونِ الـنَّـواظِـرِ


وبعده فما رَقد الوِلْدان، فإذا جعله أشْعَثَ مسترخِي العَلاَبيّ،

فقد قَرُبَت المسافة بينه وبين أن يجعل قدمه حافِراً، ليعطيه،

من الصلابة وشدة الوَقع على جَنْب البكر حظّاً وافراً،

وهكذا قول الآخر:

سأمنَعُها أو سوفَ أجعَلُ أمْرَها ** إلى مَلِكٍ أظْلافُهُ لم تَشَـقَّـق


هو في حد التشبيه والاستعارة، لأن المعنى على

أن الأظلاف لمن يُربَأ بالمَلِك عن مشابهته، كأنه قال:

أجعلُ أمرها إلى ملكٍ، لا إلى عبدٍ جافٍ مُتَشقق الأظلاف،

ويدلُّ على ذلك أن أبا بكر بن دريد قال في أول الباب

الذي وضعه للاستعارة: يقولون للرجل إذا عابوه:

جاءَنا حافياً مُتَشقِّق الأظلاف ثم أنشد البيت،

فإذا كان من شَرْط هذه الاستعارة أن يُؤْتَى بها في

موضع العَيب والنقص، فلا شك في أنها معنوية وكذا قوله:

وذات هِدْم عارٍ نَوَاشِرُها ** تُصْمِتُ بالماءِ تَوْلَباً جَدِعا


فأجرى التَولب على ولد المرأة، وهو لولد الحمار

في الأصل، وذلك لأنه يصف حال ضُرّ وبؤس،

ويذكر امرأةً بائسةً فقيرةً، والعادة في مثل ذلك الصفة

بأوْصاف البهائم، ليكون أبلغ في سوء الحال وشدّة

الاختلال، ومثله سواء قول الآخر:

وذكرتُ أهليَ بـالـعَـرا ** قِ وحَاجةَ الشُعْثِ التَّوَالبْ


كأنه قال: الشُعث التي لو رأيتَها حسبتها تَوالب،

لما بها من الغُبرة وبذاذة الهيئة، والجدِع في البيت

بالدال غير معجمة، حكى شيخنا رحمه اللّه قال:

أنشد المفضَّل تُصمِتُ بالماء تَولباً جَذَعاً بالذال المعجمة،

فأنكره الأصمعي وقال: إنما هو تصمت بالماء

تولباً جَدِعاً وهو السيّئ الغذاء، قال: فجعل المفضَّل يصيح،

فقال الأصمعي: لو نفخت في الشَّبُّور ما نفعك، تَكلَّمْ بكلام

الحُكْل وأصب. وأما قول الأعرابي: كيف الطَّلا وأُمُّه?

فمن جنس المفيد أيضاً، لأنه أشار إلى شيء من تشبيه

المولود بولد الظبي، ألا تراه قال ذاك بعد أن انصرف

عن السُخط إلى الرضَى، وبعد أن سَكَن عنه فَورةُ

الجوع الذي دعاه إلى أن قال: مَا أصنع به?

آكُلُهُ أم أشرَبُه حتى قالت المرأة "غَرثانُ فارْبُكُوا له"،

وأمَّا قوله:

إذْ أشْرَفَ الدِّيكُ يَدْعُو بعضَ أسْرَتِهِ ** عندَ الصَّباح، وهُمْ قومٌ مَعَـازِيلُ


فاستعارةُ القوم ها هنا، وإن كانت في الظاهر لا تفيد

أكثر من معنى الجمع، فإنها مفيدة من حيث أراد أن

يعطيها شَبَهاً مما يعقل، على أن هذا إذا حقّقنا في

غير ما نحن فيه وبصدده في هذا الفصل، وذلك أنه

لم يجتلب الاسمَ المخصوصَ بالآدميين حتى قدَّم تنزيلها

منزلتَهم فقال "هم"، فأتى بضمير مَنْ يعقل،

وإذا كان الأمر كذلك، كان القوم جارياً مجرى الحقيقة،

ونظيره أنك تقول: أين الأسودُ الضّارِية?

وأنت تعني قوماً من الشجعان، فيلزم في الصفة حكم ما لا يعقل،

فتقول: الضارية، ولا تقول الضارون ألبتة،

لأنك وضعتَ كلامك على أنك كأنك تحدِّث عن الأسود

في الحقيقة. وعلى هذه الطريقة ينبغي أن يُجْرى بيت المتنبي:

زُحَلٌ، عَلَى أنّ الكواكب قومُه ** لو كان منكَ لكان أكرمَ مَعْشَرا


وإن لم يكن معنا اسمٌ آخر سابقٌ حكمَ ما يعقل للكواكب،

كالضمير في قوله وهم قوم، وذلك أنّ ما يُفْصِح به الحال

من قَصْده أنْ يَدّعِي للكواكب هذه المنزلة يجري مجرى التصريح بذلك،

ألا ترى أنه لا يتّضح وجه المدح فيه إلا بدَعْوَى أحوال الآدميين

ومَعارفهم للكواكب، لأنه يفاضل بينه وبينها في الأوصاف العقلية

بدلالة قوله "لكان أكرمَ مَعْشَراً"، ولن يُتحَصَّل ثبوتُ وصفٍ شَرِيف

معقولٍ لها ولا الكرمِ على الوجه الذي يُتعارَف في الناس حتى

تُجعَل كأنها تعقل وتُميز، ولو كانت المفاضلةُ في النور والبهاء

وعلوِّ المحلِّ وما شاكل ذلك، لكان لا يلزم حينئذ ما ذكرتُ،

وحقُّ القول في هذا القبيل أعني ما يُدَّعَى فيه لما لا يعقل العقل

فصلٌ يُفرَد به، ولعله يجيءُ في موضعه بمشيئة اللّه وتوفيقه.


القول في الاستعارة المفيدة:

اعلم أنّ الاستعارة في الحقيقة هي هذا

الضرب دون الأول، وهي أمَدُّ ميداناً، وأشدُّ افتناناً،

وأكثر جرياناً، وأعجب حسناً وإحساناً، وأوسعُ سعَةً

وأبعد غَوْراً، وأذهبُ نَجْداً في الصِّناعة وغَوْراً،

من أن تُجمعَ شُعَبها وشُعُوبها، وتُحصَر فنونها وضروبها،

نعم، وأسحَرُ سِحْراً، وأملأ بكل ما يملأ صَدْراً،

ويُمتع عقلاً، ويُؤْنِس نفساً، ويوفر أُنْساً،

وأهدَى إلى أن تُهدِي إليك أبداً عَذَارَى قد تُخُيِّرَ لها الجمال،

وعُنِيَ بها الكمال وأن تُخرج لك من بَحْرها جواهرَ إن

باهَتْها الجواهرُ مَدَّت في الشرف والفضيلة باعاً لا يقصرُ،

وأبدت من الأوصاف الجليلة محاسنَ لا تُنكَر،

وردَّت تلك بصُفرة الخجل، ووَكَلتها إلى نِسْبتها من الحَجَر

وأن تُثير من مَعْدِنها تِبْراً لم ترَ مثلَه، ثم تصوغ فيها

صياغاتٍ تُعطّل الحُلِيَّ، وتُريك الحَلْيَ الحقيقي وأن تأتيك

على الجُملة بعقائل يأْنس إليها الدين والدنيا،

وفضائل لها من الشرف الرُّتْبة العليا، وهي أجلُّ من

أن تأتيَ الصفةُ على حقيقة حالها، وتستوفيَ جملةَ جمالها،

ومن الفضيلة الجامعة فيها أنها تُبرز هذا البيان أبداً

في صورة مُستجَدَّةٍ تزيد قَدرَه نُبْلاً، وتوجب له

بعد الفضلِ فضلاً، وإنَّكَ لَتِجِدُ اللفظة الواحدة قد

اكتسبتَ بها فوائد حتى تراها مكرّرة في مواضعَ،

ولها في كل واحد من تلك المواضع شأنٌ مفردٌ،

وشرفٌ منفردٌ، وفضيلةٌ مرموقة، وخِلاَبةٌ موموقة،

ومن خصائصها التي تُذكرَ بها، وهي عنوان مناقبها،

أنَّها تُعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ،

حتى تُخرجَ من الصدَفة الواحدة عِدّةً من الدُّرَر،

وتَجْنِيَ من الغُصْن الواحد أنواعاً من الثَّمر،

وإذا تأمَّلتَ أقسام الصَّنعة التي بها يكون الكلام

في حَدَّ البلاغة، ومعها يستحِق وصفَ البراعة،

وجدتَها تفتقر إلى أن تُعيرها حُلاها، وتَقصُرُ عن

أن تُنازعها مداها وصادفتها نجوماً هي بدرها،

ورَوضاً هي زَهْرها، وعرائسَ ما لم تُعِرْها حَلْيها

فهي عواطل، وكواعبَ ما لم تُحَسِّنها فليس لها في

الحسن حظٌّ كامل، فإنك لترى بها الجمادَ حيّاً ناطقاً،

والأعجمَ فصيحاً، والأجسامَ الخُرسَ مُبينةً،

والمعاني الخفيّةَ باديةً جليّةً، وإذا نظرتَ في أمر

المقاييس وجدتَها ولا ناصر لها أعزُّ منها،

ولا رَوْنَق لها ما لم تَزِنْها، وتجدُ التشبيهات على الجملة

غير مُعْجِبَةٍ ما لم تكُنْها، إن شئت أرتك المعانيَ اللطيفةَ

التي هي من خبايا العقل، كأنها قد جُسِّمت حتى

رأتها العيون، وإن شئتَ لطَّفتِ الأوصاف الجسمانية

حتى تعود رُوحانية لا تنالها إلاّ الظنون،

وهذه إشارات وتلويحات في بدائعها، وإنما ينجلي

الغرض منها ويَبين، إذا تُكُلِّم على هذه التفاصيل،

وأُفرِدَ كُلُّ فن بالتمثيل، وسترى ذلك إن شاء اللّه،

وإليه الرغبة في أن تُوفَّق للبلوغ إليه والتُوَفُّر عليه،

وإذ قد عرَّفتكُ أن لها هذا المجال الفسيحَ،

والشَّأوَ البعيد، فإني أضَعُ لك فصلاً، بعد فَصلٍ،

وأجتهد بقدر الطاقة في الكَشف والبحث
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 6:58 pm

فصل


وهذا فصلٌ قسَّمْتُها فيه قسمة عامية ومعنى العامية،

أنك لا تجد في هذه الاستعارة قسمةً إلا أخصَّ من هذه القسمة،

وأنها قسيمةُ الاستعارة من حيث المعقول المتعارف

في طبقات الناس وأصناف اللغات،

وما تجدُ وتسمعُ أبداً نظيرَه من عوامِّ الناس

كما تسمع من خواصهم،

اعلم أن كل لفظة دخلتها الاستعارة المفيدة،

فإنها لا تخلو من أن تكونَ اسماً أو فعلاً،

فإذا كانت اسماً فإنه يقع مستعاراً على قسمين

"أحدهما" أن تنقلَه عن مسمَّاه الأصلي إلى شيء

آخر ثابتٍ معلومٍ فتُجريَه عليه، وتجعلَه متناولاً له

تناوُلَ الصفةِ مثلاً للموصوف، وذلك قولك رأيت أسداً

وأنت تعني رجلاً شجاعا و عَنَّت لنا ظَبية وأنت تعني

امرأة و أبديتُ نوراً وأنت تعني هُدًى وبياناً وحُجّةً

وما شاكل ذلك، فالاسم في هذا كله كما تراه

متناولٌ شيئاً معلوماً يمكن أن يُنصَّ عليه فيقالَ:

إنه عُنِيَ بالاسم وكُنِيَ به عنه ونُقل عن مسمَّاه

الأصلي فجُعل اسماً له على سبيل الإعارة والمبالغة في التشبيه،

والثاني: أن يؤخذ الاسم على حقيقته، ويُوضَع موضعاً

لا يبينُ فيه شيء يشارُ إليه فيقالَ: هذا هو المراد بالاسم

والذي استعير له، وجُعل خليفةً لاسمه الأصلي ونائباً مَنَابه،

ومثالهُ قول لبيد:

وغدَاةَ ريحٍ قد كَشَفْتُ وقِـرَّةٍ ** إذ أصبحَتْ بيَدِ الشَّمالِ زِمَامها


وذلك أنه جعل للشمال يداً، ومعلوم أنه ليس هناك

مُشار إليه يمكن أن تُجْرَى اليد عليه، كإجراء الأسد

و السيف على الرجل في قولك انْبَرَى لي أسدٌ يَزْئِرُ

و سللتُ سيفاً على العدوّ لا يُفَلُّ، و الظباء على النساء

في قوله "الظباء الغِيدِ" و النور على الهُدَى والبيان في

قولك أبديتُ نوراً ساطعاً وكإجراء اليد نفسها على من

يعزُّ مكانه كقولك أتنازعني في يدٍ بها أبطِشُ،

وعين بها أبصرُ تريد إنساناً له حُكْم اليد وفعلها،

وغناؤها ودَفْعُها، وخاصّةُ العين وفائدتُها، وعزّة موقعها،

ولطف موضعها لأنّ معك في هذا كله ذاتاً يُنَصُّ عليها،

تَرَى مكانَها في النفس، إذَا لم تجد ذكرها في اللفظ،

وليس لك شيءٌ من ذلك في بيت لبيد، بل ليس أكثر

من أن تُخَيّل إلى نفسك أن الشَّمال في تصريف الغَداة

على حكم طبيعتها، كالمدبّر المصرِّفِ لما زمامُه بيده،

ومَقادتُهُ في كفّه، وذلك كلُّه لا يتعدَّى التخيُّلُ والوَهْم

والتقدير في النفس، من غير أن يكون هناك شيء يُحَسُّ،

وذاتٌ تتحصَّل، ولا سبيل لك أن تقول: كَنَى باليد عن كذا،

وأراد باليد هذا الشيء، أو جَعَل الشيءَ الفُلاَنيَّ يداً كما تقول:

كَنَى بالأسد عن زيد، وعَنَى به زَيداً، وجعل زيداً أسداً،

وإنما غايتُك التي لا مُطَّلعَ وراءها أن تقول: أراد أن يُثبت للشمال

في الغداة تصرُّفاً كتصرُّف الإنسان في الشيء يقلّبهُ،

فاستعار لها اليد حتى يبالغ في تحقيق الشبَهِ، وحُكْمُ

الزمام في استعاراته للغداة حكم اليد في استعارتها للشمال،

إذ ليس هناك مشارٌ إليه يكون الزمامُ كنايةً عنه،

ولكنه وفَّى المبالغةَ شَرْطها من الطرفين، فجعل على

الغداة زماماً، ليكون أتمَّ في إثباتها مصرَّفةً، كاجعل

للشمال يداً، ليكون أبلغ في تصييرها مُصَرِّفة،

ويفصل بين القسمين أنك إذا رجعت في القسم الأول إلى

التشبيه الذي هو المغزَى من كل استعارة تُفيد،

وجدتَه يأتيك عفواً، كقولك في رأيت أسداً رأيت

رجلاً كالأسد أو رأيت مثل الأسد أو شبيهاً بالأسد

وإن رُمْتَهُ في القسم الثاني وجدته لا يؤاتيك تلك المؤاتاة،

إذ لا وجه لأن تقول: إذا أصبح شيء مثل اليد للشمال

أو حصل شبيه باليد للشَّمال، وإنما يتراءى لك التشبيه

بعد أن تَخْرِق إليه ستراً، وتُعمل تأمّلاً وفكرْاً، وبعد أن

تُغيِّر الطريقةَ، وتخرج على الحذْوِ الأول، كقولك:

إذ أصبحت الشَّمال ولها في قوة تأثيرها في الغداة شَبَهُ

المالكِ تصريف الشيء بيده، وإجراءَه على موافقته،

وجَذْبَه نحو الجهة التي تقتضيها طبيعته، وتنحوها إرادته،

فأنت كما ترى تجدُ الشَّبه المنتَزع ها هنا إذا رجعتَ

إلى الحقيقة، ووضعت الاسم المستعارَ في موضعه

الأصلي لا يلقاكَ من المستعار نَفْسه، بل مما يضاف إليه،

ألا ترى أنك لم تُرِدْ أن تجعلَ الشَّمال كاليد ومشبهةً باليد،

كما جعلت الرجلَ كالأسد ومشبَّهاً بالأسد،

ولكنك أردت أن تجعل الشمال كذي اليد من الأحياء،

فأنت تجعل في هذا الضرب المستعارَ له وهو نحو

الشمال ذا شيءٍ، وغرضُك أن تُثبت له حكم من

يكون له ذلك الشيء في فعل أو غيره، لا نفسَ ذلك

الشيء فاعرفه. وهكذا قول زهير:

"وَعُرّيَ أفْراسُ الصّبا ورَوَاحِلُه"

لا تستطيع أن تُثبت ذواتاً أو شِبهَ الذوات تتناولُها

الأفراسُ والرَّواحل في البيت، على حدّ تناوُل الأسدِ الرجلَ

الموصوفَ بالشجاعة، والبدرِ الموصوفَ بالحسن أو البهاء،

والسحاب المذكورَ بالسخاء والسماحة، والنورِ العلمَ،

والهُدَى والبيان، وليس إلاّ أنك أردت أن الصِّبا

قد تُرك وأهمل، وفُقِد نِزاعُ النفس إليه وبَطَل،

فصار كالأمر يُنْصَرفُ عنه فتُعطَّل آلاته، وتُطرح أداته

كالجهة من جهات المسير نحو الحج أو الغزو أو

التجارة يُقضى منها الوطَرُ، فتُحَطُّ عن الخيل التي

كانت تُركب إليها لبُودُها، وتُلقَى عن الإبل التي

كانت تُحمَّل لها قتودُها، وقد يجيء وإن كان كالتكلّف

أن تقول إن الأفراس عبارة عن دواعي النفوس

وشهواتها، وقواها في لذَّاتها، أو الأسبَابِ التي تَفْتِل

في حَبْل الصِبا، وتنصر جانبَ الهوى، وتُلهِب أريحيّة

النشاط، وتُحرّك مَرَح الشَّباب، كما قال


"ونعم مَطيّةُ الجهلِ الشبابُ" وقال "كان الشبابُ مَطِيّةَ الجَهْل"

وليس من حقّك أن تتكلّف هذا في كل موضع،

فإنه ربّما خرجَ بك إلى ما يضُرُّ المعنى وينْبو

عنه طَبْعُ الشعر، وقد يتعاطاه من يخالطه شيء

من طباع التعمُّق، فتجدُ ما يُفسد أكثر مما يُصلح،

ولو أنك تطلبت للمطية في بيت الفرزدق:

لَعَمْرِي لئن قَيّدْتُ نفسي لطـالـمـا ** سَعَيْتُ وأوضعتُ المَطّيةَ في الجهلِ


مِثْلَ هذا التأوّل، تباعدتَ عن الصواب،

وعدلت عما يسبق إلى القلب، وذلك أن المعنى على قولك:

لطالما سعيتُ في الباطل، وقديماً كنت في الإسراع إلى

الجهل بصُورة من يُوضع المطيّة في سفره،

وسِرُّ هذا الموضع يتجلَّى تمامَ التجلِّي إذا تُكُلِّم على

الفَرْق بين التشبيه والتمثيل، وسيأتيك ذلك إن شاء اللّه تعالى،

وكذا قولهم: هو مُرْخَى العِنان، ومُلْقَى الزِّمام،

لا وجهَ لأن تروم شيئاً تُجري العِنان عليه ويتناوله،

بل المعنى على انتزاع الشبه من الفرس في حال

ما يُرْخَى عِنانُه، وأن يُنظَر إلى الصورة التي تُوجَد

من حاله تلك في العقل، ثم يُجاء بها فيُعَارُها الرجُل،

ويُتصوَّر بمقتضاها في النفس ويُتمثّل، ولو قلت:

إن العنان ها هنا بمعنى النهي، وأن المراد أن النهي

قد أُبعد عنه ونحو ذلك، دخلت في ظاهرٍ من التكلُّف،

وأتعبت نفسك في غير جدوَى، وعادت زيادتك نقصاناً،

وطَلبُك الإحسانَ إساءة. واعلم أن إغفال هذا الأصل

الذي عرّفتك من أن الاستعارة تكون على هذا الوجه

الثاني كما تكون على الأوّل مما يعدو إلى مثل هذا التعمّق،

فإنه نفسَهُ قد يصير سبباً إلى أن يقع قوم في التشبيه،

وذلك أنهم إذا وضعوا في أنفسهم أن كل اسم يستعار

فلا بد من أن يكون هناك شيء يمكن الإشارة

إليه يتناوله في حال المجاز، كا يتناول مسمّاه

في حال الحقيقة، ثم نظروا في نحو قوله تعالى:

"وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي" "طه:93"

و"وأصْنَع الفُلْكَ بِأَعْيُنِنا" "هود:73"،

فلما لم يجدوا للفظة العين ما يتناوله على حدًّ تناول

النُّور مثلاً للهدى والبيان ارتبكوا في الشكّ وحاموا

حول الظاهر، وحملوا أنفسهم على لزومه،

حتى يُفضي بهم إلى الضلال البعيد، وارتكاب

ما يقدح في التوحيد، ونعوذ باللّه من الخذلان.

وطريقة أخرى، في بيان الفرق بين القسمين،

وهو أن الشبَهَ في القسم الأول الذي هو نحو:


رأيت أسداً - تريد رجلاً شجاعاً - وَصفٌ موجودٌ في

الشيء الذي استعرت اسمه وهو الأسد، وأما قولك

إذا أصبحت بيد الشمال زمامها فالشبه الذي له

استعرتَ اليد، ليس بوصفٍ في اليد، ولكنه صفته

تُكسبها اليدُ صاحبَها، وتَحصُلُ له بها، وهي التصرف

على وجه مخصوص وكذا قولك أفراس الصِّبا،

ليس الشبه الذي له استعرت الأفراس موجوداً

في الأفراس، بل هو شبه يحصل لما يضاف

إليه الأفراس، حيث يراد الحقيقة نحو قولنا

"عُرّي أفراس الغزو، و أجِمَّت خيل الجهاد"،

وذلك ما يوجبه الفعل الواقع على الأفراس،

نحو أنّ وقوع الفعل الذي هو عُرّيَ على أفراس

الغزو، يوجب الإمساك عن الغزو والترك له

وعلى هذا القياس. وإذ قد تقرر أمر الاسم في كون

استعارته على هذين القسمين، فمن حقّنا أن ننظر

في الفعل هل يحتمل هذا الانقسام، والذي يجب

العملُ عليه أن الفعل لا يُتصوَّر فيه أن يتناول

ذات شيء، كما يتصور في الاسم، ولكن شأن

الفعل أن يُثبت المعنى الذي اشتُقَّ منه للشيء

في الزمان الذي تدل صيغته عليه، فإذا قلت:

ضرَبَ زيدٌ، أثبتَّ الضرب لزيد في زمان ماضٍ،

وإذا كان كذلك، فإذا استعير الفعل لما ليس له

في الأصل، فإنه يُثبتُ باستعارته له وصفاً هو

شبيه بالمعنى الذي ذلك الفعل مشتق منه.


بيان ذلك أن تقول: نطقَت الحال بكذا،

و أخبرتني أساريرُ وجهه بما في ضميره،

وكلّمتني عيناه بما يحوي قلبه، فتجد الحال وصفاً

هو شبيه بالنطق من الإنسان، وذلك أن الحال تدلّ ع

لى الأمر ويكون فيها أَمَاراتٌ يعرف بها الشيء،

كما أن النطق كذلك، وكذلك العين فيها وصف شبيه بالكلام،

وهو دلالتها بالعلامات التي تظهرُ فيها وفي نظرها

وخواصّ أوصافٍ يُحْدَس بها على ما في القلوب

من الإنكار والقبول، ألا ترى إلى حديث الجمحي?

حُكِي عن بعضهم أنه قال: أتيتُ الجمحي أستشيره

في امرأة أردت التزوج بها فقال: أقصيرة هي أم غير قصيرة?

قال: فلم أفهم ذلك، فقال لي: كأنك لم تفهم ما قلتُ،

إنّي لأعرف في عين الرَّجل إذا عرف، وأعرفُ فيها إذا أنكر،

وأعرفُ إذا لم يعرف ولم ينكر، أمَّا إذا عرف،

فإنها تخَاوَصُ، وإذا لم يعرف ولم ينكر فإنها تَسْجُو،

وإذا أنكر فإنها تجحظُ، أردت بقولي قصيرة،

أي هي قصيرة النسب تُعَرف بأبيها أو جَدّها.

قال الشيخ أبو الحسن: وهذا من قول النسّابة البكري

لرؤبة بن العجاج لما أتاه فقال له من أنت?

قال رؤبة بن العجاج فقال قَصُرتَ وعُرِفتَ. قال:

وعلى هذا المعنى قول رؤبة:

قد رَفَعَ العجَّاج ذكري فادعُنِي ** باسْمٍ إذا الأنساب طالت يَكْفِنِي


وأمر العين أظهر من أن تحتاج فيه إلى دليل،

ولكن إذا جرى الشيء في الكلام هو دعوى في

الجملة، كان الآنس للقارئ أن يقترن به ما هو

شاهد فيه، فلم يُرَ شيءٌ أحسنَ من إيصال دعوى ببرهان.

وإذا كان أمرُ الفعل في الاستعارة على هذه الجملة،

رجَع بنا التحقيق إلى أنّ وصف الفعل بأنه مستعارٌ،

حكمٌ يرجع إلى مَصْدره الذي اشتُقّ منه، فإذا قلنا في

قولهم: نطقت الحال، أن نَطَقَ مستعار، فالحكم بمعنى

أن النُّطق مستعار، وإذا كانت الاستعارة تنصرف إلى

المصدر كان الكلام فيه على ما مضى، ومما تجب

مراعاته أن الفعل يكون استعارة مرّةً من جهة فاعله

الذي رُفع به، ومثاله ما مضى ويكون أُخرى استعارةً

من جهة مفعوله، وذلك نحو قول ابن المعتزّ:


جُمعَ الحقُّ لنا فـي إمـامٍ ** قَتَلَ البُخْلَ وأحيى السَّمَاحَا


فَقَتَلَ و أحيى إنّما صارَا مستعارينَ بأن عُدّيا إلى البخل

والسماح، ولو قال: قتل الأعداء وأحيى، لم يكن قَتَلَ

استعارةً بوجه، ولم يكن أحيى استعارة على هذا

الوجه وكذا قوله:


وأَقْرِي الهمومَ الطارقاتِ حَزامةً

هو استعارة من جهة المفعولين جميعاً،

فأما من جهة الفاعل فهو محتمل للحقيقة، وذلك أن تقول:

أقري الأضياف النازلين اللحمَ العبيطَ

ومثله قوله:

"قَرَى الهمَّ إذْ ضافَ الزَّماعَ" وقد يكون الذي يعطيه

حكمَ الاستعارة أحدُ المفعولين دون الآخر كقوله:

نقريهمُ لَهْذَمِيَّاتٍ نَقُـدُّ بـهـا ** مَا كَانَ خَاطَ عليهم كُلُّ زَرَّادِ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 7:13 pm

فصل


اعلم أن الاستعارة كما علمت تعتمد التشبيهَ أبداً، وقد قلت: إنّ طُرُقه تختلف، ووعدتُك الكلام فيه، وهذا الفصل يعطي بعضَ القول في ذلك بإذن اللّه تعالى، وأنا أريد أن أُدرِّجها من الضَّعف إلى القوة، وأبدأ في تنزيلها بالأدنى، ثم بما يزيد في الارتفاع، لأن التقسيم إذا أُريغَ في خارج من الأصل، فالواجب أن يُبدَأ بما كان أقلَّ خروجاً منه، وأدنى مدًى في مفارقته، وإذا كان الأمر كذلك، فالذي يستحِقُّ بحكم هذه الجملة أن يكون أوّلاً من ضروب الاستعارة، أن يُرَى معنى الكلمة المستعارة موجوداً في المستعار له من حيث عموم جنسه على الحقيقة، إلا أنّ لذلك الجنس خصائص ومراتبَ في الفضيلة والنقص والقوّة والضعف، فأنت تستعير لفظ الأفضل لما هو دونه، ومثاله استعارةُ الطيران لغير ذي الجناح، إذا أردت السرعة، و انقضاض الكواكب للفرس إذا أسرع في حركته من علوّ، و السباحة له إذا عدَا عدواً كان حاله فيه شبيهاً بحالة السابح في الماء، ومعلومٌ أن الطيران والانقضاضَ والسباحةَ والعدوَ كلها جنس واحد من حيث الحركة على الإطلاق، إلا أنهم نظروا إلى خصائص الأجسام في حركتها، فأفردوا حركةَ كل نوع منها باسم، ثم إنهم إذا وجدوا في الشيء في بعض الأحوال شبهاً من حركةِ غير جنسه، استعاروا له العبارة من ذلك الجنس، فقالوا في غير ذي الجناح طار كقوله:

وطِرْتُ بِمُنْصُلي في يَعْمَلاتٍ

وكما جاء في الخبر: كُلّما سمع هَيْعَةً طار إليها، وكما قال:

لَوْ يَشَا طَارَ بـهِ ذُو مَـيْعةٍ** لاَحِقُ الآطال نَهْدٌ ذو خُصَلْ

ومن ذلك أن فاض موضوع لحركة الماء على وجه مخصوص، وذلك أن يفارق مكانهُ دَفْعَةً فينبسط،
ثم إنه استعير للفجر، كقوله:

كالفَجْرِ فَاضَ على نُجُوم الغَيْهبِ

لأن للفجر انبساطاً وحالةً شبيهة بانبساط الماء وحركته في فَيْضِهِ، فأما استعارة فاض بمعنى الجُود، فنوع آخر غير ما هو المقصود ها هنا، لأن ألقصد الآن إلى المستعار الذي تُوجد حقيقة معناه من حيث الجنس في المستعار له، وكذلك قول أبي تمام:

وقَدَ نَثَرَتْهُمْ رَوْعَةٌ ثُمّ أَحْدَقُواْبِهِ ** مِثْلَمَا أَلَّفَتْ عِقْدَاً مُنْظَّمَا

وقول المتنبي:

نَثَرَتْهُمْ فَـوقَ الأُحْـيَدِبِ نَـثْـرَةً ** كما نُثِرَتْ فوق العَرُوسِ الدَّراهِمُ

استعارة، لأن النثر في الأصل للأجسام الصغار، كالدراهم والدنانير والجواهر والحبوب ونحوها، لأن لها هيئةً مخصوصةً في التفرق لا تَأْتِي في الأجسام الكبار، ولأن القصد بالنثر أن تُجمَعُ أشياء في كفّ أو وِعاء، ثم يقع فعلٌ تتفرّق معه دَفْعَةً واحدةً، والأجسام الكبار لا يكون فيها ذلك، لكنه لمّا اتَّفق في الحرب تساقُطُ المنهزمين على غيرترتيب ونظام، كما يكون في الشيء المنثور، عبَّر عنه بالنثر، ونسب ذلك الفعل إلى الممدوح، إذْ كان هو سبب ذلك الانتثار، فالتفرُّق الذي هو حقيقة النثر من حيث جنس المعنى وعمومِه، موجودُ في المستعار له بلا شبهة، ويبيّنه أن النَّظم في الأصل لجمع الجواهر وما كان مثلها في السلوك، ثم لمّا حصل في الشَّخْصَين من الرجال أن يجمعهما الحاذِق المبدعُ في الطعن في رُمْحٍ واحد ذلك الضربَ من الجمع، عبَّر عنه بالنَّظم، كقولهم: انتظمها برمحه، وكقوله:

قالوا وينظمُ فَارِسَيْن بطَعْنَةٍ

وكان ذلك استعارةً، لأن اللفظة وقعت في الأصل لما يُجْمع في السُّلوك من الحبوب والأجسام الصغار، إذ كانت تلك الهيئة في الجمع تَخُصُّها في الغالب، وكان حصولها في أشخاص الرجال من النادر الذي لا يكاد يقع، وإلا فلو فرضنا أن يكثرَ وجودُه في الأشخاص الكبيرة، لكان لفظ النظم أصلاً وحقيقة فيها، كما يكون حقيقةً في نحو الحبوب، وهذا النحو لشدة الشَّبه فيه، يكاد يلحقُ بالحَقيقة، ومن هذا الحدِّ قوله:

وفي يَدِكَ السَّيْف الَّذِي امتنعَتْ به ** صَفَاةُ الهُدَى من أَنْ تَرِقَّ فتُخْرَقَا

وذلك أن أصل الخَرْق أن يكون في الثوب، وهو في الصفاة استعارة، لأنه لمّا قال تَرِقَّ، قربت حالها من حالِ الثوب، وعلى ذلك فإنَّا نعلم أن الشق والصدع حقيقة في الصَّفاة، ونعلم أن الخرق يجامعهما في الجنس، لأن الكلَّ تفريقٌ وقطعٌ، ولو لم يكن الخرق والشق واحداً، لما قلت: شققتُ الثوبَ، والشَّق عيبٌ في الثوب، و تَشَقَّقَ الثوبُ قول من لا يستعير، ولكن لو قلتَ "خرق الحِشمة"، لم يكن من الحقيقة في شيء، وكان خارجاً من هذا الفن الذي نحن فيه، لأنه ليس هناك شق، ولو جاءَ شَقَّ الحِشمة أو صَدَعَ مثلاً، كان كذلك أعني لا يكون له أصلٌ في الحقيقة ولا شَبهٌ بها. ومن هذا الضرب قوله

تعالى: "وَمَزَّقْنَاهُم ْ كُلَّ مُمَزَّقٍ" "سبأ:91" يُعَدُّ استعارةٌ من حيث إن التمزيق للثوب في أصل اللغة، إلا أنه على ذاك راجع إلى الحقيقة، من حيث إنه تفريق على كل حال، وليس بجنس غيره، إلاّ أنهم خصّوا ما كان مثل الثوب بالتمزيق، كما خصُّوه بالخرق، وإلا فأنت تعلم أن تمزيق الثوب تفريقُ بعضه من بعض، ومثله أن القطع إذا أطلق، فهو لإزالة الاتصال من الأجسام التي تلتزق أجزاؤها، وإذا جاء في تفريق الجماعة وإبعاد بعضه عن بعض، كقوله تعالى: "وَقَطَّعْنَاهُم ْ فِي الأَرْضِ أُمَماً" "الأعراف:861"، كان شِبْهَ الاستعارة، وإن كان المعنى في الموضعين على إزالة الاجتماع ونَفْيهِ. فإن قلت: قطع عليه كلامَهُ، أو قلت: نَقْطَع الوقت بكذا، كان نوعاً آخر، ومن الاستعارة القريبة في الحقيقة قولهم: أَثْرَى فلانٌ من المجد، وَ أفلس من المروءة،

وكقوله:

إنْ كانَ أغْنَاها السلُوُّ، فإنَّنـي ** أَمْسَيْتُ من كَبِدِي ومِنْهَا مُعْدِمَا

وذلك أن حقيقة الإثراء من الشيء، كثرته عندك، ووصفُ الرجل بأنه كثير المجْد أو قليل المروءَة، كوصفه بأنه كثير العلم أو قليل المعرفة، في كونه حقيقة، وكذلك إذا قلت: أَثْرَى من الشوق أو الحُزْن

كما قال:

قَدْ وَقَفْنَا على الدِّيارِ وفي الرَّكْــ ** ــبِ خَرِيبٌ من الغَرامِ ومُثْرِي

فهو كقولك: كَثُر شَوقُه وحزنُه وغرامُه، وإذا كان كذلك، فهو في أنه نُقل إلى شيء جِنْسُه جِنْسُ الذي هو حقيقةٌ فيه، بمنزلة طار، أو أظهرُ أمراً منه، وكذا معنى أعدَم من المال، أنه خلا منه، وأن المال يزول عنه فإذا أخبر أن كَبِدَه قد ذهبت عنه، فهو في حقيقةِ مَنْ ذهب ماله وعدِمَه، والعُدْم في المال وفي غير المال بمنزلة واحدة لا تتغيَّر له فائدة، و المُعْدَم موضوع لمن عَدِم ما يحتاج إليه، فالكبد مما يحتاج إليه، وكذلك المحبوبة، فإنما تقع هذه العبارة في نفسك موقع الغريب من حيث أن العُرف جَرَى في الإعدام بأن يُطلَق على من عَدِم ما جنسُهُ جنسُ المال، ويؤنّسك بما قلتُ، أنك لو قلت: عدم كبدَه، لم يكن مجازاً، ولم تجد بينه وبين خلا من كبده وزالت عنه كبده كبيرَ فَرْقٍ، ألا تراك تقول: الفَرَسُ عَادِمٌ للطِّحَال تريد: ليس له طحال، وهذا كلام لا استعارة فيه، كما أنك لو قلت: الطحال معدوم في الفرس كان كذلك، ومن اللائق بهذا الباب البَيِّن أمرُه، ما أنشده أبو العباس في الكامل من قول الشاعر:

لم تَلقَ قَوْمَاً همُ شَرٌّ لإخْوَتِهِمْ ** مِنَّا عَشِيَّةَ يَجْرِي بالدَّمِ الوادي

تَقْريِهِمُ لَهْذَمِيَّاتٍ نَقُـدُّ بـهــــــا ** ما كَانَ خاط عَلَيْـــهِم كُلُّ زَرَّادِ

قال: لأن الخياطة، تضمُّ خِرَقَ القميص والسَّرْدُ يضُمُّ حَلَقَ الدِرْع، أفلا تراهُ بَيَّنَ أن جنسهما واحدٌ، وأن كلاًّ منهما ضَمٌّ ووَصْلٌ وإنما يَقَعُ الفرقُ من حيث أن الخياطة ضَمُّ أطراف الخِرقَ بِخَيْطِ يُسْلَك فيها على الوجه المعلوم، و الزَّرْدُ ضّم حَلَق الدرع بمداخلةٍ توجد بينها، إلاّ أن الشِّكال الذي يُلزِم أحدَ طرفَي الحَلْقةِ الآخرَ بدخوله في ثُقبتيهما، في صورة الخيط الذي يذهب في منافذ الإبرة، واستقصاءُ القول في هذا الضرب، والبحث عن أسراره، لا يمكن إلا بعد أن تُقَرَّر الضروب المخالفةُ له من الاستعارة، فأقْتصر منه على القدرالمذكور، وأعود إلى القسمة، ضربٌ ثانٍ يُشبه هذا الضرب الذي مضى، وإن لم يكن إياه، وذلك أن يكون الشبهُ مأخوذاً من صِفةٍ هي موجودٌ في كل واحدٍ من المستعَار له والمُستعارِ منه على الحقيقة، وذلك قولُك: رأيت شمساً، تريد إنساناً يتهلَّل وجهه كالشمس، فهذا له شَبَهٌ باستعارة طار لغيرذي الجناح وذلك أن الشبه مُراعَى في التلألؤ، وهو كما تعلم موجودٌ في نفس الإنسان المتهلل، لأنّ رَوْنقَ الوجه الحسن من حيث حسنُ البصر، مجانسٌ لضوء الأجسام النيّرة، وكذلك إذا قلت: رأيت أسداً تريد رجلاً، فالوصف الجامعُ بينهما هو الشجاعة، وهي على حقيقتها موجودة في الإنسان، وإنما يقع الفرقُ بينه وبين السَّبع الذي استعرتَ اسمه له فيها، من جهةً القُوَّة والضعفِ والزيادة والنقصان، وربما ادُّعي لبعض الكُماةِ والبُهَم مساواةُ الأسد في حقيقة الشجاعة التي عمود صورتها انتفاءُ المخافة عن القلب حتى لا تخامرَه، وتُفرِّقَ خواطرَه وتُحَلِّلَ عزيمته في الإقدام على الذي يباطشه ويريد قَهْرَه، وربما كفّ الشُّجاع عن الإقدام على العدوّ لا لخوف يملك قلبه ويَسْلُبه قواه، ولكن كما يكُفُّ المنهيُّ عن الفعل، لا تخونه في تعاطيه قوّةٌ، وذلك أن العاقل من حيث الشرع منهيٌّ عن أن يُهلك نفسه، أتَرَى أنّ البطلَ الكميَّ إذا عَدِمَ سلاحاً يقاتل به، فلم ينهَض إلى العدوّ، كان فاقداً شجاعته وبأسَه، ومتبرّئاً من النَّجْدةِ التي يُعْرَفُ بها، ثم إن الفرق بين هذا الضرب وبين الأول أن الاشتراك ها هنا في صفة توجد في جنسين مختلفين، مثلُ أنّ جنس الإنسان غير جنس الشمس، وكذلك جنسهُ غيرُ جنس الأسد، وليس كذلك الطيران و جريُ الفرس، فإنهما جنس واحد بلا شبهة، وكلاهما مُرورٌ وقطعٌ للمسافة، وإنما يقع الاختلاف بالسرعة، وحقيقة السرعة قلّة تخلُّلِ السكون للحركات، وذلك لا يوجب اختلافاً في الجنس،
فإن قلت: فإذَنْ لا فرق بين استعارة طَار للفرس وبين استعارة الشَفَة للفرس، فهّلا عددتَ هذا في القسم اللَّفْظِيّ غير المفيد? ثم إنك إن اعتذرت بأنّ في طار خصوصَ وصفٍ ليس في عَدَا و جَرَى، فكذلك في الشفة خصوصُ وصفٍ ليس في الجحفلة، فالجواب إنِّي لم أعُدَّه في ذلك القسم، لأجل أنّ خصوص الوصف الكائن في طَارَ مُرَاعًى في استعارته للفرس، ألا ترَاك لا تقوله في كل حال، بل في حالٍ مخصوصة وكذا السباحة، لأنك لا تستعيرها للفرس في كل أحوال حَرْبه، نعم، وتأبى أن تعطيَها كُلّ فرس، فالقَطُوف البليدُ لا يوصف بأنه سابح،
وأما استعارة اسمٍ لعضو نحو الشفة والأنف فلم يُراعَ فيه خصوص الوصف، ألا ترى أن العجّاج لم يرد بقوله "ومَرْسِنَاً مُسرَّجَاً"، أن يشبّه أنف المرأة بأنف نوع من الحيوان، لأن هذا العضو من غير الإنسان لا يوصف بالحسن، كما يكون ذلك في العين والجيد، وهكذا استعارة الفِرْسِن للشاة في قول عائشة رضي اللّه عنها: ولَوْ فِرْسِنَ شاةٍ، وهو للبعير في الأصل ليس لأن يشبَّه هذا العضو من الشاة به من البعير، كيف ولا شَبَه هناك، وليس إذَنْ في مجيءُ الفِرْسِن بَدَل الظِلْف أمرٌ أكثر من العضو نفسه، ضرب ثالثٌ، وهو الصَّميم الخالص من الاستعارة، وحدُّه أن يكون الشبَهُ مأخوذاً من الصُّور العقلية، وذلك كاستعارة النُّور للبيان والحجة الكاشفة عن الحق، المزِيلة للشكّ النافية للرَّيْب، كما جاء في التَّنزيل من نحو قوله عزّ وجلّ: "واتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ" "الأعراف:751" وكاستعارة الصراط للدِّين في قوله تعالى: "اهْدِنَا الصِرَاطَ المُسْتَقِيمَ" "الفاتحة:5"، و "وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" "الشورى:25" فإنك لا تشُكُّ في أنه ليس بين النور والحجة ما بين طيران الطائرو جرى الفرس من الاشتراك في عموم الجنس، لأن النور صفة من صفات الأجسام محسوسةٌ، والحجة كلامٌ وكذا ليس بينهما ما بين الرجل والأسد من الاشتراك في طبيعةٍ معلومةٍ تكون في الحيوان كالشجاعة، فليس الشبه الحاصل من النور في البيان والحجة ونحوهما، إلاّ أنّ القلب إذا وردت عليه الحجَّة صار في حالة شبيهة بحال البصر إذا صادف النور، ووُجِّهت طلائعُه نحوه، وجال في مَصَارفه وانتشر، وانبَتَّ في المسافة التي يسافر طَرْفُ الإنسان فيها، وهذا كما تعلم شَبهٌ لستَ تحصل منه على جنس ولا على طبيعة وغريزة، ولا على هيئة وصورة تدخل في الخِلقة، وإنما هو صورة عقلية. واعلم أن هذا الضرب هو المنزلةُ التي تبلغ عِندها الاستعارة غاية شرفها، ويتسع لها كيف شاءت المجال في تفنُّنها وتصرُّفها، وها هنا تَخْلُص لطيفةً روحانية، فلا يبصرها إلا ذوو الأذهان الصافية، والعقول النافذة، والطباع السليمة، والنفوس المستعدَّة لأن تَعِيَ الحكمةَ، وتعرف فَصْل الخطاب، ولَهَا ها هنا أساليبُ كثيرة، ومسالك دقيقة مختلفةٌ، والقول الذي يجري مَجْرَى القانون والقسمةِ يغمضُ فيها، إلا أنّ ما يجب أن تعلم في معنى التقسيم لها أنها على أصول أحدها: أن يؤخذ الشَّبه من الأشياء المشاهدة والمدركة بالحواسّ على الجملة للمعاني المعقولة، والثاني: أن يؤخذ الشبه من الأشياء المحسوسة لمثلها، إلا أن الشّبه مع ذلك عقليٌّ، والأصل الثالث: أن يؤخذ الشَّبه من المعقول للمعقول، فمثال ما جرى على "الأصل الأول" ما ذكرتُ لك من استعارة النور للبيان والحجّة، فهذا شَبَهٌ أُخِذ من محسوس لمعقول، ألا ترى أن النور مشاهَدٌ محسوس بالبصر، والبيانُ والحجّةُ مما يؤدّيه إليك العقل من غير واسطة من العين أو غيرها من الحواس، وذلك أن الشَّبه ينصرف إلى المفهوم من الحروف والأصوات، ومدلولُ الألفاظ هو الذي ينوِّر القلب لا الألفاظ، هذا و النور يستعار للعلم نفسه أيضاً والإيمان، وكذلك حكم الظلمة، إذا استعيرت للشُّبهة والجهل والكفر، لأنه لا شُبْهةَ في أن الشَّبهَ والشكوك من المعقول، ووجه التشبيه أن القلب يحصُل بالشبهة والجهلِ، في صفة البصر إذا قَيّده دُجَى الليل فلم يجدْ منصرَفاً وإن استعيرت للضلالة والكفر، فلأنّ صاحبهما كمن يسعى في الظلمة فيذهَب في غير الطريق، وربما دُفِع إلى هُلْك وتردَّى في أُهْوِيَّة، ومن ذلك استعارة القِسْطاس للعدل ونحو ذلك من المعاني المعقولة التي تُعْطَى غيرَها صِفةَ الاستقامة والسَّداد، كما استعاره الجاحظ في فصلٍ يذكر فيه علم الكلام، فقال: هو العِيار على كل صِنَاعة، والزِّمام على كل عبارة، والقِسْطاسُ الذي به يُسْتَبان كل شيء ورُجْحَانه والراووق الذي به ىُعْرْف صفاء كل شيء وكَدَره، وهكذا إذا قيل في النَّحو: إنه ميزان الكلام ومِعْياره، فهو أخذُ شبهٍ من شيء هو جسمٌ يُحَسُّ ويشاهَد، لمعنًى يُعْلَم ويُعْقَل ولا يدخل في الحاسّة، وذلك أظهر وأبين من أن يُحتاج فيه إلى فضل بيان، وأما تفنُّنه وسَعته وتصرُّفه من مَرْضِيٍّ ومسخوطٍ، ومقبول ومرذُول، فحقُّ الكلام فيه بعدَ أن يقع الفراغُ من تقرير الأصول، ومثال "الأصل الثاني"، وهو أخذ الشَّبه من المحسوس للمحسوس، ثم الشبهُ عَقليٌّ، قولُ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إياكم وخَضْراء الدِمَن"، الشبه مأخوذ للمرأة من النبات كما لا يخفى وكلاهما جسمٌ، إلا أنه لم يُقصَد بالتشبيه لونُ النبات وخُضرته، ولا طعمه ولا رائحته، ولا شكله وصورته ولا ما شاكل ذلك ولا ما يسمَّى طبعاً كالحرارة والبرودة المنسوبتين في العادة إلى العقاقير وغيرها مما يُسَخَّن بدن الحيوان ويَبْرُدُ بحصوله فيها، ولا شيءٌ من هذا الباب بل القصدُ شَبَهٌ عقليٌّ بين المرأة الحسناءِ في المنبت السوء، وبين تلك النابتة على الدِِّمنة، وهو حُسْنُ الظاهر في رأى العين مع فساد الباطن، وطيبُ الفَرع مع خبث الأصل، وكما أنهم إذا قالوا: هو عَسَلٌ إذا ياسرتَه، وإن عاسَرتَه فهو صَاب، كما قال:قرير الأصول، ومثال "الأصل الثاني"، وهو أخذ الشَّبه من المحسوس للمحسوس، ثم الشبهُ عَقليٌّ، قولُ النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إياكم وخَضْراء الدِمَن"، الشبه مأخوذ للمرأة من النبات كما لا يخفى وكلاهما جسمٌ، إلا أنه لم يُقصَد بالتشبيه لونُ النبات وخُضرته، ولا طعمه ولا رائحته، ولا شكله وصورته ولا ما شاكل ذلك ولا ما يسمَّى طبعاً كالحرارة والبرودة المنسوبتين في العادة إلى العقاقير وغيرها مما يُسَخَّن بدن الحيوان ويَبْرُدُ بحصوله فيها، ولا شيءٌ من هذا الباب بل القصدُ شَبَهٌ عقليٌّ بين المرأة الحسناءِ في المنبت السوء، وبين تلك النابتة على الدِِّمنة، وهو حُسْنُ الظاهر في رأى العين مع فساد الباطن، وطيبُ الفَرع مع خبث الأصل، وكما أنهم إذا قالوا: هو عَسَلٌ إذا ياسرتَه، وإن عاسَرتَه فهو صَاب، كما قال:

عَسَلُ الأخلاقِ ما يَاسرتَهُ ** فإذا عَاسرتَ ذُقْتَ السَّلَعا

فالتشبيه عقليٌّ، إذ ليس الغرض الحلاوةَ والمرارةَ اللتين تصفهما لك المَذاقة ويُحسُّهما الفم واللسان، وإنما المعنى أنك تجد منه في حالة الرِّضى والموافقة ما يملَؤُك سروراً وبهجةً، حسب ما يجد ذائق العسل من لذَّة الحلاوة ويهجمُ عليك في حالة السُّخط والإباء ما يشدِّد كراهتَكَ ويَكْسِبك كَرْباً، ويجعلك في حال من يذوق المُرَّ الشديد المرارة، وهذا أظهر من أن يخفى، ومن هذا الأصل استعارة الشمس للرجل تصفُه بالنباهة والرُّفعة والشَّرف والشهرة وما شاكل ذلك من الأوصاف العقلية المحضة التي لا تلابسها إلاّ بغريزة العقل، ولا تعقلها إلا بنظر القلب، ويظهر من هاهنا "أصل آخر" وهو أنّ اللفظة الواحدة تستعار على طريقين مختلفين، ويُذْهَب بها في القياس والتشبيه مذهبين، أحدهما يُفضِي إلى ما تناله العيون، والآخر يُومِئُ إلى ما تُمثِّله الظنون، ومثال ذلك قولك: نجوم الهُدَى، تعني أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، فإنه استعارةٌ توجب شَبَهاً عقليّاً، لأن المعنى أنّ الخلق بعد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم اهتدوا بهم في الدين كما يهتدي السارون بالنجوم، وهذا الشبه باقٍ لهم إلى يوم القيامة، فبالرجوع إلى علومهم وآثارِهم وفِعالهم وهَدْيهم تُنال النجاة من الضلالة، ومن لم يطلب الهُدَى من جهتهم فقد حُرم الهدَى ووقع في الضلال، كما أنّ من لم ينظر إلى النجوم في ظلام اللّيل ولم يتلقَّ عنها دلالتها على المسالك التي تُفضي إلى العِمارة ومعادن السلامة وخالفَها، وقع في غير الطريق، وصار بَترْكِهِ الاهتداء بها إلى الضلال البعيد، والهُلْك المُبيد، فالقياس على النجوم في هذا ليس على حدِّ تشبيه المصابيح بالنجوم، أو النيران في الأماكن المتفرقة، لأن الشَّبَه هناك من حيث الحسُ والمشاهدة، لأن القصد إلى نفس الضوء واللَّمعان، والشَّبه ها هنا من حيث العَقْل، لأن القصد إلى مقتضَى ضَوْء النجوم وحُكْمه وعائدته، ثم ما فيها من الدلالة على المنهاج، والأمن من الزيغ عنه والاعوجاج، والوصول بهذه الجُملة منها إلى دار القرار ومحل الكرامة نسأل اللّه تعالى أن يرزقنا ذلك، ويُديم توفيقنا للزوم ذلك الاهتداء، والتصرف في هذا الضياء، إنه عزّ وجلّ وليُّ ذلك والقادر عليه، ومما لا يكون الشبه فيه إلا عقلياً، قولُنا في أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مِلْحُ الأنام، وهو مأخوذ من قوله عليه السلام: "مَثَلُ أصحابي كمثل الملح في الطَّعام، لا يصْلح الطَّعام إلا بالملح"، قالوا: فكان الحسن رحمة اللّه عليه يقول: فقد ذهب مِلْحُنا، فكيف نصنع?، فأنت تعلم أنْ لا وجه ها هنا للتشبيه إلا من طريق الصُّورة العقلية، وهو أن الناس يصلُحُونَ بهم كما يصلُح الطعام بالملح، والشَّبهُ بين صلاح العامّة بالخاصّة وبين صلاح الطعام بالملح، لا يُتصوَّر أن يكون محسوساً، وينطوي هذا التشبيهُ على وجوب موالاةِ الصحابة رضي اللّه عنهم، وأن تُمْزَج محبَّتُهم بالقلوب والأرواح، كما يُمزَج الملح بالطعام، فباتِّحاده به ومداخلته لأجزائه يَطِيبُ طعمه، وتَذهب عنه وَخَامته، ويصير نافعاً مغذياً، كذلك بمحبّة الصحابة رضي اللّه عنهم تصلح الاعتقادات، وتنتفى عنها الأوصاف المذمومة، وتطيب وتغذو القلوب، وتُنَمَّى حياتُها، وتُحفَظ صحتها وسلامتها، وتَقيها الزَّيغَ والضلالَ والشك والشبهة والحيرة، وما حُكْمُه في حال القلب من حيث العقل، حُكْمُ الفساد الذي يعرض لمزاج البدن من أكل الطعام الذي لم يُصْلح بالملح، ولم تنتفِ عنه المضار التي من شَأْنِ الملح أن يُزيلها، وعلى ذلك جاء في صفتهم أنّ: حُبَّهم إيمان وبغضهم نفاقٍ، هذا ولا معنى لصلاح الرجل بالرجل إلاّ صلاح نِيَّتهُ واعتقاده، ومحالٌ أن تصلُح نِيَّتك واعتقادك بصاحبك وأَنْتَ لا تراه مَعْدِن الخير ومَعَانَهْ، وموضع الرُّشد ومكانه ومن علمتَه كذلك، مازَجَتْك محبّتُه لا محالة، وسِيط وُدُّه بلحمك ودمك، وهل تحصل من المحبّة إلاّ على الطاعة والموافقة في الإرادة والاعتقاد، قياسُه قِياس الممازجة بين الأجسام، ألا تراك تقول: فلانٌ قريبٌ من قلبي، تريد الوِفاق والمحبَّة، وعلى هذه الطريقة جرى تمثيل النحو في قولهم: النحو في الكلام، كالملح في الطعام، إذ المعنى أن الكلام لا يستقيمُ ولا تحصل منافعه التي هي الدلالات على المقاصد، إلاّ بمراعاة أحكام النحو فيه، من الإعراب والترتيب الخاصّ، كما لا يُجْدِي الطعامُ ولا تحصُلُ المنفعة المطلوبةُ منه، وهي التغذية، ما لم يُصْلح بالملح، فأمَّا ما يتخيّلونه من أن معنى ذلك: أن القليلَ من النحو يُغني، وأن الكثيرَ منه يُفسد الكلام كما يُفسد الملحُ الطعامَ إذا كثر فيه تحريفٌ، وقولٌ بما لا يتحصَّل على البَحْث، وذلك أنه لا يُتَصَوّر الزيادةُ والنقصانُ في جريان أحكام النحو في الكلام، ألا ترَى أنه إذا كان من حكمه في قولنا: كان زيدٌ ذاهباً، أن يُرفَع الاسم ويُنصَب الخبر، لم يخلُ هذا الحكم من أن يوجد أو لا يوجد، فإن وُجد فقد حصل النحوُ في الكلام، وعَدَلَ مِزاجَهُ به، ونُفِي عنه الفسادُ، وأنْ يكون كالطعام الذي لا يَغْذُو البدن وإن لم يوجد فيه فَهُو فاسدٌ كائن بمنزلة طعام لم يُصلح بالملح، فسامعه لا ينتفع به بل يستضرُّ، لوقوعه في عمياء وهجوم الوحشة عليه، كما يوجبه الكلام الفاسد العاري من الفائدة، وليس بين هاتين المنزلتين واسطةٌ يكون استعمالُ النحو فيها مذموماً وهكذا القول في كلِّ كلام، وذلك أن إصلاح الكلامِ الأول بإجرائه عل حكم النحو، لا يُغْني عنه في الكلام الثاني والثالث، حتى يُتوَّهم أن حصولَ النحوِ في جملة واحدة من قصيدة أو رسالة يُصلح سائر الجمل، وحتى يكون إفراد كل جُملة بحكمها منه تكريراً له وتكثيراً لأجزائه، فيكون مَثَلُهُ مَثَل زيادة أجزَاء الملح على قدر الكفاية. وكذلك لا يُتصور في قولنا: كان زيد منطلقاً، أن يتكرَّرَ هذا الحكم ويتكثّر على هذا الكلام، فيصير النحو كذلك موصوفاً بأن لَهُ كثيراً هو مذمومٌ، وأن المحمودَ منه القليلُ، وإنما وَزَانه في الكلام وِزَانُ وقوف لسان الميزان حتى يُنبئ عن مساواة ما في إحدى الكفتين ما في الأخرى، فكما لا يُتصور في تلك الصفة زيادةٌ ونقصان، حتى يكون كثيرُها مذموماً وقليلها محموداً، كذلك الحكم في الصِّفة التي تحصل للكلام بإجرائه على حكم النحو ووَزْنِهِ بميزان، فقول أبي بكر الخوارزمي: "والبُغْضُ عِنْدِي كثرةُ الإعراب" كلامٌ لا يُحصَل منه على طائل، لأنّ الإعراب لا يقع فيه قلة وكثرة، إن اعتبرنا الكلام الواحد والجملة الواحدة، وإن اعتبرنا الجُمُل الكثيرةَ وجعلنا إعراب هذه الجملة مضموماً إلى إعراب تلك، فهي الكثرة التي لا بدّ منها، ولا صلاح مع تركها، والخليقُ بالبُغْض مَنْ ذَمَّها وإن كان أراد نحو قول الفرزدق:حكام النحو فيه، من الإعراب والترتيب الخاصّ، كما لا يُجْدِي الطعامُ ولا تحصُلُ المنفعة المطلوبةُ منه، وهي التغذية، ما لم يُصْلح بالملح، فأمَّا ما يتخيّلونه من أن معنى ذلك: أن القليلَ من النحو يُغني، وأن الكثيرَ منه يُفسد الكلام كما يُفسد الملحُ الطعامَ إذا كثر فيه تحريفٌ، وقولٌ بما لا يتحصَّل على البَحْث، وذلك أنه لا يُتَصَوّر الزيادةُ والنقصانُ في جريان أحكام النحو في الكلام، ألا ترَى أنه إذا كان من حكمه في قولنا: كان زيدٌ ذاهباً، أن يُرفَع الاسم ويُنصَب الخبر، لم يخلُ هذا الحكم من أن يوجد أو لا يوجد، فإن وُجد فقد حصل النحوُ في الكلام، وعَدَلَ مِزاجَهُ به، ونُفِي عنه الفسادُ، وأنْ يكون كالطعام الذي لا يَغْذُو البدن وإن لم يوجد فيه فَهُو فاسدٌ كائن بمنزلة طعام لم يُصلح بالملح، فسامعه لا ينتفع به بل يستضرُّ، لوقوعه في عمياء وهجوم الوحشة عليه، كما يوجبه الكلام الفاسد العاري من الفائدة، وليس بين هاتين المنزلتين واسطةٌ يكون استعمالُ النحو فيها مذموماً وهكذا القول في كلِّ كلام، وذلك أن إصلاح الكلامِ الأول بإجرائه عل حكم النحو، لا يُغْني عنه في الكلام الثاني والثالث، حتى يُتوَّهم أن حصولَ النحوِ في جملة واحدة من قصيدة أو رسالة يُصلح سائر الجمل، وحتى يكون إفراد كل جُملة بحكمها منه تكريراً له وتكثيراً لأجزائه، فيكون مَثَلُهُ مَثَل زيادة أجزَاء الملح على قدر الكفاية. وكذلك لا يُتصور في قولنا: كان زيد منطلقاً، أن يتكرَّرَ هذا الحكم ويتكثّر على هذا الكلام، فيصير النحو كذلك موصوفاً بأن لَهُ كثيراً هو مذمومٌ، وأن المحمودَ منه القليلُ، وإنما وَزَانه في الكلام وِزَانُ وقوف لسان الميزان حتى يُنبئ عن مساواة ما في إحدى الكفتين ما في الأخرى، فكما لا يُتصور في تلك الصفة زيادةٌ ونقصان، حتى يكون كثيرُها مذموماً وقليلها محموداً، كذلك الحكم في الصِّفة التي تحصل للكلام بإجرائه على حكم النحو ووَزْنِهِ بميزان، فقول أبي بكر الخوارزمي: "والبُغْضُ عِنْدِي كثرةُ الإعراب" كلامٌ لا يُحصَل منه على طائل، لأنّ الإعراب لا يقع فيه قلة وكثرة، إن اعتبرنا الكلام الواحد والجملة الواحدة، وإن اعتبرنا الجُمُل الكثيرةَ وجعلنا إعراب هذه الجملة مضموماً إلى إعراب تلك، فهي الكثرة التي لا بدّ منها، ولا صلاح مع تركها، والخليقُ بالبُغْض مَنْ ذَمَّها وإن كان أراد نحو قول الفرزدق:

وَمَا مِثْلُه في النّاس إلاَّ مملَّكاً ** أبو أمِّه حيٌّ أبُوه يُقَـارِبُـهُ

وما كان من الكلام معقَّداً موضوعاً على التأويلات المتكلَّفة، فليس ذلك بكثرةٍ وزيادة في الإعراب، بل هو بأن يكون نَقْصاً له ونقضاً أولى، لأن الإعراب هو أن يُعرب المتكلم عما في نفسهُ ويبيّنه ويوضِّح الغرض ويكشفَ اللَّبْسَ، والواضعُ كلامه على المجازفة في التقديم والتأخير زائلٌ عن الإعراب، زائغٌ عن الصواب، متعرّض للتلبيس والتعمية، فكيف يكون ذلك كثرةً في الإعراب? إنما هو كثرة عناءٍ على من رام أن يردَّه إلى الإعراب، لا كثرة الإعراب، وهذا هو كالاعتراض على طريق شجون الحديث، ويُحتاج إليه في أصل كبير، وهو أن من حق العاقل أن لا يتعدَّى بالتشبيه الجهةَ المقصودةَ، ولا سيما في العقليات، وأرجع إلى النَّسَق، مثال "الأصل الثالث"، وهو أخذ الشبه من المعقول للمعقول، أوَّل ذلك وأعمُّه تشبيهُ الوجودِ من الشيءٍ مرةً بالعدمَ، والعدمِ مرةً بالوجود، أمّا الأول: فعلى معنى أنه لما قَلَّ في المعاني التي بها يظهر للشيء قَدْرٌ، ويصير له ذِكْرٌ، صار وُجوده كلا وجود، وأمّا الثاني فعلى معنى أن الفاني كان موجوداً ثم فُقِد وعُدم، إلا أنه لما خلّف آثاراً جميلةً تُحيي ذكرَه، وتُديم في الناس اسمه، صار لذلك كأنه لم يُعدَم، وأما ما عدَاهما من الأوصاف فيجيء فيها طريقان: أحدهما: هذا وذلك في كلّ موضع كان موضوع التشبيه فيه على ترك الاعتداد بالصفة، وإن كانت موجودة، لخلوِّها مما هو ثمرتها والمقصودُ منها، والذي إذا خَلَتْ منه لم تستحق الشَّرَف والفضلَ. تفسير هذا: أنك إذا وصفت الجاهل بأنه مّيت، وجعلت الجهل كأنه موتٌ، على معنى أن فائدة الحياة والمقصود منها هو العلم و الإحساس، فمتى عَدِمَهما الحيُّ فكأنه قد خرج عن حُكمْ الحيّ، ولذلك جُعل النَّوم موتاً، إذ كان النائم لا يشعر بما بحضرته، كما لا يشعر الميِّت،

والدرجة الأولى في هذا أن يقال: فلان لا يعقل و هو بهيمة و حمار وما أشبه ذلك، مما يحطُّه عن معاني المعرفة الشريفة، ثم أن يقال: فلان لا يعلم ولا يَفْقَهُ ولا يحسُّ، فيُنفَى عنه العلم والإحساس جملةً لضعف أمره فيه، وغلبة الجهل عليه، ثم يُجعَل التعريضُ تصريحاً فيقال: هو ميّتٌ خارجٌ من الحياة و هو جماد، توكيداً وتناهياً في إبعاده عن العلم والمعرفة، وتشدُّداً في الحكم بأنْ لا مطمع في انحسار غَيَاية الجهل عنه، وإفاقته مما به من سَكْرة الغيّ والغَفْلة وأن يُؤثِّر فيه الوعظ والتنبيهُ، ثم لما كان هذا مستقراً في العادة، أعني جَعْلَ الجاهِل ميِّتاً، خرج منه أن يكون المستحقُّ لصفة الحياة هو العالمَ المتيقظ لوَجْه الرُّشد، ثم لمّا لم يكن علمٌ أشرف وأعلى من العِلم بوحدانية اللّه تعالى، وبما نزّله على النبيّ صلى الله عليه وسلم، جُعل من حصل له هذا العلم بعد أن لم يكن، كأنه وَجَد الحياة وصارت صفةً له، مع وجود نور الإيمان في قلبه، وجُعل حالته السابقةُ التي خلا فيها من الإيمان كحالة الموت التي تُعدَم معه الحياة، وذلك قوله تعالى: "أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتَاً فَأَحْيَيْنَاهُ" "الأنعام:221"، وأشباه ذلك، من هذا الباب قولهم: فلان حيٌّ و حيُّ القلب يريدون أنه ثاقبُ الفهم جيِّد النظر، مستعدٌّ لتمييز الحق من الباطل فيما يَرِد عليه، بعيدٌ من الغفلة التي كالموت ويذهبون به في وجه آخر، وهو أنه حَرِكٌ نافذٌ في الأمورِ غيرُ بطيءِ النهوض وذلك أن هذه الأوصاف من أمارات الصحة واعتدال المزاج وتوقُّد نار الحياة، وهذا يصلح في الإنسان والبهيمة، لأنه تعريض بالقدرة والقوة، والمذهب الأول إشارة في العلم والعقل، وكلتا الصفتين أعني القدرة والعلم مما يشرف به الحيُّ، ومما يضادُّه الموتُ وينافيه، ولما كان الأمْرُ كذلك صار إطلاق الحياة مرة عبارةً عن العلم، وأخرى عن القدرة وإطلاقُ الموت إشارةً إلى عدم القدرة وضعفها تارةً، وإلى عدم العلم وضعفه أخرى، والقول الجامع في هذا: أنّ تنزيلَ الوُجود منزلة العدَم إذا أريد المبالغة في حطّ الشيء والوَضْع منه وخروجِه عن أن يُعتدَّ به، كقولهم: هو والعدم سواء معروفٌ متمكن في العادات، وربما دعاهم الإيغال وحُبُّ السَّرَف إلى أن يطلبوا بعد العدم منزلةً هي أدْوَن منه، حتى يقعُوا في ضرب من التهوّس، كقول أبي تمام:

وأنت أنْزَرُ من لا شيءَ في العددِ

وقال ابن نُبَاتَةَ:

مازِلْتُ أعطِفُ أيَّامِي فتمنَحُني ** نَيلاً أدَقَّ من المعدومِ في العدَمِ

ويتفرع على هذا إثبات الفضيلة للمذكور بإثبات اسم الشيء له، ويكون ذلك على وجهين:
أحدهما: أن تريد المدحَ وإثباتَ المَزِيَّة والفضل على غاية المبالغة، حتى لا تحصل عليه مزيداً، فإذا أردتَ ذلك جعلتَ الإثبات كأنه مقصور عليه لا يُشارَك فيه، وذلك قولك: هذا هو الشيء وما عداه فليس بشيءٍ، أي: إن ما عداه إذا قيس إليه صَغُر وحَقُر حتى لا يدخل في اعتداد، وحتى يكونَ وِجْدَانه كفِقْدَانهُ، فقد نزّلت الوجود فيمن عدا المذكور منزلةَ العدم، وأما أن يكون التفضيل على توسُّط، ويكون القصدُ الإخبار بأنه غير ناقص على الجملة، ولا مُلْغًى منزَّل منزلةَ المعدوم، وذلك قولك: هذا شيءٌ، أي: داخل في الاعتداد، وفي هذه الطريقة أيضاً تفاوُتٌ، فإنك تقول مرةً: هذا إمَّا لا، شيءٌ، تريد أن تقول: إن الآخر ليس بشىء ولا اعتداد به أصلاً، وتقول أخرى: هذا شيء، تريد: شيءٌ له قَدْرٌ وخَطَر، وتجرِي لك هذه الوجوه في أسماء الأجناس كلها تقول: هذا هو الرجل ومَنْ عَداه فليس من الرجولية في شيء، و هذا هو الشعر فحسب، تبالغ في التفضيل، وتجعل حقيقة الجنسية مقصورةً على المذكور، وتقول: هذا رجلٌ تريد: كاملٌ من الرجال، لا أن مَنْ عَدَاه فليس برجل على الكمال، وقد تقول: هذا إمّا لا، رَجلٌ، تريد: يَستحقّ أن يُعَدَّ في الرجال، ويكون قصدُك أن تشير إلى أنّ هناك واحداً آخرَ لا يدخل في الاعتداد أصلاً ولا يستحق اسم الرجل، وإذا كان هذا هو الطريقَ المَهْيَع في الوَضْع من الشيء وتركِ الاعتداد به، والتفضيل له والمبالغة في الاعتداد به، فكل صفتين تضادّتا، ثم أُريد نَقص الفاضلة منهما، عبّر عن نقصها باسم ضدّها، فجُعلت الحياة العارية من فضيلة العلم والقدرة موتاً، والبصر والسمعُ إذا لم ينتفع صاحبهما بما يَسْمَع ويُبْصِر فلم يَفْهم معنى المسموع ولم يعتبر بالمُبصر أو لم يعرف حقيقته عمًى وصَمَمَاً، وقيل للرجل: هو أعمى أصمُّ، يراد أنه لا يستفيد شيئاً مما يسمع ويُبصر، فكأنه لم يسمع ولم يبصر، وسواءٌ عبّرت عن نقص الصفة بوجود ضدّها، أو وصفِها بمجرَّد العدم، وذلك أنّ في إثبات أحد الضدّين وصفاً للشيء، نفياً للضدّ الآخر، لاستحالة أن يوجدا معاً فيه، فيكون الشَّخص حيّاً ميّتاً معاً، أصمَّ سمعياً في حالة واحدة، فقولك في الجاهل: هو ميّت، بمنزلة قولك: ليس بحيّ، وأن الوجود في حياته بمنزلة العَدم. هذا هو ظاهر المذهب في الأمر والحكم إذا أُطلق القولُ، فأما إذا قُيِّد كقوله: "أَصَمُّ عَمَّا سَاءَه سَمِيعُ" فَتُثْبَتُ له الصفتان معاً على الجملة، إلاّ أن مرجع ذلك إلى أن يقال إنه كان يفقد السمع في حال ويعود إليه في حال أو أنه في حقّ هذا الجنس فاقد الإدراك مسلوبه، وفيما عداه كائن على حكم السميع، فلم يثبت له الصمم على الجملة، إلاّ للحكم بأن وجود سَمْعه كالعدم، إلا أن ذلك في شيء دون شيء، وعلى التقييد دون الإطلاق، فقد تبيَّن أن أصل هذا الباب تنزيل الموجود منزلة المعدوم، لكونه بحيث لا يعتدُّ به وخلِّوه من الفضيلة، والطريق الثاني في شَبَه المعقول من المعقول: أن لا يكون على تنزيل الوُجود منزلة العدم، ولكن على اعتبار صفة معقولةٍ يُتصوَّر وُجودها مع ضِدّ ما استعرتَ اسمه، فمن ذلك أن يراد وَصْفُ الأمر بالشدة والصعوبة، وبالبلوغِ في كونه مكروهاً إلى الغاية القُصْوَى، فيقال: لَقِيَ الموت، يريدون لَقَي الأمر الأشدَّ الصعب الذي هو في كراهة النَّفس له كالموت، ومعلومٌ أنَّ كون الشيء شديداً صعباً مكروهاً صفةٌ معلومةٌ لا تُنافي الحياة، ولا يُمْنَع وجودها معه، كما يُمنَع وجود المَوت مع الحياة ألا ترى أن كراهة الوتِ موجودةٌ في الإنسان قبل حصوله، كيف وأكرهُ ما يكون الموت إذا صَفَتْ مشاعر الحياة، وخَصِبتْ مسارح اللذّات، فكلما كانت الحياةُ أمكن وأتمّ، كانت الكراهة للموت أقوى وأشدّ، ولم تخفَّ كراهته على العارفين إلا لرغبتهم في الحياة الدائمة الصافية من الشوائب، بعد أن تزول عنه هذه الحياة الفانية ويُدركهم الموت فيها، فتصوُّرُهم لذّة الأمْن منه، قلَّل كراهتهم له، كما أن ثقةَ العالم بما يُعْقِبه الدواءُ من الصحة، تُهوّن عليه مَرَارَته، فقد عبْرت ها هنا عن شدّة الأمر بالموت، واستعرته له من أجلها، والشّدةُ ومحصُولُها الكراهة، موجودة في كل واحد من المستعار له والمستعار منه فليس التشبيه إذَنْ من طريق الحُكْم على الوجود بالعدم، وتنزيل ما هو موجود كأنه قد خَلَعَ صفة الوجود، وذلك أن هذا الحكم إنما جرى في تشبيه الجهل بالموتِ، وجعل الجاهل ميّتاً من حيث كان للجهل ضدٌُّ يُنافي الموت ويضادُّه وهو العلم، فلما أردتَ أن تبالغ في نفي العلم الذي يجب مع نفيه الجهلُ، وجعلتَ الجهلَ موتاً لتُؤْيس من حصول العلم للمذكور، وليس لك هذا في وصف الأمر الشديد المكروه بأنه موت، ألا ترى أن قوله:ه قد خَلَعَ صفة الوجود، وذلك أن هذا الحكم إنما جرى في تشبيه الجهل بالموتِ، وجعل الجاهل ميّتاً من حيث كان للجهل ضدٌُّ يُنافي الموت ويضادُّه وهو العلم، فلما أردتَ أن تبالغ في نفي العلم الذي يجب مع نفيه الجهلُ، وجعلتَ الجهلَ موتاً لتُؤْيس من حصول العلم للمذكور، وليس لك هذا في وصف الأمر الشديد المكروه بأنه موت، ألا ترى أن قوله:

لا تحسَبَنَّ المَوْتَ مَوْتَ البِلَى ** وإنما الموتُ سُؤالُ الرجالْ

لا يفيد أنّ للسُّؤَال ضدّاً ينافي الموت أو يضادّه على الحقيقة، وأن هذا القائل قصد بجعل السؤال موتاً نَفْىَ ذلك الضدّ، وأن يُؤْيِس من وجوده وحصوله، بل أراد أن في السؤال كراهة ومرارةً مثل ما في الموت، وأن نفس الحرّ تنفِرُ عنه كما تنفر نفوسُ الحيوان جملةً من الموت، وتطلبُ الحياةَ ما أمكن في الخلاص منه، فإن قلتَ: المعنى فيه أن السؤال يَكْسِب الذُلَّ ويَنْفي العِزَّ، والذليلُ كالميت لفقد القدرة والتصرّف، فصار كتسميتهم خُمول الذكر موتاً، والذكرَ بعد الموت حياةً، كما قال أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه: مات خُزَّان المالِ، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مَفْقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، قلتُ: إني آنَسُ أنهم لم يقصدوا هذا المعنى في السؤال، وإنما أرادوا الكراهة، ولذلك قال بعد البيت الذي كتبته:

كِلاَهما موتٌ، ولكـنَّ ذَا ** أشدُّ مِنْ ذاك لذُلّ السُّؤالْ

هذا وليس كل ما يعبِّر عنه بالموت لأنه يُكْرَه ويَصْعُب ولا يستسلم له العاقل إلاّ بعدَ أن تُعْوِزَه الحِيَلُ فإنه يُحْمل هذا المَحْمَل، وينقادُ لهذا التأويل، أترى المتنبي في قوله:

وقد مُتّ أمْسِ بهـا مَـوْتَةً ** ولا يَشْتَهِي الموتَ مَنْ ذَاقَهُ

أراد شيئاً غير أنه لقي شِدّةً، وأمَّا العبارة عن خمول الذكر بالموت، فإنه وإن كان يدخل في تنزيل الوجود منزلة العدم، من حيث يقال: إن الخامل لمّا لم يُذكَر ولم يَبِنْ منه ما يُتحدَّث به، صار كالميت الذي لا يكون منه قولٌ، بل ولا فعل يدلُّ على وجوده فليس دخوله فيه ذلك الدخولَ، وذلك أن الجهل يُنافي العلم ويضادُّه كما لا يخفى، والعلم إذا وُجد فَقَدْ وُجدت الحياةُ حَتْمَاً واجباً، وليس كذلك خمولُ الذكر والذكرُ، لأنه ليس إذا وُجد الذكرُ فقد وُجدت الحياة، لأنك تُحدِّث عن الميت بأفعاله التي كانت منه في حال الحياة، فيَتَصَوَّر الذكرُ ولا حياة على الحقيقة، ولا يُتَصَوَّر العلم ولا حياة على الحقيقة. وهكذا القول في الطرف الآخر، وهو تسميةُ مَنْ لا يَعلم ميّتاً، وذلك أن الموت ها هنا عبارة عن عَدَم العلم وانتفائه، وعدم العلم على الإطلاق، حتى لا يوجد منه شيء أصلاً، وحتى لا يصحّ وجوده، يقتضي وجود الموت على الحقيقة ولا يمكن أن يقال إنّ خمولَ الذكر يوجب الموت على الحقيقة، فأنت إذن في هذا تُنزّل الوجود منزلةَ العدم على وجهٍ لا ينصرف إلى الحقيقة ولا يصير إليها،، وإنما يُمثَّل ويُخيَّل، وأما في الضرب الأول وهو جعلُ من لا يعلم ميِّتاً ومن يعَلم هو الحيّ فإنك تلاحظ الحقيقة وتشير إليها وتحطِب في حَبْلها فاعرفه. وأمَّا قولهم في الغنيّ إذا كان بخيلاً لا ينتفع بماله: إنّ غناه فقر، فهو في الضرب الأول أعني تنزيلَ الوجود منزلة العدم لتعرّى الوجود مما هو المقصود منه، وذلك أن المال لا يُراد لذاته، وإنما يُراد للانتفاع به في الوجوه التي تعدُّها العقلاء انتفاعاً، فإذا حُرم مالكه هذه الجدوى وهذه الفائدة، فملْكُه له وعدم الملك سواء، والغِنَي إذا صُرف إلى المال، فلا معنى له سوى مِلْك الإنسان الشيء الكثير منه، ألا تراه يُذكَر مع الثروة فيقال: غنيٌّ مُثْرٍ مُكثر? فإذا تبين بالعلة التي مضت أنه لا يستفيد بمِلْكه هذا المالَ معنًى، وأن لا طائل له فيه، فقد ثبت أن غِناه والفقرَ سواء، لأن الفقر أن لا يملك المال الكثير، وأمّا قول اللُؤَماء: إن انتفاعه في اعتقاده أنَّه متى شاء انتفع به، وما يجد في نفسه من عزّة الاستظهار، وأنه يُهاب ويُكْرم من أجله، فمن أضاليل المُنَى، وقد يُهان ويُذَّلُّ ويُعَذَّب بسببه حتى تُنْزَع الروح دونه، ثم إن هذا كلامٌ وضعه العقلاء الذين عرفوا ما الانتفاع، وهذا المخالفُ لا يُنكر أن الانتفاع لو عُدم كان مِلكه الآن لمالٍ وعَدَمُ ملكه سواءٌ، وإنما جاء يتطلّب عُذْراً، ويُرخِي دون لُؤْمه سِتْراً، ونظير هذا أنك ترى الظالم المجترئ على الأفعال القبيحة، يدّعي لنفسه الفضيلة بأنه مَدِيد الباع طويلُ اليد، وأنه قادرٌ على أن يُلجئ غيره إلى التَّطامن له، ثم لا يزيده احتجاجُه إلا خِزْياً وذُلاً عند اللّه وعند الناس، وترى المصدِّق له في دعواه أذَمَّ له وأهجى من المكذِّب، لأن الذي صدّقه أيِسَ من أن ينزع إلى الإنسانية بحالٍ، والذي كذَّب رجَا أن ينزع عند التنبيه والكشف عن صورة القبيح، وأما قولهم في القناعة إنها الغِنَى كقوله:

إنَّ القُنوعَ الغِنَى لا كثرةُ المال

يريد القناعة، وكما قال الآخر:

إنّ القَنَاعةَ فاعلمـنَّ غِـنَـى ** والحِرْصُ يُورِث أهلَهُ الفَقْرَا

وجعلُهم الكثيرَ المال، إذا كان شَرِهاً حريصاً على الازدياد، فقيراً، فمِمَّا يرجع إلى الحقيقة المحضة، وإن كان في ظاهر الكلام كالتشبيه والتمثيل، وذلك أن حقيقة الغِنَى هو انتفاء الحاجة والحاجة أن تريد الشيء ولا تجدُه، والكثير المال إذا كان الحِرْصُ عليه غالباً، والشَّرَهُ له أبداً صاحباً، كان حاله كحال من به كَلَبُ الجوع يأكل ولا يشبع، أو من به البَغَرُ يشرب ولا يروَى، فكما إنّ إصابته من الطعام والشراب القدرَ الذي يُشبع ويُروى، إذا كان المزاج معتدلاً والصّحة صحيحةً، لا تنفي عنه صفة الجائع والظمآنِ لوجود الشهوة ودَوامِ مُطالبة النفس وَبَقَاء لهيب الظمأِ وجهْدِ العطش، كذلك الكثيرُ المال لا تحصل له صفة الغِنى ولا تزول عنه صفة الفقر، مع بقاء حرصه الذي يُديم له القَرَم والشَّره والحاجة والطلَب والضَجَر حين يفقِد الزيادة التي يريدها، وحين يفوته بعض الرِّبح من تجاراته وسائر متصرَّفاته، وحتى لا يكاد يفصِل بين حاله وقد فاته ما طلب، وبينها وقد أُخذ بعض مالِهِ وغُصب، ومن أين تحصُل حقيقة الغِنَى لذي المال الكثير? وقد تراه من بُخله وشُّحِّه كالمقيَّد دون ما ملكه، والمغلول اليدِ يموت صبراً ويُعاني بؤساً، ولا تمتّد يدُه إلى ما يزعمُ أنه يملكه فيُنفقه في لذَّة نفسٍ، أو فيما يَكْسِب حمداً اليوم وأجراً غداً، ذاك لأنه عَدِم كرماً يبسُط أناملَه، وجُوداً ينصر أمَلَهُ، وعقلاً يبصّره، وهمّةً تمكنّه مما لديه، وتُسلِّطه عليه، كما قال البحتري:

ووَاجِدُ مالٍ أعوزَتْهُ سَجِـيّةٌ ** تُسلّطه يوماً على ذلك الوُجْد

فقولهم إذَنْ: إن القناعة هي الغِنَى لا كثرة المال، إخبار عن حقيقةِ نفّذتها قضايا العقول، وصحّحتها الخِبرة والعِبرة، ولكن رُبّ قضيةٍ من العقل نافذةٍ قد صارت كأنها من الأمور المتجوَّز فيها، أو دون ذلك في الصحة، لغلبة الجهل والسَفَه على الطباع، وذهاب من يعمل بالعقل ويُذعن له، ويطرح الهوى، ويصبُو إلى الجميل، ويأنَف من القبيح، ولذهاب الحياء وبُطلانه، وخروج الناس من سُلْطانه، ويأس العاقل من أن يُصادف عندهم، إن نَبَّهَ أو ذَكَّر، سمعاً يعي، وعقلاً يراعي، فجَرْيُ الغنى على كثرة المال، والفقر على قلّته، مما يُزيله العُرف عن حقيقته في اللغة، ولما كان الظاهرُ من حال الكثير المال أنه لا يَعْجِز عن شيء يريده من لذّاته وسائر مطالبه، سُمّي المال الكثير غِنًى، وكذلك لمَّا مَن كان قَلَّ ماله، عَجَز عن إرادته، سُمّي قلّة المال فقراً، فهو من جنس تسمية السبب باسم المسَبَّب، وإلا فحقيقة الغنى انتفاء الاحتياج، وحقيقة الفقر الاحتياج، واللّه تعالى الغنيُّ على الحقيقة، لاستحالة الاحتياج عليه جلّ وتعالى عن صفات المخلوقين، على ذاك ما جاء في الخبر من أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "أَتَدْرُون من المفلس? قالوا: المفلس فينا يا رسول اللّه من لا دِرْهمَ له ولا مَتَاع، قال: المفلس من أُمَّتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وزكاته وصيامه، فيأتي وقد شتم هذا وأكل مال هذا وقَذَف هذا وضرب هذا وسفك دمَ هذا فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيتُ حسناته قبل أن يفنى ما عليه من الخطايا، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار"، ذاك أنه صلى الله عليه وسلم بيَّن الحكم في الآخرة، فلما كان الإنسان إنما يُعَدُّ غنيّاً في الدنيا بماله، لأنه يجتلب به المسرّة ويدفع المضرّة، وكان هذا الحكم في الآخرة، للعمل الصالح، ثبتَ لا محالة أن يكون الخاليِ، نعوذ باللّه، من ذلك، هو المفلس، إذ قد عَرِيَ مما لأجله يسمّى الخالي من المال في الدنيا مفلساً، وهو عدم ما يوصله إلى الخير والنعيم، ويقيه الشرَّ والعذابَ، نسأل اللّه التوفيق لما يُؤْمِنُ من عقابه. وإذا كان البَحْثُ والنظر يقتضي أن الغنى و الفقر في هذا الوجه دالاّن على حقيقة هذا التركيب في اللغة، كقولك: غَنِيتُ عن الشيء و استغنيتُ عنه، إذا لم تحتج إليه و افتقرتُ إلى كذا، إذا احتجتَ إليه وجب أن لا يعدواها ها هنا في المستعار والمنقول عن أصله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 7:27 pm

فصل


إن قال قائل: إنّ تنزيل الوجود منزلةَ العدم،

أو العدِم منزلةَ الوجود، ليس من حديث التشبيه

في شيء، لأن التشبيه أن تثبت لهذا معنًى من معاني ذاك،

أو حُكماً من أحكامه، كإثباتك للرجل شجاعة الأسد،

وللحُجة حكم النُّور، في أنك تفصل بها بين

الحق والباطل، كما يُفصل بالنور بين الأشياء،

وإذا قلت في الرجل القليل المعاني: هو معدوم،

أو قلت: هو و العدم سواء،

فلست تأخذ له شبهاً من شيء،

ولكنك تنفيه وتُبطل وجوده، كما أنك إذا قلت:

ليس هو بشيء أو ليس برجل، كان كذلك،

وكما لا يسمّى أحدٌ نحوَ قولنا: ليس بشيء تشبيهاً،

كذلك ينبغي أن لا يكون قولك: وأنت تقلِّل الشيءَ

أُخبرت عنه معدومٌ تشبيهاً، وكذلك إذا جعلت

المعدوم موجوداً كقولك مثلاً للمال يذهب ويفنَى

ويُثمر صاحبهُ ذكراً جميلاً وثناءً حسناً:

إنه باقٍ لك موجود، لم يكن ذلك تشبيهاً،

بل إنكاراً لقول من نفى عنه الوجود، حتى كأنك تقول:

عينُه باقية كما كانت، وإنما استَبْدَل بصورة

صورةً فصار جمالاً، بعد ما كان مالاً، ومكارمَ،

بعد أن كان دراهم، وإذا ثبت هذا في نفس

الوُجود والعدم، ثبت في كل ما كان على

طريق تنزيل الصفة الموجودة كأنها غير موجودة،

نحو ما ذكرت من جعل الموت عبارةً عن الجهل،

فلم يكن ذلك تشبيهاً، لأنه إذا كان لا يُرَاد بجعل

الجاهل ميّتاً إلا نفْي الحياة عنه مبالغةً ،

ونفيُ العلم والتمييز والإحساس الذي لا يكون

إلا مع الحياة، كان محصوله أنك لم تعتدُّ بحياته،

وتركُ الاعتداد بالصفة لا يكون تشبيهاً،

إنما نفيٌ لها وإنكارٌ لقول من أثبتها، فالجواب:

إن الأمر كما ذكرتَ، ولكنّي تتبّعتُ فيما وضعتُه

ظاهرَ الحال، ونظرتُ إلى قولهم: موجود كالمعدوم،

وشيءٌ كلا شيء، ووجود شبيه بالعدم، فإن أبيتَ

أن تعمل على هذا الظاهر لم أضايق فيه،

إلا أن من حَقّك أن تعلم أنه لا غِنَى بك عن حفظ

الترتيب الذي رتَّبْتُه في إعطاء المعقول اسم معقول

آخر أعني لا بدّ من أن تعلم أنه يجيء على طريقين:

أحدهما: تنزيل الوجود منزلة العدم، كما مضى من

أنّ جعل الموت عبارةً عن الجهل، وإيقاعُ اسمه

عليه يرجع إلى تنزيل حياته الموجودة كأنها معدومة،

والثاني: أن لا يكون هذا المعنى، ولكن على أنّ

لأحد المعنيين شَبَهَاً من الآخر، نحو أن السؤال يُشبه،

في كراهته وصُعوبته على نفس الحُرّ، الموتَ.

واعلم أني ذكرت لك في تمثيل هذه الأصول الواضحَ

الظاهرَ القريبَ المتناوَلِ الكائنَ من قَبِيل المتعارف

في كل لسان، وما تجد اعترافاً به وموافقةً عليه

من كل إنسان، أو ما يشابه هذا الحدَّ ويشاكله،

ويداخل هذا الضَّرب ويشاركه، ولم أذكر ما يدِقُّ

ويغمُض، ويلطُف ويَغْرُب، وما هو من الأسرار

التي أثارتْها الصنعة، وغاصت عليها فكرة الأفراد

من ذوي البراعة في الشِّعر، لأن القصد إذا كان

لتمهيد الأساس، ووضع قواعد القياس، كان الأوْلى

أن أعمدَ إلى ما هو أظهر وأجلى من الأمثلة، لتكون

الحجةُ بها عامّة لا يصرف وجهها بحال، والشهادةُ تامةً

لا تجد من السامعين غير قبول وإقبال، حتى إذا تمّهدَت

القواعد، وأُحكمت العُرَى والمَعَاقد، أُخِذ حينئذ في تتبُّع

ما اخترعته القرائح، وعُمِد إلى حل المشكلات عن

ثقةٍ بأنْ هُيّئَت المفاتح، هذا وفي الاستعارة بعدُ من

جهة القوانين والأصول، شغلٌ للفكر، ومذهب للقول،

وخفايا ولطائفُ تُبْرَز من حُجُبِها بالرِّفْق والتدريج

والتلطُّف والتأنِّي، ولكني أظنُّ أنَّ الصوابَ أن أنْقُلَ

الكلام إلى القول على التشبيه والتمثيل وحقيقتهما

والمراد منهما، خصوصاً في كلام من يتكلم على

الشعر، ونتعرّف أهما متساويان في المعنى،

أو مختلفان، أم جنسهما واحدٌ، إلا أن أحدهما

أخصُّ من الآخر ? وأنا أضع لك جملة من

القول تَبِين بها هذه الأمور .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 7:30 pm

التشبيه والتمثيل



أقسام التشبيه:



اعلم أن الشيئين إذا شُبّه أحدهما بالآخر كان ذلك على ضربين:


أحدهما: أن يكون من جهة أمرٍ بيّنٍ لا يحتاج إلى تأوّل،

والآخر: أن يكون الشبه محصّلاً بضرب من التأوّل،


فمثال الأول: تشبيهُ الشيّ بالشيء من جهة الصُّورة والشكل،

نحو أن يشبَّه الشيء إذا استدار بالكرة في وجه، وبالحلقة

في وجه آخر وكالتشبيه من جهة اللّون، كتشبيه الخدود بالورد،

والشَعر بالليل، والوجه بالنهار، وتشبيه سِقْط النار بعين الديك،

وما جرى في هذا الطريق أو جمع الصُّورة واللون معاً،

كتشبيه الثُّريّا بعنقود الكَرْم المنوَّر،

والنرجس بمَدَاهن دُرٍّ حشُوهن عقيق،


وكذلك التشبيه من جهة الهيئة نحو:

أنه مستوٍ منتصبٌ مديدٌ، كتشبيه قامة الرَّجل بالرمح،

والقَدِّ اللطيفِ بالغصن ويدخل في الهيئةِ حالُ الحركات في أجسامها،

كتشبيه الذاهب على الاستقامة بالسَّهم السديد،

ومَنْ تأخذه الأريحيّةُ فَيهتزُّ بالغصن تحت البارح،

ونحو ذلك وكذلك كل تشبيهٍ جَمَعَ بين شيئين فيما

يدخل تحت الحواسّ، نحو تشبيهك صوتَ بعض

الأشياء بصوت غيره، كتشبيه أطيطِ الرحل بأصوات الفراريج،

كما قال:

كأنّ أصواتَ، من إيغالهنّ بنـا ** أواخرِ المَيْس إنقاضُ الفَرَاريج


تقدير البيت كأن أصوات أواخر الميس أصواتَ

الفراريج من إيغالهن بنا ثم فصل بين المضاف

والمضاف إليه بقوله: من إيغالهن

وكتشبيه صَرِيف أنياب البعير بصياح البوازي،

كما قال:

كأنَّ عَلَـى أنـيابـهـا سُـحْـرَةٍ ** صِياحَ البَوازي من صَرِيف اللَّوَائِك


وأشباه ذلك من الأصوات المشبهة له وكتشبيه

بعض الفواكه الحلوة بالعسَل والسُكَّر وتشبيهِ اللِّين

الناعم بالخزِّ، والخشن بالمِسْحِ، أو رائحةِ بعض

الرياحين برائحة الكافور أو رائحة بعضها ببعضٍ كما لا يخفى،

وهكذا التشبيه من جهة الغريزة والطباع، كتشبيه

الرجل بالأسد في الشجاعة، وبالذئب في النُكْر،

والأخلاقُ كلُّها تدخُل في الغريزةُ نحو السَّخاء والكرمَ

واللؤم، وكذلك تشبيه الرجل بالرجل في الشدة والقوة

وما يتصل بهما، فالشبه في هذا كلّه بَيّنٌ لا يجري فيه التأوُّل،

ولا يُفتقَر إليه في تحصيله،

وأيُّ تأوُّل يجري في مشابهة الخدّ للورد في الحمرة،

وأنت تراها ها هنا كما تراها هناك?

وكذلك تعلم الشَّجاعة في الأسد كا تعلمها في الرجل،


ومثالُ الثاني: وهو أشبه الذي يَحْصُل بضرب من التأوُّل،

كقولك: هذه حُجّةٌ كالشمس في الظهور،

وقد شبّهت الحجةَ بالشمس من جهة ظهورها،

كما شبَّهتَ فيما مَضَى الشيء بالشيء من جهة

ما أردت من لون أو صورة أو غيرهما، إلا أنك تعلمَ أن

هذا التشبيه لا يتمّ لكَ إلا بتأوُّل، وذلك أن تقول:

حقيقة ظُهور الشمس وغيرها من الأجسام أنْ لا يكون

دونها حجابٌ ونحوُه، مما يحول بين العين وبين رؤيتها،

ولذلك يظهر الشيءُ لك إذا لم يكن بينك وبينه حجابٌ،

ولا يظهر لك إذا كنت من وراء حجاب، ثم تقول:

إن الشُبهة نظير الحجاب فيما يُدرَك بالعقول،

لأنها تمنع القلب رؤيةَ ما هي شُبهة فيه،

كما يمنع الحجاب العين أن ترى ما هو من ورائه،

ولذلك تُوصف الشُبهة بأنها اعترضت دون الذي يروم

القلبُ إدراكه، ويَصْرف فكرَه للوصول إليه من صحّةِ

حكمِ أو فساده، فإذا ارتفعت الشبهة وحصل العلم

بمعنى الكلام الذي هو الحجّة على صحّة ما ادُّعي

من الحكم قيل: هذا ظاهرٌ كالشمس، أي ليس ها هنا مانعٌ

عن العلم به، لا للتوقف والشكّ فيه مَسَاغٌ، وأنَّ المنكرَ له

إمَّا مدخولٌ في عقله أو جاحدٌ مُباهتٌ، ومُسرف في العناد،

كما أن الشمس الطالعة لا يَشكُّ فيها ذو بصرٍ،

ولا ينكرها إلاّ مَنْ لا عذر له في إنكاره، فقد احتجتَ

في تحصيل الشبه الذي أَثبته بين الحجّة والشمس إلى

مثل هذا التأوّل كما ترى. ثم إنّ ما طريقُه التأوُّل

يتفاوت تفاوتاً شديداً، فمنه ما يقربُ مأخذُه ويسهُل

الوصول إليه، ويُعطَى المَقَادةَ طوعاً، حتى إنه يكاد

يداخل الضرب الأول الذي ليس من التأول في شيء،

وهو ما ذكرته لك ومنه ما يُحتاج فيه إلى قدر من التأمّل،

ومنه ما يدقُّ ويغمُض حتى يُحتاج في استخراجه إلى

فضل رويّةٍ ولُطْفِ فكرةٍ. فمما يُشبه الذي بدأتُ به في

قُرب المأخذ وسهولة المأتى، قوله في صفة الكلام:

ألفاظه كالماء في السلاسة، وكالنسيم في الرٍّقة،

وكالعسل في الحلاوة، يريدون أن اللفظ لا يستغلِق ولا

يشتبه معناه ولا يصعُب الوُقوف عليه، وليس هو بغريب

وَحْشيّ يُستكرَه، لكونه غيرَ مألوف، أو ليس في حروفه

تكريرٌ وتنافرٌ يُكَدُّ اللسانُ من أجلهما، فصارت لذلك كالماء

الذي يسوغُ في الحلق، والنسيم يسري في البدن،

ويتخلَّل المسالك اللطيفة منه، ويُهدي إلى القلب رَوْحاً،

ويُوجد في الصدر انشراحاً، ويُفيد النفس نشاطاً،

وكالعسل الذي يَلَذُّ طعمه، وتَهِشُّ النفس له، ويميل الطبع إليه،

ويُحَبُّ ورودُه عليه، فهذا كله تأوّلٌ، وردُّ شيء إلى شيء

بِضربٍ من التلطف، وهو أدخل قليلاً في حقيقة التأوّل،

وأقوى حالاً في الحاجة إليه، من تشبيه الحجّة بالشمس،

وأما ما تقوَى فيه الحاجة إلى التأوُّل حتى لا يُعرَف المقصود

من التشبيه فيه ببديهة السماع، فنحو قول كَعْبٍ الأشقريّ،

وقد أوفده المهَلَّب على الحجّاج، فوصف له بنيه وذكر مكانهم

من الفضل والبأس، فسأله في آخر القصّة قال:

فكيف كان بنو المهلب فيهم? قال: كانوا حُماة السَرْح نهاراً،

فإذا أليْ لُوا ففرسان البَيَات، قال: فأيُّهم كان أنجد?

قال: كانوا كالحلْقة المفرغة لا يُدرَى أين طَرَفاها،

فهذا كما ترى ظاهر الأمر في فَقْره إلى فضل الرِّفق به

والنظر، ألا ترى أنه لا يفهمه حقَّ فَهْمه إلا من له ذهن

ونَظَرٌ يرتفع به عن طبقة العامّة؛ وليس كذلك تشبيه

الحجّة بالشمس، فإنه كالمشتركِ البَيّن الاشتراك،

حتى يستوي في معرفته، اللبيبُ واليقِظُ والمضعوفُ المغفَّل،

وهكذا تشبيه الألفاظ بما ذكرت، قد تجده في كلام العامي.

فأمَّا ما كان مذهبه في اللُّطف مذهبَ قوله: هم كالحلقة،

فلا تراه إلا في الآداب والحِكَم المأثورة عن الفضلاء وذوِي

العقول الكاملة.وله: هم كالحلقة، فلا تراه إلا في الآداب

والحِكَم المأثورة عن الفضلاء وذوِي العقول الكاملة.



الفرق بين التشبيه والتمثيل

وإذ قد عرفتَ الفَرْقَ بينن الضَّربين، فاعلم أن التشبيه

عامٌّ والتمثيل أخصّ منه، فكل تمثيلٍ تشبيهٌ،

وليس كلّ تشبيهٍ تمثيلاً، فأنت تقول في قول قيس بن الخطيم:

وقد لاَحَ في الصُّبح الثريَّا لمن رَأَى ** كَعُنْقُودِ مُـلاَّحِـيَّةٍ حِـينَ نَـوَّرا


إنه تشبيه حسن، ولا تقول: هو تمثيل،

وكذلك تقول: ابنُ المعتزّ حَسَنُ التشبيهات بديعُها،

لأنك تعني تشبيهه المبصَرات بعضَهَا ببعض،

وكلَّ ما لا يوجد الشبه فيه من طريق التأوّل، كقوله:

كأنَّ عُيونَ النَّرْجِسِ الغضِّ حَوْلها ** مَدَاهِنُ دُرٍّ حَشْوُهـنَّ عـقـيقُ

وقوله:

وأرَى الثُّريّا في السَّماء كأنَّها ** قَدْ تَبَدَّت من ثِـيابِ حِـدَادِ

وقوله:

وتـرومُ الـثُّـريا ** في الغُرُوبِ مَرَاما

كانكبـاب طِـمِـرِّ ** كادَ يُلقَى اللِّجَامَـا

وقوله:

قد انْقَضَتْ دَولَةُ الصيام وَقَد ** بَشَّرَ سُقْم الهِلالِ بِالـعِـيدِ

يتلو الثريا كفاغـرٍ شَـــــــرِهٍ ** يفتح فاه لأكلِ عـنـقــــودِ


وقوله:

لَمَّا تَعَرَّى أُفُقُ الـضِّـياءِ ** مثلَ ابتسام الشَّفَة اللَّمْـياءِ
وَشمِطَتْ ذَوائِبُ الظَّلمـاءِ ** قُدْنا لِعين الوَحْش والظِّباء
داهيةً مَحذُورةَ الـلِّـقـاءِ ** وَيَعْرِفُ الزَّجْر من الدُّعاءِ
بأُذُنِ سـاقـطةِ الأرجـاءِ ** كوَرْدِةِ السَّوْسَنة الشَّهبـاءِ
ذَا بُرْثُن كمِثْقَبِ الـحـذَّاءِ ** ومُقْلةٍ قـلـيلةِ الأقـذاءِ
صافية كقطرةٍ من مـاءِ ** تنسابُ بينَ أكمِ الصحراءِ

وما كان من هذا الجنس ولا تُريد نحو قوله:

اصبر على مضَض الحسو ** ــدِ فإنّ صَبْرَك قـاتِـلُـهْ

فالنَّــــــارُ تأكــــلُ نَـفْـسَـهَـا ** إن لَمْ تَجِدْ ما تـأكـلُــهْ


وذلك أن إحسانه في النوع الأول أكثر، وهو به أشهر.

وكل ما لا يصحّ أن يسمَّى تمثيلاً فلفظ المثل لا يُستعمل فيه أيضاً،

فلا يقال: ابن المعتزّ حسن الأمثال،

تريد به نحو الأبيات التي قدّمتُها، وإنما يقال:

صالح بن عبد القدُّوس كثير الأمثال في شعره، يراد نحو قوله:


وإنَّ مَنْ أَدَّبْتَهُ في الـصِّـبـا ** كالعُودِ يُسقَى الماءَ في غَرْسِهِ

حتَّى تراهُ مُورقَـاً نـاضـراً ** بَعْد الذي أبصرتَ مِنْ يُبْسِـــــــه


وما أشبهه، مما الشبه فيه من قبيل ما يجري في التأوّل،

ولكن إن قلت في قول ابن المعتز:

فالنار تأكُلُ نَفْسهـا ** إن لم تجد ما تأْكُلُهْ


إنه تمثيل، فمثل الذي قلتُ ينبغي أن يُقال،

لأن تشبيه الحسود إذا صُبِر وسُكِتَ عنه،

وتُرك غيظُه يتردّد فيه بالنار التي لا تُمَدُّ بالحطب

حتى يأكُلَ بعضها بعضاً، مما حاجتهُ إلى التأوُّل ظاهرة بيّنة.

فقد تبيّن بهذه الجُملة وجهُ الفرق بين التشبيه و التمثيل،

وفي تتبّع ما أجملتُ من أمرهما، وسلوكِ طريقِ التحقيق فيهما،

ضربٌ من القول ينشَط له من يأْنَسُ بالحقائق.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 7:32 pm

فصل :



اعلم أن الذي أوجب أن يكون في التشبيه هذا الانقسام،

أنّ الاشتراك في الصفة يقع مرّةً في نفسها وحقيقة جنسها،

ومرةً في حُكْمٍ لها ومقتضًى، فالخدُّ يشارك الورد في

الحمرة نفسها وتجدها في الموضعين بحقيقتها

واللفظ يشارك العسل في الحلاوة، لا من حيث جنسه،

بل من جهة حكمٍ وأمرٍ يقتضيه، وهو ما يجده الذائق

في نفسه من اللَّذَّة، والحالة التي تحصل في النفس

إذا صادفت بحاسّة الذَّوق ما يميل إليه الطبع

وَيَقَعُ منه بالموافقة، فلمَّا كان كذلك، احتيج

لا محالة إذا شُبّه بالعسل في الحلاوة أن يبيَّن

أنَّ هذا التشبيه ليس من جهة الحلاوة نفسها وجنسها،

ولكن من مقتضًى لها، وصفةٍ تتجدَّد في النفس بسببها،

وأنَّ القصد أن يُخبَر بأنَّ السامع يجد عندَ وقوع

هذا اللفظ في سمعه حالةً في نفسه،

شبيهةً بالحالة التي يجدها الذائق للحلاوة من العسل،

حتى لو تمثَّلت الحالتان للعيون، لكانتا تُرَيان

على صورة واحدة، ولَوُجدتا من التناسب على حدّ

الحمرة من الخدّ، والحمرة من الورد،

وليس ها هنا عبارة أخصّ بهذا البيان من التأوّل،

لأن حقيقة قولنا: تأوّلتُ الشيء، أنك تطلّبت

ما يؤُول إليه من الحقيقة، أو الموضعَ الذي يؤول

إليه من العقل، لأن أوَّلتُ وتأوَّلتُ فَعَّلتُ وتَفَعّلتُ

من آل الأمر إلى كذا يؤُول، إذا انتهى إليه، والمآل،

المرجع وليس قولُ من جعل أوَّلتُ وتأَوَّلتُ من

أَوَّل بشيء، لأن ما فاؤه وعينه من وضع واحد

ككوكب ودَدَن لا يُصرَّف منه فعلٌ، وأوّل أفعلُ بدلالة قولنا:

أوّلُ منه، كقولنا: أسبق منه وأقدم، فالواو الأولى

فاءٌ والثانية عينٌ وليس هذا موضع الكلام في ذلك

فيستقصَى، وأما الضرب الأول، فإذا كان المثْبَت من

الشَبَه في الفرع من جنس المثْبَت في الأصل،

كان أصلاً بنفسه، وكان ظاهرُ أمره وباطنُهُ واحداً،

وكان حاصل جمعك بين الورد والخد، أنك وجدت في

هذا وذاك حمرةً، والجنس لا تتغير حقيقته بأن يوجد

في شيئان، وإنما يُتصوَّر فيه التفاوت بالكثرة والقلّة

والضعف والقوة، نحوَ أن حمرةَ هذا الشيء أكثر

وأشد من حمرة ذاك، وإذا تقرَّرتْ هذه الجملة،

حصل من العلم بها أن التشبيه الحقيقي الأصلي

هو الضرب الأول، وأن هذا الضرب فرع له

ومرتَّب عليه، ويزيد ذلك بياناً: أنّ مدار التشبيه

على أنه يقتضي ضرباً من الاشتراك، ومعلوم

أن الاشتراك في نفس الصفة، أسبقُ في التصوُّر

من الاشتراك في مقتضَى الصفة كما أن الصفة

نفسها مقدَّمة في الوهم على مقتضاها، فالحلاوة أوّلاً،

ثم إنها تقتضي اللذّة في نفس الذائق لها،

وإذا تأملنا متصرَّف تركيبه، وجدناه يقتضي أن

يكون الشيئان من الاتفاق والاشتراك في الوصف،

بحيث يجوز أن يُتَوهَّم أن أحدَهما الآخرُ، وهكذا تراه

في العرف والمعقول، فإنّ العقلاء يؤكّدون أبداً أمر

المشابهة بأن يقولوا: لا يمكنك أن تفرق بينهما،

ولو رأيت هذا بعد أنْ رأيت ذاك لم تعلم أنك رأيت شيئاً

غير الأوّل، حتى تستدلَّ بأمر خارج عن الصُّورة،

ومعلومٌ أن هذه القضية إنما توجد على الإطلاق

والوجودِ الحقيقيِ في الضرب الأول وأمَّا الضربُ الثاني،

فإنما يجيء فيه على سبيل التقدير والتنزيل، فأما أن

لا تجد فصلاً بين ما يقتضيه العَسل في نفس الذائق،

وما يحصل باللفظ المرضيّ والكلام المقبول في نفس السامع،

فما لا يمكن ادّعاؤه إلاّ على نوع من المُقاربة

أو المجازفة، فأمَّا على التحقيق والقطع فَلاَ،

فالمشابهاتُ المتأوَّلة التي ينتزعها العقل من

الشيء للشيء، لا تكون في حدّ المشابهات

الأصلية الظاهرة، بل الشبه العقلي كأنَّ الشيء

به يكون شبيهاً بالمشبّه.



فصل :

ثم إن هذا الشبه العقلي ربما انتُزع من شيء واحد،

كما مضى انتزاع الشَّبه للفظ من حلاوة العسل

وربما انتزع من عِدَّة أمورِ يُجْمَع بعضها إلى بعض،

ثم يُستخرَج من مجموعها الشَبَهُ، فيكون سبيلهُ سبيلَ

الشيئين يُمزَج أحدهما بالآخر، حتى تحدُث صورة غير

ما كان لهما في حال الإفراد، لا سبيل الشيئين يَجمَع

بينهما وتُحفَظ صورتهما، ومثالُ ذلك قوله عزّ وجلّ:

"مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَار يَحْمِلُ أسْفَارَاً" "الجمعة:5"،

الشبهُ منتزع من أحوال الحمار،

وهو أنه يحمل الأسفار التي هي أوعية العلوم

ومستودَعُ ثَمَر العقول، ثم لا يُحسّ بما فيها ولا يشعر

بمضمونها، ولا يفرِّق بينها وبين سائر الأحمال

التي ليست من العلم في شيء، ولا من الدَّلالة

عليه بسبيل، فليس له مما يحمل حظٌّ سوى أنه يثقُلُ عليه،

ويكُدُّ جنبيه فهو كما ترَى مُقْتضَى أمورٍ مجموعةٍ،

ونتيجةٌ لأشياءَ أُلّفت وقُرن بعضها إلى بعض،

بيانُ ذلك: أنه احتيج إلى أن يراعَى من الحمار

فعلٌ مخصوص، وهو الحمل، وأن يكون المحمول

شيئاً مخصوصاً، وهو الأسفار التي فيها أماراتٌ تدلّ

على العلوم، وأن يُثلَّثَ ذلك بجهل الحمار ما فيها،

حتى يحصل الشبه المقصود، ثم إنه لا يحصلُ من كل

واحدٍ من هذه الأمور على الانفراد، ولا يُتصوّر أن يقال

إنه تشبيه بعد تشبيه، من غير أن يقف الأول على الثّاني،

ويدخل الثاني في الأول، لأن الشَّبه لا يتعلق بالحمل حتى

يكون من الحمار، ثم لا يتعلق أيضاً بحَمْلِ الحمار حتى

يكون المحمول الأسفار، ثم لا يتعلق بهذا كله حتى يقترن

به جَهْل الحمار بالأسفار المحمولة على ظهره فما لم تجعله

كالخيط الممدود، ولم يُمزَج حتى يكون القياسُ قياسَ

أشياءَ يُبالغ في مِزاجها حتى تَتَحد وتخرُجَ عن أن تُعرَف

صُورةُ كلِّ واحد منها على الانفراد، بل تبطُل صُوَرها المفردةُ

التي كانت قبل المِزاج، وتحدُث صورةٌ خاصة غير اللواتي عهِدتَ،

وتحصُلُ مَذَاقَةٌ لو فرضتَ حصولها لك في تلك الأشياء من

غير امتزاج، فرضتَ ما لا يكون لم يتمَّ المقصود،

ولم تحصل النتيجة المطلوبةُ، وهي الذمُّ بالشقاء في

شيء يتعلق به غرضٌ جليلٌ وفائدةٌ شريفةٌ، مع حِرمان

ذلك الغرض وعدمِ الوصول إلى تلك الفائدة،

واستصحاب ما يتضمن المنافع العظيمة والنعم الخطيرة،

من غير أن يكون ذلك الاستصحاب سبباً إلى نَيْلِ شيء

من تلك المنافع والنِّعم، ومثال ما يجيء فيه التشبيه

معقوداً على أمرين إلا أنهما لا يتشابكان هذا التشابك قولُهم:

هو يَصْفُو ويكدر ويَمُرُّ ويحلُو ويشُجُّ وَيأْسُو، ويُسرِحُ ويُلجم،

لأنك وإن كنت أردت أن تجمع له الصِّفتين، فليست

إحداهما ممتزجة بالأخرى، لأنك لو قلت: هو يصفو،

ولم تتعرض لذكر الكدر أو قلت: يحلو، ولم يسبق ذكر يَمُرُّ،

وجدت المعنى في تشبيهك له بالماء في الصَّفاء وبالعسل

في الحلاوة بحاله وعلى حقيقته، وليس كذلك الأمر في

الآية لأنك لو قلت: كالحِمار يَحْمِل أسفاراً،

ولم تعتبر أن يكون جهل الحمار مقروناً بحمله،

وأن يكون متعدِّياً إلى ما تَعدَّى إليه الحمل، لم يتحصل

لك المغَزَى منه، وكذلك لو قلت: هُمْ كالحمار في أنه يجهل الأسفار،

ولم تشرط أن يكون حمله الأسفارَ مقروناً بجهله

لها لكان كذلك، وكذلك لو ذكرت الحمل والجهل مطلقين،

ولم تجعل لهما المفعول المخصوص الذي هو الأسفار،

فقلتَ: هو كالحمار في أنه يحمل ويجهل، وقعتَ من التشبيه

المقصود في الآية بأبعد البُعد، والنكتةُ أن التشبيه

بالحمل للأسفار، إنما كان بشَرْط أن يقترن به الجهل،

ولم يكن الوصف بالصَّفاء والتشبيه بالماء فيه بشرط

أن يقترن به الكدر، ولذلك لو قلتَ: يصفو ولا يكدر لم

تزد في صميم التشبيه وحقيقته شيئاً، وإنما استدمتَ

الصِّفة كقولك: يصفو أبداً وعلى كل حال.



فصل :

اعلم أن الشّبه إذا انتُزع من الوصف لم يَخْلُ من وجهين

أحدهما أن يكون لأمرٍ يرجع إلى نفسه والآخر أن يكون لأمر

لا يرجع إلى نفسه، فالأوّل ما مضى في نحو تشبيه الكلام

بالعسل في الحلاوة، وذلك أنّ وجه التشبيه هناك أنّ كل واحد

منهما يوجب في النفس لَذّة وحالة محمودةً، ويصادف منها قبولاً،

وهذا حُكْمٌ واجب للحلاوة من حيث هي حلاوة، أو للعسل من

حيث هو عسل، وأما الثاني وهو ما يُنتزع منه الشبه لأمرٍ

لا يرجع إلى نفسه، فمثاله أن يتعدَّى الفعل إلى شيء

مخصوص يكون له من أجله حُكمٌ خاصٌّ، نحوَ كونه واقعاً

في موقعه وعلى الصواب، أو واقعاً غير موقعه،

كقولهم هو كالقابض على الماء والراقم في الماء،

فالشبهُ ها هنا منتزع مِمّا بين القَبْض والماء،

وليس بمنزع من القبض نَفْسه، وذلك أن فائدة قبض اليد

على الشيء أن يحصل فيها، فإذا كان الشيء مما لا يتماسك،

ففعلك القبضَ في اليد لغوٌ وكذلك القصد في الرَّقْم أن يبقَى

أثرٌ في الشيء، وإذا فعلتَه فيما لا يقبله، كان فعلُك كلا فعلٍ

وكذلك قولهم: يضرب في حديد بارِدٍ و ينفخ في غَيْرِ فَحَمٍ،

وإذا ثبت هذا فكل شَبهِ كان هذا سبيلهُ، فإنك لا تجد بين المعنى

المذكور وبين المشَّبه إذا افردته، ملابسةً البتة،

ألاتراك تَضْرِب الرّقم في الماء والقَبْضَ عليه، لأمور

لا شبَهَ بينهما وبينها البتة، من حيث هُما رَقْمٌ وقبضٌ،

وإذا قد عرفتَ هذا فالحمل في الآٍية من هذا القبيل أيضاً،

لأنه تضمّن الشَّبه من اليهود، لا لأمرٍ يرجع إلى حقيقة الحمل،

بل لأمرين آخرين:
أحدُهما تعدّيه إلى الأسفار،

والآخر اقتران الجهل للأسفار به، وإذا كان الأمر كذلك،

كان قَطْعُك الحملَ عن هذين الأمرين في البُعد من الغرض،

كقَطْعكَ القَبْض والرَّقْم عن الماء، في استحالة أن يُعقَل

منها ما يُعقَل بعد تعدّيهما إلى الماء بوجه من الوجوه

فاعرفه. فإن قلت: ففي اليهود شبهٌ من الحمل،

من حيث هو حملٌ على حالٍ، وذلك أن الحافظ للشيءِ

بقلبه، يُشبه الحاملَ للشيءِ على ظهره،

وعلى ذلك يقال: حَمَلةُ الحديث، وحَمَلةُ العلم كما جاء في الأثر:

يحمِلُ هذا العلمَ من كُلّ خَلَفٍ عُدولُهُ، ورُبَّ حَامِل فقهِ

إلى مَن هو أفقه منه، فالجواب أن الأمر وإن كان كذلك،

فإنّ هذا الشبه لم يُقصَد ها هنا وإنما قُصد ما يوجبه تعدِّي

الحملِ إلى الأسفار، مع اقتران الجهل بها به،

وهو العناء بلا منفعة، يُبيِّن ذلك: أنك قد تقول للرجل

يحمل في كُمّه أبداً دفاتر علمٍ، وهو بليد لا يفهم، أو كسلان

لا يتعلم: إن كان يحمل كُتُب العلم فالحمار أيضاً قد يحمل،

تريد أن تُبطل دعواه أن له في حمله فائدة، وأن تسوَّيَ بينه

وبين الحمار في فقد الفائدة مما يحمل، فالحمل ها هنا نفسه

موجود في المشبَّه بالحمار، ثم التشبيه لا ينصرف إليه من

حيث هو حملٌ، وإنما ينصرف إلى ما ذكرت لك من

عدم الجدوى والفائدة، وإنما يُتَصوّر أن يكون الشَّبه

راجعاً إلى الحمل من حيث هو حمل، حيث يوصف الرجل

مثلاً بكثرة الحفظ للوظائف، أو جَهْد النفس في الأشغال المتراكمة،

وذلك خارجٌ عن الغرض مما نحن فيه، ومن هذا الباب قولهم:

أخذ القوسَ باريها، وذلك أن المعنى على وقوع الأخذِ في

موقعه ووجودهِ من أهله، فلستَ تُشبّهه من حيث الأخْذُ نفسُه

وجنسه، ولكن من حيث الحكمُ الحاصلُ له بوقوعه من باري

القوس على القوس، وكذلك قولهم: ما زال يَفْتِل منه في

الذِّرْوةِ والغارب الشبه مأخوذٌ ما بين الفتل وما تَعدَّى إليه

من الذِّروة والغارب، ولو أفردته لم تجد شبهاً بينه وبين

ما يُضرَب هذا الكلام مثلاً له، لأنه يُضرَب في الفِعْل أو

القول يُصرَف به الإنسان عن الامتناع إلى الإجابة،

وعن الإباء عليك مُرادك، إلى موافقتك والمصير إلى

ما تريد منه، وهذا لا يُوجَد في الفتل من حيث هو فتلٌ،

وإنما يوجد في الفتل إذا وقع في الشَّعر من ذروة البعير وغَاربه،

واعلم أن هذا الشبه حُكْمُهُ واحدٌ، سواءٌ أخذته ما بين

الفعل والمفعول الصريح، أو ما يجري مجرى المفعول،

فالمفعول كالقوس في قولك: أخذ القوسَ باريها،

وما يجري مجرى المفعول، الجارُّ مع المجرور، كقولك:

الرَّقم في الماء وهو كمن يخطّ في الماء، وكذلك الحال،

كقولهم: كالحادي وليسَ له بَعيرٌ، فقولك: وليس له بعير،

جملة من الحال، وقد احتاج الشبه إليها، لأنه مأخوذ ما

بين المعنى الذي هو الحدو، وبين هذه الحال، كما كان مأخوذاً بين الرقم والماء،

وما بين الفتل والذروة والغارب، وقد تجد بك حاجةً إلى مفعول

و إلى الجارّ مع المجرور كقولك:

وهل يُجمَع السيفَان في غِمد، وأنت كمن يجمع السيفين في غِمد،

ألا ترى أن الجمع فيه لا يُغني بتعدّيه إلى السيفين،

حتى يُشترط كونه جمعاً لهما في الغمد?

فمجموع ذلك كله يُحصِّل الغَرَضَ،

وهكذا نحو قول العامّة: هو كثير الجَوْر على إلْفه،

وقولهم: كَمُبْتَغِي الصَّيدَ في عِرِّيسةِ الأسد،

لأن الصيدَ مفعول و في عِرِّيسةِ جارٌّ مع المجرور،

فإذا ثبت هذا ظهر منهُ أنه لا بدَّ لك في هذا الضرب

من الشَّبَه من جملة صريحة أو حكم الجملة،

فالجملة الصريحة قولك: أخذَ القوسَ باريها وحكم

الجملة أن تقول: هذا منك كالرَّقم في الماء،

و كالقابض على الماء، فتأتي باسم الفاعل،

وذَاك أنّ المصدر واسمَ الفاعل ليسَا بجُملتين صريحاً

ولكن حكم الجملة قائم فيهما، وهو أنك أعملتهما عَمَل الفعل،

ألا ترى أنك عدَّيتهما على حسب ما تعدَّى الفعل?

وخصائص هذا النوع من التمثيل أكثر من أن تضبط،

وقد وقفتك على الطريقة، فهذا أحد الوجوه التي يكون

الشَّبه العقلي بها حاصلاً لك من جملة من الكلام،

وأظنّه من أقوى الأسباب والعِلَل فيه، وعلى الجملة،

فينبغي أن تعلم أن المثَل الحقيقي، والتشبيه الذي

هو الأوْلَى بأن يسمَّى تمثيلاً لبُعده عن التشبيه الظاهر الصريح،

ما تجدُه لا يحصل لك إلا من جملة من الكلام أو جملتين أو أكثر،

حتى إنّ التشبيه كلما كان أوغل في كونه عقليّاً محضاً،

كانت الحاجة إلى الجملة أكثر،

ألا ترَى إلى نحو قوله عزَّ وجلَّ:

"إنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بهِ نَبَاتُ الأرْضِ

مِمِّا يَأْكُلُ النَّاسُ والأنْعَامُ حَتَّى إذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ

وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنُّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أتَاهَا أمْرُنَا لَيْلاً أوْ نهَاراً فَجَعَلْنَاهَا

حَصِيداً كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْس" "يونس:42"،

كيف كثُرت الجُمل فيه?

حتى إنك تَرَى في هذه الآية عَشْرَ جمل إذا فُصِّلت،

وهي وإن كان قد دخل بعضُها في بَعْض حتى

كأنها جملةٌ واحدة، فإن ذلك لا يمنعُ من أن تكون

صُور الجمل معنا حاصلةً تشير إليها واحدةً واحدةً،

ثم إنّ الشَبَه مُنْتَزع من مجموعها، من غير أن يمكن

فَصْلُ بعضها عن بعض، وإفرادُ شطر من شطر،

حتى إنك لو حذفت منها جملةٌ واحدةٌ من أيّ موضع كان،

أخلَّ ذلك بالمغزى من التشبيه، ولا ينبغي أن تعدَّ الجُمل

في هذا النحو بعَدِّ التشبيهات التي يُضَمّ بعضها إلى بعض،

والأغْراض الكثيرة التي كل واحدٍ منها منفردٌ بنفسه،

بل بعدّ جُمَلٍ تُنسَق ثانيةٌ منها على أوَّلةٍ، وثالثةٌ على ثانية،

وهكذا، فإنّ ما كان من هذا الجنس لم تترتّب فيه الجمل

ترتيباً مخصوصاً حتى يجب أن تكون هذه سابقةً وتلك تالية

والثالثة بعدهما، ألا ترى أنك إذا قلت:

زيد كالأسد بأساً، والبحر جُوداً، والسيفِ مضاءً،

والبدرِ بَهَاءً، لم يجب عليك أن تحفظ في هذه التشبيهات

نِظاماً مخصوصاً? بل لو بدأتَ بالبدر وتشبيهه به في الحسن،

وأخّرتَ تشبيهه بالأسد في الشجاعة،

كان المعنى بحاله، وقولُهُ:

النَّشْرُ مِسْكٌ والوجوهُ دنـا ** نيرُ وأطْرَافُ الأكُفِّ عَنَمْ

إنما يجبُ حُفْظُ هذا الترتيب فيها لأجل الشِّعر،

فأمّا أن تكون هذه الجمل متداخلةً كتداخل الجمل في الآية،

وواجباً فيها أن يكون لها نَسقٌ مخصوص كالنسق

في الأشياء إذا رُتِّبت ترتيباً مخصوصاً كان لمجموعها

صُورةٌ خاصّةٌ مقرَّرة فلا. وقد يجيءُ الشيء من

هذا القَبِيل يُتوهَّم فيه أن إحدى الجملتين أو الجمل تنفرد

وتُستعمَل بنفسها تشبيهاً وتمثيلاً، ثم لا يكون كذلك

عند حُسن التأمل، مثال ذلك قوله:

كما أَبْرقَتْ قوماً عِطَاشَاً غمامةٌ ** فلما رَجَوها أقْشَعَتْ وتَجَلَّـتِ

هذا مَثَلٌ في أن يظهر للمضطرِّ إلى الشيء، الشديدِ الحاجةِ إليه،

أمارةُ وجوده، ثم يفوته ويبقى لذلك بحسرة وزيادة تَرَح،

وقد يمكن أن يقال: إن قولك: أبرقت قوماً عطاشاً غمامة،

تشبيهٌ مستقلٌّ بنفسه،

لا حاجة به إلى ما بعده من تمام البيت في إفادة

المقصود الذي هو ظهور أمرٍ مُطمع لمن هو شديد الحاجة،

إلاّ أنه وإن كان كذلك، فإن حقَّنا أن ننظر في مغزى

المتكلم في تشبيهه، ونحن نعلم أن المغزى أن يصلَ

ابتداءً مُطمعاً بانتهاءٍ مُؤْيس، وذلك يقتضي وُقوفَ الجملة

الأَوَّلة على ما بعدها من تمام البيت، ووِزانُ هذا أن الشرط

والجزاء جملتان، ولكنا نقول: إنّ حكمَهما حكمُ جملة واحدة،

من حيث دخل في الكلام معنًى يربط إحداهما بالأخرى،

حتى صارت الجملة لذلك بمنزلة الاسم المفردِ في امتناع

أن تحصل به الفائدة، فلو قلت: إن تأتني وسكتَّ،

لم تفدْ كما لا تفيد إذا قلت: زيد وسكتَّ، فلم تذكر اسماً

آخر ولا فعلاً، ولا كان منويّاً في النفس معلوماً من دليل الحال،

ثم إن الأمرَ، وإن كان كذلك، فقد يجوز أن تُخرج الكلام

عن الجزاء فتقول: تأتيني، فتعود الجملة على الإفادة،

لإغنائك لها عن أن ترتبط بأخرى، وإزالتك المعنى الذي

أوجب فَقْرَها إلى صاحبة لها، إلا أن الغرض الأوّل يبطُل

والمعنى يتبدَّل، فكذلك الاقتصار على الجملة التي هي:

أبرقت قوماً عطاشاً غمامةٌ، يخرج عن غَرَض الشاعر،

فإن قلتَ: فهذا يَلْزَمُك في قولك: هو يصفو ويكدر،

وذلك أن الاقتصار على أحد الأمرين يُبطل غرضَ القائل،

وقَصْدَهُ أن يصف الرجل بأنه يجمع الصفتين،

وأن الصفاء لا يدوم، فالجواب أن بين الموضعين فرقاً،

وإن كان يغمُضُ قليلاً، وهو أن الغرض في البيت

أن يُثبت ابتداءً مطمعاً مُؤْنِساً أدَّى إلى انتهاء مؤيسٍ مُوحش،

وكونُ الشيء ابتداءً لآخرَ هو له انتهاءٌ، معنًى زائد على

الجمع بين الأمرين، والوصفِ بأن كلَّ واحدٍ منها يوجد في المقصود،

وليس لك في قولك يصفو ويكدر، أكثرُ من الجمع بين الوصفين،

ونظيرُ هذا أن تقول هو كالصُّفو بعد الكدر، في حصول

معنًى يجِبُ معه رَبْطُ أحد الوصفين بالآخر في الذكر ويتعيَّن

به الغَرض، حتى لو قلت: يكدُر ثم يصفو، فجئت بثُمَّ التي

توجب الثاني مرتَّباً على الأوَّل، وأنّ أحدهما مبتدأ والآخر بعده،

صرتَ بالجملة إلى حد ما نحن عليه من الارتباط،

ووجوبِ أن يتعلَّق الحكم بمجموعهما، ويُوجَد الشَبه

إن شَبَّهتَ ما بينهما، على التشابك والتداخلُ، دون التباين والتزايُل،

ومن الواضح في كون الشَّبه معلَّقاً بمجموع الجملتين،

حتى لا يقع في الوَهْم تَمَيُّز إحداهما على الأخرى قولهُ:

بلغني أنك تُقدّم رِجلاً وتؤخّر أخرى،

فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمدْ على أيّهما شئت والسَّلام،

وذلك أن المقصود من هذا الكلام: التردُّدُ بين الأمرين،

وترجيحُ الرأي فيهما، ولا يُتصوّر التردُّد والترجيح في

الشىء الواحد، فلو جَهَدت وَهْمَك أن تتصور لقولك:

تقدّم رجلاً معنى وفائدةً ما لم تقل: وتؤخّر أخرى،

أو تَنْوِهِ في قلبك، كلَّفت نفسَك شطَطَاً،

وذكر أبو أحمد العسكري أن هذا النحوَ من الكلام يُسمّى:

المماثلة، وهذه التسمية تُوهم أنه شيءٌ غيرُ المراد بالمَثل

و التمثيل وليس الأمر كذلك، كيف وأنت تقول مَثَلُك مَثَلُ

مَن يقدم رجلاً ويؤخِّر أخرى? ووِزَانُ هذا أنك تقول زيدٌ الأسدُ،

فيكون تشبيهاً على الحقيقة وإن كنت لم تُصرّح بحرف التشبيه

ومثله أنك تقول أنت ترقم في الماء، وتضرب في حديد بارد،

وتنفخ في غير فَحَم، فلا تذكر ما يدلُّ صريحاً على أنك تشبّه،

ولكنك تعلم أن المعنى على قولك أنت كمن يرقم في الماء،

وكمن يَضْربُ في حديدٍ بارد، وكمن ينفخ في غير فَحَم،

وما أشبه ذلك مما تجيء فيه بمشَّبهٍ به ظاهرٍ تقع هذه

الأفعال في صلة اسمه أو صفته.

واعلم أن المَثَل قد يُضرَبُ بجُمَلٍ لا بدَّ فيها من أن يتقدّمها

مذكورٌ يكون مشبَّهاً به، ولا يمكن حذفُ المشبَّه به والاقتصار

على ذكر المشبَّه، ونقلُ الكلام إليه حتى كأنه صاحبُ الجملة،

إلا أنه مشبَّهٌ بمن صفته وحكمه مضمون تلك الجملة بيان

هذا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم:

النَّاسُ كإبلٍ مِئة لا تكادُ تجدُ فيها راحلةً، لا بدّ فيه من

المحافظة على ذكر المشبَّه به الذي هو الإبل، فلو قلت:

الناس لا تجد فيهم راحلة أو لا تجد في الناس راحلة،

كان ظاهرَ التعسُّف، وها هنا ما هو أشدُّ اقتضاءً للمحافظة

على ذكر ما تُعَلَّق الجملة به وتُسنَد إليه، وذلك مثلُ قوله عزّ وجلّ:

"إنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ" "يونس:42"،

لو أردت أن تحذف الماء الذي هو المشبَّه به،

وتنقل الكلام إلى المشبَّه الذي هو الحياة، أردتَ ما لا تحْصُل

منه على كلام يُعقَل، لأن الأفعال المذكورة المحدَّثَ بها عن الماء،

لا يصحّ إجراؤها على الحياة فاحفظ هذا الأصل فإنك تحتاج إليه،

وخصوصاً في الاستعارة، على ما يجيء القول فيه إن شاء اللّه تعالى،

والجملة إذا جاءت بعد المشبَّهِ به، لم تخلُ من ثلاثة أوجه

أحدها أن يكون المشبَّه به معبَّراً عنه بلفظ موصولٍ، وتكون

الجملة صِلة، كقولك أنت الذي من شأنه كَيْتَ وكيت، كقوله تعالى:

"مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَّمَا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ" "البقرة:71"،

والثاني أن يكون المشبَّه به نكرةً تقع الجملة صفةً له،

كقولنا أنت كرجل من أمره كذا وكذا، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:

"النَّاسُ كإبِلٍ مِئةٍ لا تجد فيها رَاحلة"،

وأشباه ذلك، والثالثُ أن تجيء مبتدأةً، وذلك إذا كان

المشبَّه به معرفةً، ولم يكن هناك الذي، كقوله تعالى:

"كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتَاً" "العنكبوت:14".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 7:35 pm

فصل في مواقع التمثيل وتأثيره



واعلم أنّ مما اتفق العقلاءُ عليه، أن التمثيل إذا جاءَ في أعقاب المعاني،

أو بَرَزَتْ هي باختصار في مَعرِضه، ونُقِلت عن صُوَرها

الأصلية إلى صورته، كساها أُبَّهةً، وكَسَبها مَنْقَبةً،

ورفع من أقدارها، وشَبَّ من نارها، وضاعف

قُواها في تحريك النُّفوس لها، ودعا القُلوب إليها،

واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابةً وكلَفاً،

وقَسَر الطِّباع على أن تُعطيها محبّة وشَغَفاً،

فإن كان مدحاً، كان أبْهَى وأفخم، وأنبلَ في النفوسَ وأعظم،

وأهزَّ للعِطْف، وأسْرع للإلف، وأجلب للفَرح، وأغلب

على المُمْتَدَح، وأوجب شفاعة للمادح، وأقضى

له بغُرِّ المواهب المنائح، وأسْيَر على الألسن وأذكرَ،

وأولى بأن تَعْلَقه القلوب وأجدر، وإن كان ذمّاً،

كان مسُّهُ أوجعَ، ومِيسَمُه ألذع، ووقعُه أشده،

وَحدُّه أحَدّ، وإن كان حِجاباً، كان بُرهانه أنور،

وسلطانه أقهر، وبَيَانه أبْهر، وإن كان افتخاراً،

كان شَأْوُه أمدّ، وشَرَفه أجَدّ، ولسانه أَلَدّ،

وإن كان اعتذاراً، كان إلى القَبُول أقرب، وللقلوب أخْلَب،

وللسَّخائم أسلّ، ولغَرْب الغَضَبْ أفلَّ،

وفي عُقَد العُقود أَنْفَث، وعلى حُسن الرجوع أَبْعث،

وإن كان وعظاً، كان أشْفَى للصدر، وأدعى إلى الفكر،

وأبلغ في التنبيه والزَّجر، وأجدر بأن يُجلِّيَ الغَيَاية،

ويُبصِّر الغاية، ويُبرئ العليل، ويَشْفِي الغليل،

وهكذا الحُكْم إذا استقريتَ فنُونَ القول وضروبَهُ،

وتتبّعت أبوابَهُ وشُعوبه، وإن أردت أن تعرف

ذلك وإن كان تِقِلّ الحاجة فيه إلى التعريف،

ويُستغنَى في الوقوف عليه عن التوقيف فانظر

إلى نحو قول البحتري:

دانِ على أيدي العُفاةِ وشَاسِـعٌ ** عن كل نِدٍّ في النَّدَى وَضَرِيبِ

كالبدرِ أفرط في العلوِّ وضَوْءُه ** لِلْعُصْبة السَّارينَ جِدُّ قَـريبِ


وفكِّر في حالك وحالِ المعنى معك،

وأنت في البيت الأول لم تَنْتَهِ إلى الثاني ولم تتدبّر نُصرته إيّاه،

وتمثيله له فيما يُملي على الإنسان عيناه،

ويؤَدِّي إليه ناظراه، ثم قِسْهُما على الحال وقد وقفتَ عليه،

وتأمّلتَ طَرَفَيْه، فإنك تعلم بُعْد ما بين حالتيك،

وشدَّة تَفَاوتهما في تمكُّن المعنى لديك، وتحبُّبِه إليك،

ونُبْلِه في نفسك، وتوفيرِه لأُنْسِك، وتحكُم لي بالصدق

فيما قلت، والحقِّ فيما ادَّعيتُ وكذلك فتعهَّدِ الفرقَ

بين أن تقول: فلان يكُدُّ نفسه في قراءَة الكتب

ولا يفهم منها شيئاً وتسكت، وبين أن تتلوا الآية،

وتُنشد نحو قول الشاعر:

زَوَامِلُ للأَشْعارِ لاَ عِلْمَ عندهُـمْ ** بِجَيِّدها إلاّ كَعِـلْـمِ الأَبَـاعِـرِ

لَعَمْرُك مَا يَدْرى البَعِيرُ إذا غَدَا ** بأَوْسَاقه أو راحَ مَا فِي الغَرائِر


والفصل بين أن تقول أرى قوماً لهم بَهاء ومنظر،

وليس هناك مَخْبَرٌ، بل في الأخلاق دِقّة،

وفي الكرم ضَعْفٌ وقلّة وتقطع الكلام،

وبين أن تُتبعه نحوَ قول الحكيم أما البيتُ فحسنٌ،

وأما السَّاكن فرديء، وقولَ ابن لَنكك:

في شجَر السَرْوِ منهمُ مَثَلٌ ** لَهُ رَواءٌ ومَا لَهُ ثَـمَـرُ

وقول ابن الرُّومي:

فغَدا كالخِلاف يُورِقُ للعَيـ ** ــن ويَأْبَى الإثمارَ كُلَّ الإباءِ

وقول الآخر:

فَإنْ طُرَّةٌ رَاقَتْكَ فانظُرْ فرُبَّمَـا ** أمَرَّ مَذاقُ العُودِ والعُودُ أَخْضَرُ


وانظر إلى المعنى في الحالة الثانية كيف يُورق شجَرهُ ويُثمر،

ويفترُّ ثغرُه ويبسِم، وكيف تَشْتار الأرْيَ من مذاقته،

كما ترى الحسن في شارته، وأنشِدْ قولَ ابن لنكك:

إذَا أخو الحُسْنِ أَضْحَى فِعْلُهُ سَمِجاً ** رأيتَ صُورتَهُ من أقبحِ الصُـوَر

وتبيَّن المعنى واعرف مقدراه، ثم أنشِد البيت بعده:

وهَبْكَ كالشَّمْسِ في حُسنِ ألم تَرَنَا ** نَفِرُّ منها إذا مَالَتْ إلى الضَّرَرِ

وانظر كيف يزيد شرفه عندك، وهكذا فتأمّل بيت أبي تمام:

وإذا أراد اللّهُ نَشْرَ فَضِـيلةٍ ** طُوِيَتْ أتاحَ لها لِسانَ حَسُودِ


مقطوعاً عن البيت الذي يليه، والتَّمثيل الذي يؤدّيه،

واستقص في تعرُّف قيمته، على وضوح معناه

وحُسن بِزّته، ثم أتبِعه إياه:

لَوْلاَ اشتِعَالُ النَّارِ فيمـا جـاورَتْ ** مَا كان يُعرَف طِيبُ عَرْفِ العُودِ

وانظر هل نَشَر المعنى تمام حُلّته، وأظهر المكنون

من حُسنه، وزِينته، وعَطَّرك بعَرْف عوده، وأراك

النضرة في عوده، وطلع عليك من طلع سُعوده،

واستكمل فَضْلَه في النفس ونُبْلَه، واستحقّ التقديم كُلّه،

إلا بالبيت الأخير، وما فيه من التمثيل والتصوير،

وكذلك فرَق في بيت المتنبي:

ومَنْ يكُ ذا فمٍ مُرٍّ مريضٍ ** يَجِدْ مُرّاً به الماءَ الزُّلالاَ

لو كان سلك بالمعنى الظاهر من العبارة كقولك:

إن الجاهل الفاسد الطبع يتصوّر المعنى بغير صورته،

ويُخيَّل إليه في الصواب أنه خطأ، هل كنت تجد هذه الرَوعة،

وهل كان يبلغ من وَقْم الجاهل ووَقْذه، وقمعه ورَدْعه

والتهجين له والكشف عن نَقْصه،

ما بَلغ التمثيلُ في البيت، وينتهي إلى حيث انتهى،

وإن أردت اعتبارَ ذلك في الفنّ الذي هو أكرم وأشرف،

فقابلْ بين أن تقول: إن الذي يعظ ولا يَتَّعظ يُضِرُّ بنفسه

من حيث ينفع غيره، وتقتصرَ عليه وبَين أن تذكر

المَثَل فيه على ما جاء في الخبر من

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"مَثَلُ الّذي يعلِّم الخيرَ ولا يَعْمَلُ به،

مثلُ السِّراج الذي يضيء للناس ويُحرق نفسه"،

ويروي: مَثَلُ الفتيلة تُضيء للناس وتُحرق نفسها.


وكذا فوازنْ بين قولك للرجلِ تعِظُه إنك لا تُجْزَى

السيئة حسنةً، فلا تَغُرَّ نفسك وتُمسِك،

وبين أن تقول في أثره إنكَ لا تجني من الشَّوك العِنَب،

وإنما تحصُدُ ما تزرع، وأشباه ذلك.


وكذا بين أن تقول لا تُكلِّمِ الجاهل بما لا يعرفه ونحوه،

وبين أن تقول لا تنثُر الدُّرَّ قُدَّام الخنازير

أو لا تجعلِ الدُّرَّ في أفواه الكلاب، وتُنشد نحو قول

الشافعي رحمه اللّه أأنثُر دُرّاً بين سَارِحَة الغَنَمْ"

وكذا بين أن تقول: الدنيا لا تدوم ولا تبقى،

وبين أن تقول: هي ظلٌّ زائل، وعارِيَّةٌ تُستردُّ،

ووديعة تُسترجَع، وتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَنَ في الدنيا ضيفٌ وما في يديه عاريَّة،

والضيفُ مرتحِلٌ، والعاريَّة مُؤَدّاة"،

وتُنشد قولَ لبيد:

ومَا المَال والأهْلُونَ إلاّ وَدِيعةٌ ** وَلاَ بُدَّ يوماً أن تُرَدَّ الـوَدَائعُ

وقول الآخر:

إنَّما نِعمةُ قـومٍ مُـتْـعةٌ ** وحَياةُ المَرءِ ثَوبٌ مُسْتَعار


فهذه جملة من القول تُخبر عن صِيَغ التمثيل

وتُخبر عن حال المعنى معه، فأما القولُ في

العِلّة والسبب، لِمَ كان للتمثيل هذا التأثير؛

وبيانِ جهته ومأتاه، وما الذي أوجبه واقتضاه،

فغيرها، وإذا بحثنا عن ذلك، وجدنا له أسباباً وعِلَلاً،

كلٌّ منها يقتضي أن يَفخُمَ المعنى بالتمثيل،

وينبُلَ ويَشرُفَ ويكمل، فأَوَّلُ ذلك وأظهره،

أنّ أُنْس النفوس موقوفٌ على أن تُخرجها

من خفيٍّ إلى جليٍّ، وتأتيها بصريح بعد مكنىٍّ،

وأن تردَّها في الشيء تُعلِّمها إياه إلى شيء

آخر هي بشأنه أعلم، وثقتُها به في المعرفة

أحكم نحو أن تنقُلها عن العقل إلى الإحساس

وعما يُعلَم بالفكر إلى ما يُعلم بالاضطرار والطبع،

لأن العلم المستفادَ من طرق الحواسِّ

أو المركوز فيها من جهة الطبع وعلى حدِّ الضرورة،

يفضلُ المستفاد من جهة النَّظر والفكر في

القوة والاستحكام، وبلوغ الثقة فيه غاية التمام،

كما قالوا: ليس الخَبرُ كالمُعاينة، ولا الظنُّ كاليقين،

فلهذا يحصل بها العِلم هذا الأُنْسُ أعني الأُنس

من جهة الاستحكام والقوة، وضربٌ آخر من الأُنس،

وهو ما يوجبه تقدُّمُ الإلْف، كما قيل:

مَا الحُبُّ إلاّ للحبيب الأوَّلِ


ومعلومٌ أن العلم الأوّل أتى النفسَ أوّلاً

من طريق الحواسّ والطباع، ثم من جهة

النظر والرَّويَّة، فهو إذَنْ أمسُّ بها رَحِماً،

وأقوى لديها ذِمَماً، وأقدم لها صُحْبة،

وآكدُ عندها حُرمة وإذْ نقلتَها في الشيء بمَثَله

عن المُدرَك بالعقل المحض وبالفكرة في القلب،

إلى ما يُدرَك بالحواسّ أو يُعلَم بالطَّبع، وعلى حدّ

الضرورة، فأنت إذن مع الشاعر وغير الشاعر

إذا وقع المعنى في نفسك غيرَ ممثَّلٍ ثم مَثَّلَه كمن

يُخبر عن شيء من وراء حجاب، ثم يكشف عنه

الحجاب ويقول: ها هو ذا، فأبصِر تجده على ما

وصفتُ. فإن قلت إن الأُنْس بالمشاهدة بعد الصفة

والخبر، إنما يكون لزَوال الرَّيْب والشكّ في الأكثر،

أفتقول إن التمثيل إنما أُنِسَ به،

لأنه يصحّح المعنى المذكور والصفة السابقة،

ويُثبت أن كونَها جائزٌ ووجودَها صحيحٌ غيرُ مستحيل،

حتى لا يكون تمثيلٌ إلا كذلك، فالجواب إن

المعاني التي يجيء التمثيل في عَقِبها على ضربين

غريب بديع يمكن أن يخالَف فيه، ويُدَّعَى امتناعُه

واستحالُة وجوده، وذلك نحو قوله:

فإن تَفُقِ الأنَامَ وأنت منـهـم ** فَإنَّ المِسكَ بعضُ دَمِ الغَزَالِ


وذلك أنه أراد أنه فاق الأنام وفاتهم إلى حدٍّ بَطَل

معه أن يكون بينه وبينهم مشابهةٌ ومقاربةٌ،

بل صار كأنه أصلٌ بنفسه وجنسٌ برأسه،

وهذا أمرٌ غريب، وهو أن يتناهى بعض أجزاء

الجنس في الفضائل الخاصّة به إلى أن يصير

كأنه ليس من ذلك الجنس، وبالمدَّعِي له حاجة

إلى أن يصحّح دعواه في جواز وجوده على

الجملة إلى أن يجيء إلى وجوده في الممدوح،

فإذا قال: فإن المسك بعض دم الغزال،

فقد احتجّ لدعواه، وأبان أن لما ادّعاه أصلاً في الوجود،

وبرّأ نفسه من ضَعَة الكذب، وباعَدها من سَفَه

المُقدِم على غير بصيرة، والمتوسِّع في الدعوى

من غير بيّنة، وذلك أن المسك قد خرج عن

صفة الدم وحقيقته، حتى لايُعَدُّ في جنسه،

إذ لا يوجد في الدم شيء من أوصافه الشريفة

الخاصة بوجه من الوجوه، لا ما قلّ ولا ما كثُر،

ولا في المسك شيء من الأوصاف التي كان

لها الدم دماً البتة. والضرب الثاني أن لا يكون

المعنى الممثَّل غريباً نادراً يُحتاج في دعوى كونه

على الجملة إلى بيّنة وحُجّة وإثبات، نظير ذلك

أن تنفيَ عن فعل من الأفعال التي يفعلها الإنسان

الفائدة، وتدَّعِيَ أنه لا يحصل منه على طائل،

ثم تمثّله في ذلك بالقابض على الماء والرَّاقم فيه،

فالذي مثّلتَ ليس بمنكرٍ مستبعَدٍ،

إذ لا يُنكَر خطأ الإنسان في فعله أو ظنّه وأمله وطَلَبه،

ألا ترى أن المَغْزَى من قوله:

فأصبحتُ من لَيْلَى الغداةَ كقابضٍ ** على الماءِ خَانَتْهُ فُروجُ الأصابِعِ


أنَّه قد خاب في ظنّه أن يتمتّع بها ويَسْعَد بوصلها،

وليس بمنكر ولا عجيب ولا ممتنع في الوجود،

خارج من المعروف المعهود،

أن يخيب ظنُّ الإنسان في أشباه هذا من الأمور،

حتى يُستشهَدَ على إمكانه، وتُقام البيّنة على

صدق المدَّعِي لوِجْدَانه، وإذا ثبت أن المعاني

الممثَّلة تكون على هذين الضربين،

فإن فائدة التمثيل وسببَ الأُنس في الضرب

الأول بَيّنٌ لائح، لأنه يُفيد فيه الصِّحة وينفي الرَّيْب والشكَّ،

ويُؤْمِن صاحبه من تكذيب المخالِف، وتهجُّم المنكرِ،

وتَهَكُّم المعترض، وموازنتُه بحالة كَشْفِ الحجاب

عن الموصوف المُخبَرِ عنه حتى يُرَى ويُبصرَ،

ويُعلَم كونهُ على ما أثبتته الصِّفة عليه موازنةٌ

ظاهرة صحيحة، وأمّا الضرب الثاني فإن التمثيل

وإن كان لا يفيد فيه هذا الضرب من الفائدة،

فهو يفيد أمراً آخَرَ يجري مجراه، وذلك أن الوصفَ

كما يحتاج إلى إقامة الحجة على

صحة وجوده في نفسه، وزيادةِ التثبيتِ والتقرير

في ذاته وأصله، فقد يحتاج إلى بيانِ المقدار فيه،

ووضعِ قياس من غيره يكشِف عن حَدّه ومبلغِه

في القوة والضعفِ والزيادةِ والنقصانِ،

وإذا أردت أن تعرفَ ذلك، فانظر أوّلاً إلى التشبيه

الصريح الذي ليس بتمثيل، كقياس الشيء

على الشيء في اللون مثلاً: كحنَك الغراب،

تريد أن تُعرِّف مقدار الشدة،

لا أن تُعرِّف نفس السواد على الإطلاق،

وإذا تقرر هذا الأصل، فإن الأوصاف التي يُرَدُّ

السامع فيها بالتمثيل من العقل إلى العيان والحسّ،

وهي في أنفسها معروفةٌ مشهورة صحيحة

لا تحتاج إلى الدلالة على أنها هل هي ممكنة

موجودةٌ أم لا فإنّها وإن غَنِيَتْ من هذه الجهة

عن التمثيل بالمشاهدات والمحسوسات،

فإنها تفتقر إليه من جهة المقدارِ، لأن مقاديرَها

في العقل تختلف وتتفاوت، فقد يقال في الفعل:

إنه من حال الفائدة عل حدودٍ مختلفة في المبالغة

والتوسط، فإذا رجعتَ إلى ما تُبصِرُ وتُحسّ

عرفتَ ذلك بحقيقته، وكما يوزن بالقسطاس،

فالشاعر لمّا قال: "كقابض على الماء خانته فروج الأصابع"؛

أراك رؤيةً لا تشكُّ معها ولا ترتاب أنه بلغ

في خَيبة ظنّه وَبَوار سَعْيه إلى أقصى المبالغ،

وانتهى فيه إلى أبعد الغايات، حتى لم يَحْظَ

لا بما قلَّ ولا ما كثر، فهذا هو الجواب،

ونحن بنوع من التسهُّل والتسامح،

نقع على أن الأُنس الحاصل بانتقالك في الشىء

عن الصفة والخبر إلى العيان ورؤية البصر،

ليس له سببٌ سوى زَوَال الشكّ والرَّيْب،

فأما إذا رجعنا إلى التحقيق فإنَّا نعلم أن

المشاهدة تُؤثِّر في النفوس مع العلم بصدق الخبر،

كما أخبر اللّه تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام في قوله:

"قَالَ بَلَى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" "سورة البقرة: 62"،

والشواهد في ذلك كثيرة، والأمر فيه ظاهرٌ،

ولولا أن الأمر كذلك، لما كان لنحو قول أبي تمام:

وطُولُ مُقَامِ الَمَرْءِ في الحيِّ مُخْلِقٌ ** لِدِيبَاجتَيْهِ فاغْـتَـرِبْ تـتـجـدَّدِ

فإنِّي رَأَيتُ الشَّمْسَ زِيدَتْ محـبّةً ** إلى النّاس أنْ لَيْسَتْ عليهم بسَرْمَدِ


معنى، وذلك أنَّ هذا التجدُّد لا معنى له،

إذا كانت الرؤية لا تفيد أُنْساً من حيث هي رؤية،

وكان الأنس لنَفْيها الشَّكَّ والرَّيب، أو لوقوع

العلم بأمر زائدٍ لم يُعْلَمْ من قبل، وإذا كان الأمر كذلك،

فأنت إذا قلت للرجل أنت مُضيعٌ للحَزْم في سعيك،

ومخطئٌ وجهَ الرشاد، وطالبٌ لما لا تناله،

إذا كان الطَّلب على هذه الصفة ومن هذه الجهة،

ثم عقّبْتَهُ بقولك وهل يحصل في كفِّ القابض

على الماء شيء مما يقبض عليه?،

فلو تركنا حديث تعريف المقدارِ في الشدة

والمبالغة ونَفْي الفائدة من أصلها جانباً بقي لنا

ما تَقْتَضيه الرُّؤية للموصوف على ما وُصف

عليه من الحالة المتجدِّدة، مع العلم بصدق

الصفة يُبيّن ذلك، أنه لو كان الرجل مثلاً على

طرفِ نَهَرٍ في وقتِ مخاطبةِ صاحبهِ وإخباره له

بأنه لا يحصل من سعيه على شيء،

فأدْخل يده في الماء وقال: انظر هل حَصَل في كفيّ

من الماء شيء? فكذلك أنت في أمرك،

كان لذلك ضرب من التأثير زائد على القول

والنطق بذلك دون الفعل، ولو أن رجلاً أراد أن

يضرب لك مثلاً في تنافي الشيئين فقال:

هذا وذاك هَلْ يجتمعان?،

وأشار إلى ماء ونارٍ حاضرَين،

وجدتَ لتمثيله من التأثير ما لا تجده إذا أخبرك

بالقول فقال: هل يجتمع الماءُ والنار?،

وذلك الذي تفعل المشاهدةُ من التحريك للنفس،

والذي يجب بها من تمكُّن المعنى في القلب

إذا كان مستفادهُ من العيان، ومتصرَّفهُ

حيث تتصرَّف العينان وإلاّ فلا حاجة بنا في معرفة

أن الماء والنار لا يجتمعان إلى ما يؤكده من رجوع

إلى مشاهدة واستيثاق تَجْربة،

وممّا يدلُّك على أن التمثيل بالمشاهدة يزيدك أُنْساً،

وإن لم يكن بك حاجةٌ إلى تصحيح المعنى،

أو بيان لمقدار المبالغة فيه، أنك قد تعبّر عن

المعنى بالعبارة التي تؤدِّيه، وتبالغ وتجتهد حتى

لا تدع في النفوس مَنْزَعاً،

نحو أن تقولَ وأنت تصفُ اليوم بالطول:

يومٌ كأطْول ما يُتوهَّم و كأنّه لا آخرَ له،

وما شاكل ذلك من نحو قوله:

في لَيْلِ صُولٍ تَنَاهَى العَرْضُ والطُّولُ ** كأنَّمَا ليلُـهُ بـالـلَّـيْل مَـوْصُـولُ


فلا تجد له من الأُنس ما تجده لقوله:

ويَومٍ كَظِلِّ الرُّمْح قَصَّر طُولَهُ


على أن عبارتك الأولى أشدُّ وأقوى في المبالغة

من هذا فظِلّ الرُّمح على كل حال متناهٍ تُدرك العينُ نهايته،

وأنت قد أخبرت عن اليوم بأنه كأنه لا آخرَ له،

وكذلك تقول: يومٌ كأقصر ما يُتصوّر وكأنَّه ساعةٌ

وكَلَمْحِ البَصَرِ وكلا ولاَ، فتجد هذا مع كونه تمثيلاً،

لا يُؤْنسك إيناسَ قولهم: أيامٌ كأباهيم القَطَا،

وقول ابن المعتزّ:

بُدِّلتُ من ليلٍ كظِلِّ حصـاةِ ** لَيْلاً كَظلِّ الرُمح غيرَ مُوَاتِ

وقول آخر:

ظَلِلْنَا عند بابِ أبي نُعَيْمِ ** بيومٍ مِثْلِ سَالِفةِ الذُّبابِ

وكذا تقول: فلانٌ إذا همَّ بالشيء لم يُزل ذاك

عن ذكره وقلبه، وقَصَرَ خواطره على إمضاء عزمه،

ولم يشغَله شيء عنه، فتحتاط للمعنى بأبلغ ما يمكن،

ثم لا ترى في نفسك له هِزَّة،

ولا تُصادف لما تسمع أرْيحيّةً،

وإنما تسمَعُ حديثاً سَاذجاً وخبراً غُفْلاً، حتى إذا قلت:

إذا هَمَّ أَلْقَى بَيْنَ عَيْنيه عَزْمَهُ

امتلأت نفسك سروراً وأدركتك طرْبَة كما يقول

القاضي أبو الحسن لا تملك دفعها عنك،

ولا تَقُلْ إن ذلك لمكان الإيجاز، فإنه وإن كان يوجب

شيئاً منه، فليس الأصْلَ له،

بل لأنْ أراك العزمَ واقعا ًبين العينين،

وفَتَحَ إلى مكان المعقول من قلبك باباً من العين،

وها هنا إذا تأمّلنا مذهبٌ آخر في بيان السبَب

المُوجِب لذلك، هو ألطفُ مأخذاً، وأمكنُ في التحقيق

وأولى بأن يُحيط بأطراف الباب، وهو أنَّ لتصوير

الشبه من الشيء في غير جنسه وشكله،

والتقاط ذلك له من غير مَحِلّته، واجتلابه إليه

من الشِّقِّ البعيد، باباً آخر من الظَّرف واللُّطف،

ومذهباً من مذاهب الإحسان لا يخفى موضعه

من العقل، وأُحْضِرُ شاهداً لك على هذا:

أن تنظر إلى تشبيه المشاهدات بعضها ببعض،

فإن التشبيهات سواءٌ كانت عامّية مشتركَة،

أم خاصّية مقصورةً على قائلٍ دون قائِل تراها

لا يقع بها اعتدادٌ، ولا يكون لها موقع من السامعين،

ولا تهُزُّ ولا تُحرِّك حتى يكون الشبه مُقَرَّراً

بين شيئين مختلفين في الجنس، فتشبيه العين

بالنَّرجِس، عامّيٌّ مشترَكٌ معروف في أجيال الناس،

جارٍ في جميع العادات، وأنت ترى بُعدَ ما بين

العينين وبينه من حيث الجنس وتشبيهُ الثريّا

بما شُبّهَت به من عُنقود الكرم المنوِّر،

واللجام المفضَّض، والوِشاح المفصَّل،

وأشباه ذلك، خاصّيٌّ، والتبايُن بين المشبَّه والمشبَّه

به في الجنس على ما لا يَخْفَى،

وهكذا إذا استقريت التشبيهات، وجدتَ التباعدُ

بين الشيئين كلما كان أشدَّ، كانت إلى النفوس أعجب،

وكانت النفوسُ لها أطرب، وكان مكانُها إلى

أن تُحِدث الأريحيّة أقرب، وذلك أن موضعَ

الاستحسان، ومكانَ الاستظراف،

والمُثيرَ للدفين من الارتياح، والمتألِّفَ للنافر

من المَسرة، والمؤلِّفَ لأطراف البَهْجة أنك ترى

بها الشيئين مِثْلَيْن متباينين، ومؤتلفين مختلفين،

وترى الصورة الواحدة في السماء والأرض،

وفي خِلقة الإنسان وخِلال الروض، وهكذا،

طرائفَ تنثالُ عليك إذا فصّلتَ هذه الجملة،

وتتبّعت هذه اللَّحمة، ولذلك تجد تشبيهَ البَنَفْسَج

في قوله:

ولازَوَرْدِيّةٌ تزهُو بزُرقـتـهـا ** بين الرّياض على حُمْرِ اليواقيت

كأنّها فوق قاماتٍ ضَعُفنَ بـهـا ** أوائلُ النار في أطراف كبريت


أغربَ وأعجبَ وأحقَّ بالوَلُوع وأجدرَ من تشبيه النرجس:

بمداهن دُرّ حشوهن عقيق، لأنه أراك شبهاً لنباتِ

غَضٍّ يَرِفُّ، وأوراقٍ رطبةٍ ترى الماءَ منها يشِفُّ،

بلهَب نارٍ في جسمٍ مُسْتَوْلٍ عليه اليبسُ، وبَادٍ فيه الكَلَف.


ومَبْنَى الطباع وموضوعُ الجِبِلَّة، على أن الشيء

إذا ظهر من مكان لم يُعْهَد ظهوره منه،

وخرج من موضعٍ ليس بمعدِنٍ له، كانت صَبَابةُ النفوسِ

به أكثر، وكان بالشَّغَف منها أجدر،

فسواءٌ في إثارة التعجُّب، وإخراجك إلى روعة المستغربِ،

وُجودُك الشيءَ من مكان ليس من أمكنته،

ووجودُ شيءٍ لم يُوجَد ولم يُعرَف من أصله في ذاته وصفته،

ولو أنه شَبَّه البنفسج ببعض النبات،

أو صادف له شبهاً في شيء من المتلوّنات،

لم تجد له هذه الغرابة، ولم ينل من الحسن

هذا الحظ، وإذا ثبت هذا الأصل، وهو أنَّ تصويرَ

الشَّبه بين المختلفين في الجنس،

مما يحرِّك قُوَى الاستحسان، ويُثير الكامن

من الاستظراف، فإن التمثيل أخَصُّ شيء بهذا الشأن،

وأسبقُ جارٍ في هذا الرهان،

وهذا الصَّنيع صناعته التي هو الإمام فيها،

والبادئ لها والهادي إلى كيفيتها، وأمرُه في

ذلك أنك إذا قصدت ذكر ظرائفه، وعَدَّ محاسِنه

في هذا المعنى، والبِدَعِ التي يخترعها بحِذْقِه،

والتأليفاتِ التي يصل إليها برفقِه، ازدحمتْ عليك،

وغمرتْ جانبيك، فلم تدرِ أيَّها تذكر، ولا عن أيِّها تعبِّر، كما قال:

إذا أتاها طالبٌ يَسْتَامُهـا ** تَكاثرتْ في عينه كِرَامُها


وهل تشكُّ في أنه يعمل عمل السحر في

تأليف المتباينين حتى يختصر لك بُعْدَ ما بين

المشرق والمغرب، ويجمع ما بين المُشئِمِ والمُعْرِق،

وهو يُرِيكَ للمعاني الممثَّلة بالأوهام شَبَهاً في

الأشخاص الماثلة، والأشباح القائمة، ويُنطق لك الأخرس،

ويُعطيك البيان من الأعجم، ويُريك الحياةَ في الجماد،

ويريك التئامَ عين الأضداد، فيأتيك بالحياة والموت

مجموعين، والماءِ والنارِ مجتمعين، كما يقال

في الممدوحِ هو حياة لأوليائه، موت لأعدائه،

ويجعل الشيء من جهةٍ ماءً، ومن أخرى ناراً، كما يقال:


أنا نارٌ في مُرْتَقَى نَظَرِ الحا ** سِدِ، ماءٌ جارٍ مع الإخوان

وكما يجعل الشيء حُلواً مُرّاً، وصاباً عسلاً وقبيحاً حسَنَاً، كما قال:

حَسَنٌ في وجوه أعدائه أَقْــ ** ــبحُ من ضَيْفه رأتْه السوامُ

ويجعل الشيء أسود أبيضَ في حال، كنحو قوله:

له منظَرٌ في العين أبيضُ ناصعٌ ** ولكنّه في القلب أسودُ أسفـعُ

ويجعل الشيء كالمقلوب إلى حقيقة ضدّه، كما قال:

غُرَّةٌ بُهْمَةٌ ألا إنما كُنْــ ** ــتُ أغَرَّ أيَّام كنتُ بَهِيمَا


ويجعل الشيء قريباً بعيداً معاً، كقوله:

"دانٍ على أيدي العُفاةِ وشَاسِعٌ"

وحاضراً وغائباً، كما قال:

أيا غائباً حاضراً في الفؤادِ ** سَلامٌ على الحَاضرِ الغائبِ

ومشرّقاً مغرّباً، كقوله:

لَهُ إليكم نفسٌ مُـشـرِّقةٌ ** أن غابَ عنكم مُغَرِّباً بَدَنُهْ

وسائراً مقيماً، كما يجيء في وصف الشعر الحسن

الذي يتداوله الرواة وتتهاداه الألسن، كما قال القاضي

أبو الحسن:

وجوّابةِ الأُفْقِ موقـوفةٍ ** تسيرُ ولَمْ تَبرحِ الحَضْرَةْ


وهل يخفى تقريبه المتباعدين، وتوقيفه بين المختلفين،

وأنت تجد إصابة الرجل في الحجّة، وحُسن تخليصه للكلام،

وقد مُثِّلت تارةً بالهناء ومعالجة الإبل الجَرْبَى به،

وأُخرَى بحزِّ القصّاب اللحم وإعماله السكّين في

تقطيعه وتفريقه في قولهم "يَضَع الهِنَاء مَوَاضِع

النُقْبِ ويصيب الحزَّ وويطبِّق المَفْصِل"،

فانظر هل ترى مزيداً في التناكر والتنافر على

ما بين طِلاَء القطران، وجنس القول والبيان ثم

كرِّرِ النظر وتأمَّلْ كيف حصل الائتلاف، وكيف جاء

من جمع أحدهما إلى الآخر، ما يأْنَس إليه العقل ويحمَده الطبع?

حتى إنّك لربما وجدتَ لهذا المَثَل إذا وردَ عليك

في أثناء الفصول، وحين تبيّن الفاضل في البيان

من المفضول قبولاً، ولا ما تجدُ عند فَوْحِ المسك

ونشْرِ الغَالية، وقد وقع ذكرُ الحزّ والتطبيق منك

موقعَ ما ينفى الحزازات عن القلب، ويُزيل أطباقَ

الوحشة عن النفس، وتكلُّفُ القول في أن للتمثيل في

هذا المعنى الذي لا يُجارَى إليه، والباعَ الذي لا يُطاوَل فيه،

كالاحتجاج للضَّرورات، وكفى دليلاً على تصرُفه

فيه باليد الصَّنَاع، وإيفائه على غايات الابتداع،

أنه يُريك العدمَ وجوداً والوجودَ عدماً،

والميّت حيّاً والحيَّ ميّتاً أعني جَعْلَهم الرجلَ إذا

بقي له ذكر جميلٌ وثناءٌ حَسَنٌ بعد موته، كأنه لم يمت،

وجَعَلَ الذكرِ حياةٌ له، كما قال: "ذِكْرُ الفتَى عُمْرُه الثَّانِي"؛

وحُكْمَهُمْ على الخامِل الساقطِ القدرِ

الجاهل الدنيء بالموتِ، وتصييرَهُمْ إياه حين

لم يكن ما يؤثَر عنه ويُعْرَف به، كأنه خارجٌ

عن الوجود إلى العدم، أو كأنه لم يدخل في الوجود،

ولطيفةٌ أخرى له في هذا المعنى، هي، إذا نظرتَ،

أعجبُ، والتعجُّب بها أحقُّ ومنها أوجب،

وذلك جعلُ الموت نفسِه حياةً مستأنفة حتى يقال:

إنه بالموت استكمل الحياة في قولهم فلان

عاش حين مات، يُراد الرجل تحمله الأبيّةُ وكرم

النفس والأنَفَة من العار، على أن يسخو بنفسه

في الجود والبأس، فيفعل ما فعل كعب بن مامة

في الإيثار على نفسه، أو ما يفعله الشجاع المذكور

من القتال دون حَرِيمه، والصبر في مواطن الإباء،

والتصميم في قتال الأعداء، حتى يكون له يومٌ لا يزال يُذكَر،

وحديثٌ يعاد على مَرِّ الدهور ويُشْهَر، كما قال ابن نباتة:

بأَبِي وأمّـي كُـلُّ ذِي ** نَفْسٍ تَعافُ الضَّيْمَ مُرَّةْ

تَرْضَى بأن تَرِد الرَّدَى ** فَيُمِيتها ويُعيش ذِكْـرَهْ


وإنه لَيأتيك من الشيء الواحد بأشباهِ عِدة،

ويشتقّ من الأصل الواحد أغصاناً في كل غصن

ثَمَرٌ على حِدَة، نحو أن الزَّند بإيرائه يُعطيك شَبَه

الجواد، والذكيِّ الفَطِنِ، وشَبَه النُجح في الأمور

والظفر بالمراد وبإصلادِه شَبَه البخيل لا يعطيك شيئاً،

والبليد الذي لا يكون له خاطر يُنتج فائدةً ويُخرج

معنًى وشَبَه من يخيب سَعْيُه، ونحو ذلك ويعطيك

من القمر الشهرة في الرجل والنباهة والعِزَّ والرفعة،

ويعطيك الكمال عن النقصان، والنقصان بعد الكمال،

كقولهم هلا نَمَا فعاد بدراً، يراد بلوغ النَجْل الكريم

المبلغَ الذي يُشبِه أصلَه من الفضل والعقل وسائر

معاني الشرفِ، كما قال أبو تمام:

لَهَفِي على تلك الشواهد مِنْهُما ** لو أُمْهلَتْ حتى تَصِيرَ شمائلاَ

لَغدا سكونهما حجًى وصِباهما ** كَرَماً وتلك الأريحيّة نـائلاَ

إنّ الهلالَ إذا رأيتَ نُـمُـوَّهُ ** أَيقنتَ أن سيصيرُ بدراً كاملاَ


وعلى هذا المثل بعينه، يُضرَب مثلاً في ارتفاع

الرجل في الشرف والعزّ من طبقة إلى أعلى منها،

كما قال البحتري:

شَرَفٌ تزيَّدَ بالعراق إلى الذي ** عهِدُوه بالبَيْضاء أو بِبَلَنْجَـرَا

مِثْلَ الهلال بدَا فلم يَبْرَحْ بـه ** صَوْغُ اللَّيالي فيه حتى أقمَرا


ويعطيك شَبَه الإنسان في نَشْئِه ونَمائه إلى أن يبلغ حدَّ التمام،

ثم تراجُعِه إذا انقضت مُدَّة الشباب، كما قال:

المرءُ مِثْلُ هلالٍ حين تُبصرهُ ** يبدو ضئيلاً ضعيفاً ثم يَتَّسِقُ

يَزدادُ حتّى إذا ما تَمَّ أعْقَبـه ** كَرُّ الجديدين نقصاً ثم يَنْمَحِقُ


وكذلك يتفرَّع من حالتي تمامه ونُقصانه فروعٌ لطيفة،

فمن غريب ذلك قولُ ابن بابك:

وأعَرْتَ شَطْرَ المُلك ثَوْبَ كماله ** والبدرُ في شَطْر المَسافَةِ يكمُلُ


قاله في الأستاذ أبي علي، وقد استوزره فخرُ الدولة

بعد وفاة الصاحب وأبا العباس الضبيّ وخلع عليهما

وقولُ أبي بكر الخوارزمي:

أراك إذا أيسرتَ خَيَّمتَ عندنـا ** مقيماً وإن أعسرتَ زُرتَ لِمَامَا

فما أنت إلا البدرُ إن قَلَّ ضَوءهُ ** أَغَبَّ وإن زَادَ الضياءُ أقَـامَـا


المعنى لطيف، وإن كانت العبارة لم تساعده على الوجه

الذي يجب، فإن الإغباب أن يتخلل وقتَي الحضور

وقتٌ يخلو منه، وإنما يصلح لأن يراد أن القمر

إذا نقص نورُه، لم يُوال الطلوع كل ليلة،

بل يظهر في بعض الليالي، ويمتنع من الظهور في بعض،

وليس الأمر كذلك، لأنه على نقصانه يطلع كل ليلة

حتى يكون السِّرارُ، وقال ابن بابك في نحوه:

كذا البدرُ يُسْفِـرُ فـي تِـمِّـه ** فإن خاف نَقْص المَحَاقِ انْتَقَبْ


وهكذا يُنظر إلى مقابلته الشَّمسَ واستمداده من نورها،

وإلى كون ذلك سببَ زيادته ونقصه وامتلائه من النور

والائتلاق، وحصولهِ في المُِحَاق، وتفاوُتِ حاله في ذلك،

فتُصاغ منه أمثَالٌ، وتُبَيَّن أشباهٌ ومقاييس، فمن لطيف

ذلك قول ابن نباتة:

قد سَمِعْنا بالعِزِّ من آلِ سـاسـا ** نَ ويُونانَ في العُصور الخوالِي

والملوكِ الأُلَى إذا ضاع ذِكْـرٌ ** وُجِدُوا في سـوائر الأمـثـالِ

مَكْرُماتٌ إذا البليغُ تـعـاطَـى ** وَصْفَها لم يجدْهُ فـي الأقـوال

وإذا نحن لم نُضِفْـه إلـى مـد ** حِكَ كانت نهايةً في الكـمـال

إن جمعنَاهُمَا أضرَّ بها الـجـمـ ** ــعُ وضاعت فيه ضَياعَ المُحال

فهو كالشمس بُعْدُها يملأ البَـدْ ** ــر وفي قُرْبها ُمحاقُ الهـلالِ



وغير ذلك من أحواله كنحو ما خرج من الشَّبَه من بُعده

وارتفاعه، وقُرب ضَوئِه وشُعاعه، في نحو ما مضى

من قول البحتري: "دانٍ على أيدي العفاة" البيتين.

ومن ظهوره بكل مكان، ورؤيته في كل موضع، كقوله:

كالبدرِ من حيثُ التَفَتَّ رَأَيتَه ** يُهدَي إلى عينيك نوراً ثاقبَا


في أمثال لذلك تكثر، ولم أعرِضْ لما يُشبَّه به من

حيث المنظر، وما تُدركه العين، نحو تشبيهِ الشيء

بتقويس الهلالِ ودقّته، والوجه بنوره وَبَهْجته،

فإنّا في ذكر ما كان تمثيلاً، وكان الشَّبه فيه معنويّاً.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 7:39 pm

فصلٌ آخر



وإن كان مِمَّا مَضَى، إلا أن الأسلوب غيره،

وهو أن المعنى إذا أتاك ممثَّلاً،

في الأكثر ينجلي لك بعد أن يُحْوِجك إلى غير طلبه

بالفكرة وتحريك الخاطرِ له والهِمَّة في طلبه،

وما كان منه ألطف، كانت امتناعه عليك أكثر،

وإباؤه أظهر، واحتجابُه أشدُّ، ومن المركوز في

الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه،

ومعاناة الحنين نحوه، كان نَيله أحلَى، وبالمزِيَّة أولى،

فكان موقعه من النفس أجلّ وألطف،

وكانت به أضَنَّ وأَشْغَف، ولذلك ضُرب المثل لكل

ما لَطُف موقعه ببرد الماء على الظمأ، كما قال:

وهُنَّ يَنْبِذْنَ من قَوْلٍ يُصِبْنَ بِهِمَوَاقِعَ الماءِ مِنْ ذِي الغُلَّةِ الصَّادِي

وأشباه ذلك مما يُنال بعد مكابدة الحاجة إليه،

وتقدُّم المطالبة من النفس به، فإن قلت فيجب على

هذا أن يكون التعقيد والتعمية وتعمُّد ما يَكْسِب

المعنى غمُوضاً، مشرِّفاً له وزائداً في فضله،

وهذا خلافُ ما عليه الناس، ألا تراهم قالوا إن

خَيْر الكلام ما كان معناه إلى قلبك أسبق من لفظه

إلى سمعك، فالجواب إني لم أُرد هذا الحدَّ من الفِكْرِ

والتعب، وإنما أردت القدر الذي يحتاج إليه في نحو قوله:

فإن المِسْكَ بعضُ دمِ الغَزَالِ

وقوله:

ومَا التأنيثُ لاِسْمِ الشمسِ عَيْبٌ ** ولا التذكيرُ فَخْرٌ للـهـلالِ

وقوله:

رأيتُك في الذين أَرَى مُلُوكاً ** كأنَّك مُسْتَقيمٌ في مُحـالِ

وقول النابغة:

فإنَّك كاللَّيل الَّذِي هو مُـدْرِكـي ** وَإنْ خِلْتُ أنّ المُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ

وقوله:

فإنك شمسٌ والملوكُ كواكـبٌ ** إذَا طَلَعتْ لم يَبْدُ منهنّ كَوْكَبُ

وقول البحتري:

ضَحوكٌ إلى الأبطال وهو يَرُوعهم ** وللسيف حدٌّ حين يَسْطُو وَرَوْنَـقُ

وقول امرئ القيس: "بمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوابد هَيْكَلِ" وقوله:

ثم انصرفتُ وقد أَصَبْتُ ولم أُصَبْ ** جَذَعَ البَصِـيرةِ قَـارِحَ الإقـدامِ


فإنك تعلم على كل حالٍ أن هذا الضرب من المعاني،

كالجوهر في الصَدَف لا يبرز لكَ إلاّ أن تشُقَّه عنه،

وكالعزيز المُحْتجب لا يُريك وجهه حتى تستأذِن عليه،

ثم ما كلُ فكر يهتدي إلى وجهِ الكَشْفِ عمَّا

اشتمل عليه، ولا كُلّ خاطر يؤذَن له في

الوصول إليه، فما كل أحد يفلح في شقّ الصَدَفة،

ويكون في ذلك من أهل المعرفة،

كما ليس كلُّ من دنا من أبواب الملوك،

فُتحت له وكان:

مِنَ النَّفَرِ البِيضِ الَّذِينَ إذَا اعتَزَوْاوهابَ رجالٌ حَلْقَةَ البَابِ قَعْقَعُوا

أو كما قال:

تَفَتَّحُ أبوابُ الملوك لِوجهه ** بغير حِجَابٍ دُونَهُ أو تَملُّقِ


وأما التعقيد، فإنما كان مذموماً لأجل أن اللفظ لم يرتَّب

الترتيبَ الذي بمثله تحصُل الدَّلالة على الغرض،

حتى احتاج السامع إلى أن يطلبَ المعنى بالحِيلة،

ويسعى إليه من غير الطريق كقوله:

ولذا اسمُ أغطية العيون جفونُها ** من أنّها عَمَلَ السيوفِ عواملُ


وإنما ذُمَّ هذا الجنس، لأنه أحوجك إلى فكر زائد

على المقدار الذي يجب في مثله، وكَدَّكَ بسُوء

الدَّلالة وأودع لك في قالب غير مستوٍ ولا مُمَلَّس،

بل خشِنٍ مُضرّس حتى إذا رُمْتَ إخراجَه منه

عَسُر عليك، وإذا خرج خرج مُشوَّه الصورة

ناقصَ الحُسن، هذا وإنما يزيدك الطلبُ فرحاً

بالمعنى وأُنْساً به وسروراً بالوقوف عليه إذا

كان لذلك أهلاً، فأمّا إذا كنتَ معه كالغائص

في البحر، يحتمل المشقّة العظيمة، ويخاطر بالروح،

ثم يُخرج الخرَزَ، فالأمرُ بالضدّ مما بدأتُ به،

ولذلك كان أحقَّ أصناف التعقُّد بالذم ما يُتعبك،

ثم لا يُجدي عليك، ويؤرِّقك ثم لا يُورق لك،

وما سبيله سبيلُ البخيل الذي يدعوه لؤمٌ في نفسه،

وفساد في حسّه، إلى أن لا يرضى بضَعَته في بُخْله،

وحِرمان فضله، حتّى يَأْبَى التواضع ولين القول،

فيتيه ويشمخ بأنفه، ويسوم المتعرِّض له باباً ثانياً

من الاحتمال تناهياً في سُخفه أو كالذي لا يُؤيسك

من خيره في أول الأمْرِ فتستريحَ إلى اليأس،

ولكنه يُطمِعُك ويَسْحَب على المواعيد الكاذبة،

حتى إذا طال العناء وكثر الجهد، تكشَّف عن

غير طائل، وحصلتَ منه على نَدَمٍ لتَعبك في

غير حاصل، وذلك مثل ما تجده لأبي تمام من

تعسُّفه في اللفظ، وذهابه به في نحوٍ من التركيب

لا يهتَدِي النحو إلى إصلاحه، وإغراب في

الترتيب يعمَي الإعرابُ في طريقه،

ويَضِلُّ في تعريفه، كقوله:

ثَانِيه في كَبِد السَّمَاء ولم يكن ** لاثنين ثانٍ إذ هُما فِي الغَارِ

وقوله:

يَدِي لمن شاءَ رَهْنٌ لَمْ يَذُق جُـرَعـاً ** مِنْ رَاحتَيْكَ دَرَى ما الصَّابُ والعَسلُ


ولو كان الجنس الذي يوصف من المعاني باللطافة

ويُعَدّ في وسائط العُقود، لا يُحوِجك إلى الفكر،

ولا يحرِّك من حِرصك على طلبه، بمنعِ جانبه

وببعض الإدلال عليك وإعطائك الوصل بعد الصدّ،

والقرب بعد البعُد، لكان باقلَّي حارٌ وبيتُ معنًى

هو عين القلادة وواسطة العقد واحداً،

ولَسقط تفاضُلُ السامعين في الفهم والتصوّر والتبيين،

وكان كلُّ من روى الشعر عالماً به،

وكلُّ من حَفِظه إذا كان يعرف اللغة على

الجملة ناقداً في تمييز جيّده من رديئه، وكان قول من قال:

زَوَامِلُ للأشعارِ لا عِلْمَ عِنْدهُم ** بجيِّدها إلا كَعِلْمِ الأبـاعِـرِ

وكقول ابن الرومي:

قلتُ لمن قال لي عرضتُ على الأخـ ** ـفَشِ مَا قُـلـتَـه فَـمَـا حَـمِـدهْ

قَصرَّتَ بالشعر حين تَـعـرِضُـهُ ** على مُبينِ العمَـى إذا انـتَـقَـدَهْ

مَا قَـالَ شـعـراً ولا رواهُ فــلا ** ثَعْـلَـبَـهُ كـان لا ولا أَسَـــدَهْ

فإن يَقُل إنّنـي رويتُ فـكـالـدَّفــ ** ـترِ جهلاً بـكـلّ مـا اعـتَـقَـدهْ



وما أشبه ذلك، دعوَى غير مسموعةٍ ولا مؤهَّلةٍ للقبول،

فإنما أرادوا بقولهم ما كان معناه إلى قلبك أسبقَ

من لفظه إلى سمعك، أن يجتهد المتكلم في ترتيب

اللفظ وتهذيبه وصيانته من كل ما أخلّ بالدَّلالة،

وعاق دون الإبانة، ولم يريدوا أن خير الكلام

ما كان غُفْلاً مِثْلَ ما يتراجعه الصبيانُ ويتكلَّم به

العامّة في السوق.


هذا وليس إذا كان الكلامُ في غاية البيان

وعلى أبلغ ما يكون من الوُضوح،

أغناك ذاك عن الفكرة إذا كان المعنى لطيفاً،

فإن المعانيَ الشريفة اللطيفةَ لا بُدَّ فيها

من بناءِ ثانٍ على أوّل، وردِّ تالٍ على سابق،

أفَلستَ تحتاج في الوقوف على الغرض من قوله:

"كالبَدْرِ أُفْرطَ فِي العُلُوِّ"

إلى أن تعرف البيت الأول، فتتصوَّر حقيقة المرادِ

منه ووجه المجاز في كونه دانياً شاسعاً،

وترقم ذلك في قلبك، ثم تعود إلى ما يعرِضُ

البيت الثاني عليك من حَالِ البدر،

ثم تقابل إحدى الصورتين بالأخرى،

وتردّ البَصَرَ من هذه إلى تلك، وتنظر إليه

كيف شَرَطَ في العلوِّ والإفراطَ، ليشاكل قوله شاسع،

لأن الشُّسُوع هو الشديد البُعد،

ثم قَابَله بما لا يشاكله من مراعاة التناهي

في القرب فقال "جِدُّ قريب" فهذا هو الذي

أردتُ بالحاجة إلى الفكر، وبأنَّ المعنى

لا يحصُل لك إلا بعد انبعاثٍ منك في طلبه،

واجتهادٍ في نيله، هذا وإن توقفت في حاجتك

أيها السامع للمعنى إلى الفكر في تحصيله،

فهل تشكّ في أن الشاعر الذي أدّاه إليك،

ونشر بَزَّه لديك، قد تحمّل فيه المشقّة الشديدة،

وقطع إليه الشُّقة البعيدة، وأنه لم يصل إلى

دُرِّه حتى غاص، ولم ينل المطلوب حتى كابدَ

منه الامتناع والاعتياص؛ ومعلومٌ أن الشيء

إذا عُلم أنه لم يُنَل في أصله إلا بعد التَّعب،

ولم يُدرَك إلا باحتمال النَّصَب، كان للعلم بذلك

من أمره من الدعاء إلى تعظيمه، وأخْذِ الناس بتفخيمه،

ما يكونَ لمباشرة الجهد فيه، وملاقاةِ الكرب دونه،

وإذا عثرتَ بالهُوَيْنَا على كنزٍ من الذهب،

لم تُخرجك سُهولةُ وجوده إلى أن تَنْسَى جملةً

أنه الذي كدَّ الطالب، وحمّل المتاعب،

حتى إن لم تكُنْ فيك طبيعةٌ من الجُود تتحكَّم عليك،

ومحبّة للثناء تستخرج النفيس من يديك كان

من أقوى حجج الضَّنّ الذي يخامر الإنسان

أن تقول: إن لم يكدَّني فقد كدَّ غيري،

كما يقول الوارث للمال المجموع عفواً إذا لِيمَ

على بخله به، وفرطِ شُحّه عليه:

إن لم يكنْ كَسْبِي وكدَّي، فهو كَسْب أبي وجدي،

ولئن لم ألْقَ فيه عناءً، لقد عانَى سَلَفِي فيه الشدائد،

ولقُوا في جَمْعِهِ الأمَّرين، أفأضيِّع ما ثَمَّرُوه،

وأُفَرِّق ما جمعوه، وأكون كالهادم لما أُنفِقَتِ

الأْعمارُ في بنائه، والمُبيد لما قُصِرت الهمَمُ على إنمائه?،

وإنك لا تكاد تجد شاعراً يعطيك في المعاني الدقيقة

من التسهيل والتقريب، وردّ البعيد إلى

المألوف القريب، ما يُعْطي البحتريُّ،

ويبلغ في هذا الباب مبلغه، فإنه لَيروض لك

المُهْرَ الأرِنَ رياضةَ الماهر، حتى يُعْنِق

من تحتك إعناقَ القارِح المذلَّل، وينزِعَ من شِمَاس

الصعب الجامح، حتى يلين لك لِينَ المنقاد الطَّيع،

ثمَّ لا يمكن ادعاءُ أنَّ جميع شعره في قلّة الحاجة

إلى الفكر، والغِنَى عن فضل النظر، كقوله:

فُؤادِي مِنكَ مـلآنُ ** وسِرّي فِيك إعلانُ

وقوله:

عَن أيِّ ثَغْرٍ تَبتَسِمْ


وهل ثَقُل على المتوكل قصائدُه الجيادُ حتى

قلَّ نشاطه لها واعتناؤه بها، إلا لأنَّه لم يفهم

معانيها كما فهم معانيَ النوع النازل الذي انْحَطَّ له إليه?

أتُراك تستجيز أن تقول إن قوله

"مُنَى النَّفْسِ في أسماءَ لَوْ يَسْتَطِيعُها"

من جنس المعقَّد الذي لا يُحمَد، وإن هذه الضَّعيفة الأسْر،

الواصلة إلى القلوب من غير فكر، أوْلى بالحمد،

وأحقّ بالفضل. هذا والمعقَّد من الشعر والكلام

لم يُذَمَّ لأنه مما تقعُ حاجةٌ فيه إلى الفكر على الجملة،

بل لأنّ صاحبه يُعْثِرُ فِكرَك في متصرَّفه،

ويُشيكُ طريقك إلى المعنى، ويُوعِّر مذهبَك نحوه،

بل رُبّما قَسَّم فكرَك، وشعَّب ظَنَّك، حتى

لا تدري من أي تتوصّل وكيف تطلب.


وأمّا الملخَّص فيفتح لفكرتك الطريقَ لمستوى ويمهَّده،

وإن كان فيه تعاطُفٌ أقام عليه المنار،

وأوقد فيه الأنوار، حتى تسلكُه سلوكَ المتبين لوِجهته،

وتقطعَهُ قَطْعَ الواثق بالنُّجْح في طِيِّته،

فترِدَ الشريعة زرقاءَ، والروْضة غنّاءَ،

وصادفت نهجاً مستقيماً، مذهباً قويماً، وطريقةً تنقاد،

وتبيّنت لها الغاية فيما ترتاد? فقد قيل: قُرَّةُ العين،

وسَعَة الصدر، ورَوْحُ القلب، وطِيب النفس،

من أربعة أمور الاستبانة للحجّة، والأُنس بالأحبّة،

والثَّقة بالعُدّة، والمعاينة للغاية، وقال الجاحظ في

أثناء فصل يذكر فيه ما في الفكر والنظر من الفضيلة:

وأين تقع لذّةُ البهيمة بالعَلُوفة،

ولذّة السَّبُع بلَطْع الدَّم وأكلِ اللحم، من سرور الظفر بالأعداء،

ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان قرعه، وبَعْدُ،

فإذا مُدّت الحَلَباتُ لجري الجياد، ونُصِبت الأهداف

لتعرف فضل الرُّماة في الإبعاد والسّدَاد،

فرهانُ العقول التي تستَبق، ونِضالها الذي

تمتحِن قواها في تعاطيه، هو الفِكر والروّيةُ

والقياس والاستنباط، ولن يبعُد المَدَى في ذلك،

ولا يدقّ المرمَى إلا بما تقدم من تقرير الشَّبه

بين الأشياء المختلفة، فإنّ الأشياء المشتركة

في الجنس، المتفقةَ في النوع، تستغني بثبوت

الشَّبه بينها، وقيام الاتفاق فيها، عن تعمُّل وتأمل

في إيجاب ذلك لها وتثبته فيها، وإنما الصّنعة والحِذْق،

والنظرُ يَلْطُف وَيدِقّ، في أن تجمع أعناقُ المتنافرات

والمتباينات في رِبْقة، وتُعقَد بين الأجنبيّات

معاقدُ نسَب وشُبْكة، وما شرُفت صنعةٌ،

ولاذُكر بالفضيلة عملٌ، إلا لأنهما يحتاجان

من دِقّة الفكر ولُطف النظر نَفاذ الخاطر،

إلى ما لا يحتاج إليه غيرهما، ويحتكمان

على مَن زَاوَلَهما والطالب لهما من هذا المعنى،

ما لا يحتكم ما عداهما، ولا يقتضيان ذلك إلاّ

من جهة إيجاد الائتلاف في المختلفات،

وذلك بَينٌ لك فيما تراه من الصناعات وسائر الأعمال

التي تُنسَب إلى الدِقة، فإنك تجدُ الصورة المعمولة فيها،

كلما كانت أجزاؤها أشدّ اختلافاً في الشكل والهيئة،

ثم كان التلاؤمُ بينها مع ذلك أتمّ، والائتلافُ أبينَ،

كان شأنها أعجبَ، والحذْقُ لمصوّرها أوجبَ،

وإذا كان هذا ثابتاً موجوداً، ومعلوماً معهوداً،

من حال الصُوَر المصنوعة والأشكال المؤلَّفة ،

فاعلم أنها القضيّة في التمثيل واعمل عليها،

واعتقِد صحّة ما ذكرتُ لك من أنّ أخْذَ الشَبَهِ للشيء

مما يخالفُه في الجنس وينفصل عنه من حيث

ظاهر الحال، حتى يكون هذا شخصاً يملأ المكان،

وذاك معنًى لا يتعدَّى الأفهام والأذهان وحتى

إن هذا إنسانٌ يعقِلُ، وذاك جمادٌ أو مَوَات لا يتّصف

بأنه يعلَم أو يجهل وهذا نورُ شمس يبدو في السماء ويطلُع،

وذاك معنى كلامِ يُوعى ويُسمع وهذا روحُ يحيا به الجسد،

وذاك فضل ومكرمةٌ تؤثَر وتُحمَد، كما قال:

إنَّ المكارم أرواحٌ يكونُ لهـا ** آلُ المهلَّب دُونَ النَّاس أجسادَا


وهذا مقالُ متعصّبٍ مُنكِر للفضل حَسُودٍ،

وذاك نارٌ تلتهب في عُود، وهذا مِخلاف ،

وذاك وَرَق خِلاَف، كما قال ابن الرُّومِيّ:

بَذَل الوعدَ للأخِلاّءِ سَمْحـاً ** وأبَى بَعْدَ ذاكَ بَذْلَ العَطَاءِ

فغدَا كالخِلافِ يُورِقُ للعَيـ ** ـنِ ويأبى الإثمار كلَّ الإباء


وهذا رجلٌ يروم العدُوُّ تصغيره والإزراءَ به،

فيأبى فضلُه إلاّ ظهوراً، وقدرُه إلا سموّاً،

وذاك شهابٌ من نار تُصوَّبُ وهي تعلو،

وتُخْفَض وهي ترتفع، كما قال أيضاً:

ثم حَاوَلْتَ بالمُثَيْقِيلِ تصْغـيـ ** ـري فما زِدْتني سِوَى التَّعظيم

كالذي طَأَطَأَ الشِّهابَ ليخفَـى ** وهو أدنى لهُ إلى التَّضْـريم


وأخذ هذا المعنى من كلامٍ في حِكَم الهند، وهو:

إن الرجل ذا المروءة والفضل لَيكُونُ خاملَ

المنزلةِ غامضَ الأمر، فما تبرح به مُروءته

وعقلُه حتى يستبين ويُعرَف، كالشعلة من النار

التي يصوِّبها صاحِبُها وتأبَى إلاّ ارتفاعاً.


هذا هو الموجب للفضيلة، والداعي إلى الاستحسان،

والشفيع الذي أحْظَى التمثيل عند السامعين،

واستدعى له الشغَف والوَلوع من قلوب العقلاء الراجحين،

ولم تأتلف هذه الأجناس المختلفة للممثَّل،

ولم تتصادف هذه الأشياء المتعادية على حكم المشبّه،

إلا لأنه لم يراعِ ما يَحْضُر العَين،

ولكن ما يستحضر العَقْلُ، ولم يُعْنَ بما تنال الرؤية،

بل بما تعلَّق الروّية، ولم ينظر إلى الأشياء من

حيث تُوعَى فتحويها الأمكنة بل من حيث تعِيها

القلوب الفَطِنة، ثم على حسَب دِقّة المسلَك إلى

ما استُخْرج من الشَّبه، ولُطْفِ المذهب وبُعد التَّصَعُّد

إلى ما حصل من الوِفاق، استحقَّ مُدرِكُ ذلك المدحَ،

واستوجب التقديمَ، واقتضاكَ العَقْلُ أن تنوِّه بذكره،

وتقضي بالحُسْنَى في نتائج فكره، نَعَم،

وعلى حسَب المراتِب في ذلك أعطيتَه في بعضٍ

منزلةَ الحاذِق الصُّنَع، والمُلهم المؤيَّد، والألمعي المُحَدَّث،

الذي سبق إلى اختراع نوعٍ من الصنعة حتى يصيرَ إماماً،

ويكونَ مَنْ بعدَه تبعاً له وعِيالاً عليه وحتى تُعرَف

تلك الصَّنعةُ بالنسبة إليه، فيقال صنعة فلان،

و عمل فلان ووضعتَهُ في بعضٍ موضعَ المتعلمَّ الذكيُّ،

والمقتدي المُصيب في اقتدائه، الذي يُحسن التشبُّهَ

بمن أخذ عنه، ويُجيد حكاية العمل الذي استفادَ،

ويجتهد أن يزداد. واعلم أني لست أقول لك إنك

متى أَلَّفتَ الشيء ببعيد عنه في الجنس على

الجملة فقد أصبت وأحسنت، ولكن أقوله بعد تقييدٍ

وبعد شرطٍ، وهو أن تصيبَ بين المختلفين في الجنس

وفي ظاهر الأمر شبهاً صحيحاً معقولاً، وتجد للمُلاءمة

والتأليف السويّ بينهما مذهباً وإليهما سبيلاً

وحتى يكون ائتلافهما الذي يوجب تشبيهك،

من حيث العقل والحَدْس، في وضوح اختلافهما

من حيث العَين والحِسّ، فأمَّا أن تستكرهَ الوصف

وتَرومَ أن تُصوَّره حيث لا يُتَصوّر، فلاَ لأنك تكون

في ذلك بمنزلة الصَّانع الأخرق، يضع في تأليفه

وصَوْغه الشكلَ بين شكلين لا يلائمانه ولا يقبَلانه،

حتى تخرج الصورة مضطربةً، وتجيء فيها نتوّ،

ويكون للعين عنها من تفاوتها نُبوّ، وإنما قيل:

شبَّهت، ولا تعني في كونك مشبِّهاً أن تذكر حرف

التشبيه أو تستعير، إنما تكون مشبِّهاً بالحقيقة

بأن ترى الشَّبه وتبيَّنه، ولا يمكنك بيانُ ما لا يكون،

وتمثيلُ ما لا تتمثَّله الأوهام والظنون،

ولم أُرد بقولي إنّ الحذق في إيجاد الائتلاف بين

المختلفات في الأجناس، أنك تقدر أن تُحِدث هناك

مشابهةً ليس لها أصل في العقل، وإنما المعنى أنّ

هناك مشابهات خَفِيّة يدقُّ المسلك إليها،

فإذا تغلغل فكرُك فأدركها فقد استحققتَ الفضل،

ولذلك يُشَبَّه المدقِّق في المعاني بالغائص على الدُرّ،

ووِزان ذلك أن القِطَع التي يجيء من مجموعها

صورة الشَّنْف والخاتم أو غيرهما من الصور

المركبّة من أجزاء مختلفة الشكل، لو لم يكن بينها تناسُبٌ،

أمكنَ ذلك التناسُب أن يلائِم بينها الملائمة المخصوصة،

ويوصَلَ الوصلَ الخاصَّ، لم يكُنْ ليحصل لك من

تأليفها الصورةُ المقصودةُ، ألا ترى أنّك لو جئت بأجزاء

مخالفةٍ لها في الشكل، ثم أردتها على أن تصير إلى

الصورة التي كانت من تلك الأُولَى، طلبتَ ما يستحيل?

فإنما استحققت الأُجرة على الغَوْص وإخراج الدُّر،

لا أن الدُرّ كان بك، واكتَسَى شرفَه من جهتك،

ولكن لمّا كان الوُصول إليه صعباً وطلبُه عسيراً،

ثم رُزقت ذلك، وَجَبَ أن يُجْزَل لك، ويُكبَّر صنيعُك،

ألا ترى أن التشبيه الصريح إذا وقع بين شيئين

متباعدين في الجنس، ثم لَطُفَ وحسُن، لم يكن ذلك

اللُّطف وذلك الحُسن إلا لاتفاقٍ كان ثابتاً بين المشَّبه

والمشبَّه به من الجهة التي بها شَبَّهتَ،

إلاّ أنه كان خفياً لا ينجلي إلا بعد التأنُّق في استحضار

الصور وتذكُّرها، وعرض بعضها على بعض،

والتقاطِ النُّكتة المقصودة منها، وتجريدِها من سائر

ما يتّصل بها، نحو أن تُشَبّه الشيءَ بالشيء في

هيئة الحركة، فتطلب الوفاق بين الهيئة والهيئة

مجرّدةً من الجسم وسائر ما فيه من اللون وغيره

من الأوصاف?

كما فعل ابن المعتز في تشبيه البَرْق

حيث قال:

وكأنَّ البَرْقَ مُصَحَفُ قَار ** فَانطِباقاً مَرّةً وانفِتَاحَـا


لم ينظر من جميع أوصاف البرق ومعانيه

إلا إلى الهيئة التي تجدها العين له من

انبساطٍ يعقبه انقِباضٌ، وانتشارٍ يتلوه انضمامٌ،

ثم فَلَى نفسَه عن هيئات الحركات لينظر أيُّها أشبه بها،

فأصاب ذلك فيما يفعله القارئ من الحركة الخاصّة

في المصحف، إذا جعل يفتحه مرة ويُطبقه أُخرى،

ولم يكن إعجابُ هذا التشبيه لك وإيناسه إياك

لأن الشيئين مختلفان في الجنس أشدَّ الاختلاف فقط،

بل لأنّ حَصلَ بإزاء الاختلاف اتفاقٌ كأحسن ما يكون وأتمَّه،

فبمجموع الأمرين شدّة ائتلافِ في شدّة اختلاف حلا وحسُن،

ورَاقَ وفَتَن، ويدخل في هذا الوضع الحكاية المعروفة

في حديث عَدِيّ بن الرِّقاع، قال جرير أنشدني عدي:

"عَرَف الديارَ تَوَهُّمَاً فاعتادَهَا".

فلّما بلغ إلى قوله "تُزْجِي أَغَنَّ كَأنَّ إبْرَةَ رَوْقِهِ".

رحِمتُه وقلتُ قد وقع ما عساه يقول وهو أعرابيٌّ جِلْفٌ جافٍ?

فلما قال: "قَلَمٌ أَصَابَ من الدَّوَاة مِدَادَها"

استحالت الرَّحمة حسداً فهل كانت الرحمة في الأولى،

والحسد في الثانية، إلا أنه رآه حين افتتح التشبيه قد ذكر

ما لا يحضرُ له في أوّل الفكر وبديهة الخاطر،

وفي القريب من محلّ الظنّ شبَهٌ،

وحين أتمَّ التشبيه وأدَّاه صادفه قد ظِفَر بأقرب صفةٍ

من أبعد موصوف، وعثر على خبيءٍ مكانُه غيرُ معروفٍ،

وعلى ذلك استحسنوا قول الخليل في انقباض كفّ البخيل:

كفَاك لم تُخْلَقَا للـنَّـدَى ** ولم يَكُ بُخْلُهما بِـدْعَـهْ

فكفٌّ عن الخير مقبوضةٌ ** كما نُقضت مِئةٌ سَبْعـهْ

وكفٌّ ثـلاثةُ آلافـهـا ** وتِسْعُ مِئيها لها شِرْعَـهْ


وذلك أنه أراك شكلاً واحداً في اليدين، مع اختلاف العددين،

ومع اختلاف المرتبتين في العدد أيضاً،

لأن أحدهما من مرتبة العشرات والآحاد،

والآخر من مرتبة المئين والألوف،

فلما حَصَل الاتفاق كأشدَّ ما يكون في شكل اليد مع الاختلاف،

كأبلغ ما يوجد في المقدار والمرتبة من العدد،

كان التشبيه بديعاً، قال المرزباني وهذا

ما أبدع فيه الخليل، لأنه وصف انقباض اليدين

بحالين من الحساب مُختلفين في العدد، متشاكلين

في الصورة، وقوله هذا إجمالُ ما فصّلتُه،

ومما ينظُرُ إلى هذا الفصل ويُداخِله ويرجع إليه

حين تحصيله، الجنْسُ الذي يُرَاد فيه كونُ الشيء

من الأفعال سبباً لضدّه، كقولنا أحسن من حيث قَصَدَ

الإساءة ونفع من حيث أراد الضُّرَّ،

إذْ لم يقنع المتشاغِلُ بالعبارة الظاهرة

والطريقة المعروفة، وصَوَّرَ في نفس الإساءة الإحسانَ،

وفي البخلِ الجودَ، وفي المنع العطاءَ،

وفي موجب الذمّ موجِبَ الحمد، وفي الحالة التي

حقُّها أن تُعَدَّ على الرجل حُكْمَ ما يُعتدّ له،

والفعلِ الذي هو بصفة ما يُعاب ويُنكر،

صفةَ ما يَقْبَلُ المنّة ويُشكَر، فيدُلُّ ذلك بما يكون فيه

من الوِفاقِ الحسن مع الخِلاف البيِّن،

على حِذق شاعره، وعلى جُودة طبعه وحِدّة خاطره،

وعلوّ مصعَده وبُعْد غوصه، إذا لم يفسده بسوء العبارة،

ولم يخطئه التوفيقُ في تلخيص الدلالة،

وكَشَفَ تمام الكشف عن سُرر المعنى وسِرِّه بحسن

البيان وسِحْره، مثالُ ما كان من الشعر بهذه الصِّفة

قولُ أبي العتاهية:

جُزَيَ البخيلُ عليَّ صالـحةً ** عنّي بخِفَّته على ظَهْـرِي

أُعلِي وأُكْرِم عـن يديه يدي ** فَعَلَتْ ونَزَّهَ قـدرُهُ قَـدْرِي

ورُزقتُ من جَدْواهُ عافـيةً ** أن لا يضيق بشُكْرِه صَدْرِي

وغَنِيتُ خِلْواً من تفضُّـلِـه ** أَحْنُو عليه بأحْسَن الـعُـذْرِ

مَا فاتني خَيْرُ امرئٍ وَضَعتْ ** عنّي يَداه مَؤُونةَ الشُّـكْـرِ

ومن اللطيف مما يُشبه هذا قول الآخر:

أعتَقَنِي سُوءُ ما صنعتَ من الـ ** ـرِقِّ فيا بَرْدَهَا على كَـبِـدِي

فَصِرتُ عبداً للسُّوءِ فيك ومـا ** أحسنَ سُوءٌ قبلي إلـى أَحَـدِ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 7:42 pm

فصل :




"هذا فن آخر من القول يجمع التشبيه والتمثيل جميعاً"؛

اعلم أن معرفة الشيء من طريق الجملة،

غيرُ معرفته من طريق التفصيل، فنحن وإن كنّا

لا يُشكل علينا الفَرْقُ بين التشبيه الغريب وغير الغريب

إذا سمعنا بهما، فإنّ لوضع القوانين وبيانِ

التَّقسيم في كل شيء، وتهيئةِ العبارة في الفروق،

فائدةً لا يُنكرها المميز، ولا يخفَى أن ذلك أتَمُّ للغرض

وأشفى للنفس، والمعنى الجامع في سبب الغرابة

أن يكون الشَّبَهُ المقصودُ من الشيء مما

لا يتسرّع إليه الخاطر، ولا يقع في الوهم عند بديهة

النظر إلى نظيره الذي يُشبَّه به، بل بعد تثبُّتٍ وتذكر

وفَلْي للنفس عن الصور التي تعرفها،

وتحريكٍ للوهم في استعراض ذلك واستحضار ما غاب منه،

بيان ذلك أنك كما تَرى الشمس ويجري في خاطرك

استداراتُها ونورُها، تقع في قلبك المرآة المجلّوة،

ويتراءَى لك الشَّبه منها فيها،

وكذلك إذا نظرتَ إلى الوشي منشوراً وتطلّبتَ لحسنه

ونَقْشه واختلاف الأصباغ فيه شبهاً،

حَضَرَك ذكرُ الرَّوض ممطوراً مُفْترّاً عن أزهاره،

متبسّماً عن أنواره، وكذلك إذا نظرت إلى

السيف الصَّقيل عند سَلّه وبريق مَتْنِهِ،

لم يتباعد عنك أن تذكر انعقاق البرق،

وإن كان هذا أقلَّ ظهوراً من الأوّل، وعلى هذا القياس،

ولكنَّك تعلمُ أن خاطرَك لا يُسْرعُ إلى تشبيه الشَّمس

بالمرآة في كفّ الأشلّ، كقوله

"والشَّمس كالمرآة في كفّ الأشلْ"؛

هذا الإسراعَ ولا قريباً منه،

ولا إلى تشبيه البرق بإصْبع السّارق ، كقول كشاجِم:

أَرِقْتَ أم نِمْت لضَوءِ بارقِ ** مُؤْتِلقَاً مِثلَ الفُؤَادِ الخَافقِ

كَأنَّه إصْبعُ كف السَّارقِ




وكقول ابن بابك:

ونَضْنَضَ في حِضْنَي سَمَائِكَ بارقٌ ** له جِذْوةٌ من زِبْرج اللاَّذِ لامِعَـهْ

تَعوَّجُ في أعلى السحابِ كأنَّـهـا ** بَنَانُ يدٍ من كِلَّة اللاَّذِ ضَـارِعَـهْ


ولا إلى تشبيه البرق في انبساطه وانقباضه

والتماعه وائتلافه، بانفتاح المُصْحف وانطباقه،

فيما مضى من قول ابن المعتز:

وكأنَّ البرقَ مُصحَف قارٍ ** فانطباقاً مرَّةً وانفتاحَـا


ولا إلى تشبيه سطور الكتاب بأغصان الشوك في قوله:

بشَكْلٍ يأخُذُ الحَرْفَ المحَلَّى ** كأن سُطورَهُ أغصانُ شَوكِ

ولا إلى تشبيه الشَّقيق بأعلام يَاقوت على رِماح زَبَرجِد، كقول الصَّنَوبريّ:


وكأنّ مُحمرَّ الـشـقـيـ ** ـقِ إذا تصوَّب أو تصعَّـدْ

أعـلامُ ياقـوتٍ نُـشِـرْ ** نَ على رماحٍ من زَبَرْجَدْ


ولا إلى تشبيه النجوم طالعات في السماء

مفترقات مؤتلفات في أديمها، وقد مازجت زُرقةُ

لونها بياضَ نورها، بدُرٍّ منثورٍ على بساطٍ أزرق،

كقول أبي طالب الرَّقّي:

وكأنّ أجرامَ النُّجومِ لَوامعَـاً ** دُرَرٌ نُثِرْنَ على بِساطٍ أزرقِ


ولا ما جرى في هذا السبيل، وكان من هذا القبيل،

بل تعلم أن الذي سبَقَك إلى أشباهِ هذه التشبيهات

لم يَسْبِق إلى مَدًى قريب، بل أحرز غايةً

لا ينالها غير الجواد، وقَرْطَسَ في هدفِ

لا يُصابُ إلاّ بعد الاحتفال والاجتهاد.



واعلم أنك إنْ أردت أن تبحث بحثاً ثانياً حتى تعلم

لم وَجَبَ أن يكون بعضُ الشَّبه على الذكر أبداً،

وبعضه كالغائب عنه، وبعضُه كالبعيد عن الحضرةِ

لا يُنال إلا بعد قطع مسافةٍ إليه، وفَضْل تعطُّفٍ بالفكر

عليه فإنّ ها هنا ضربين من العِبرة يجب

أن تضبطهما أوّلاً، ثم ترجع في أمر التشبيه،

فإنّك حينئذ تعلم السَّبب في سرعة بعضه إلى الفكر،

وإباءِ بعض أن يكون له ذلك الإسراع.


فإحدَى العِبْرَتين أنّا نعلم أن الجملة أبداً أسبق

إلى النفوس من التفصيل، وأنت تجد الرؤية نفسها

لا تصل بالبديهة إلى التفصيل، لكنك ترى بالنَّظَر الأوَّل

الوصفَ على الجملة، ثم ترى التفصيل عند إعادة النظر،

ولذلك قالوا: النظرة الأولى حمقاء،

وقالوا لم يُنعِم النَّظَر ولم يَسْتَقْصِ التأمّل،

وهكذا الحكم في السمع وغيره، من الحواس،

فإنك تتبيّن من تفاصيل الصَّوت بأن يعاد عليك

حتى يسمعه مرّةً ثانيةً، ما لم تتبيّنه بالسماع الأول،

وتُدرك من تَفْصيل طعم المَذُوق بأن تعيده إلى

اللِّسان ما لم تعرفه في الذَّوْقَةِ الأولى،

وبإدراك التَّفصيل يقع التفاضُل بين راءٍ وراءٍ،

وسامع وسامع، وهكذا، فأمَّا الجُمَل فتستوي

فيها الأقدام، ثُمَّ تَعلم أنّك في إدراك تفصيل

مَا تراه وتسمعه أو تذوقه، كمن ينتَقي الشيء

من بين جُمْلة، وكمن يميِّز الشيء مما قد اختلط به،

فإنك حين لا يهمُّك التفصيل، كمن يأخذ الشيء

جُزَافاً وجَرْفاً. وإذا كانت هذه العبرة ثابتةً في

المشاهدة وما يجري مجراها مما تناله الحاسّة،

فالأمرُ في القلب كذلك تجدُ الجُمل أبداً هي التي

تسبق إلى الأوهام وتقع في الخاطر أوّلاً،

وتجد التفاصيل مغمُورة فيما بينها،

وتراها لا تحضر إلا بعد إعمال للرؤية

وإستعانةٍ بالتذكّر. ويتفاوت الحال في الحاجة إلى

الفكر بحسب مكان الوصف ومرتبته من حدّ الجملة

وحدّ التفصيل، وكلّماكان أوغل في التفصيل،

كانت الحاجةُ إلى التوقُّف والتذكُّر أكثر،

والفقرُ إلى التأمّل والتمهُّل أشدّ، وإذْ قد

عرفتَ هذه العِبرة، فالاشتراك في الصفة إذا كان

من جهة الجملة على الإطلاق، بحيث لا يشوبه

شيء من التفصيل نحو أن كِلا الشيئين أسود

أو أحمر فهو يقلّ عن أن تحتاج فيه إلى قياس وتشبيهٍ،

فإن دخل في التفصيل شيئاً نحو أن هذا

السوادَ صَافٍ برَّاقٌ، والحمرةَ رقيقةٌ ناصعةٌ

احتجتَ بقدر ذلك إلى إدارة الفكر،

وذلك مثل تشبيه حمرة الخدِّ بحمرة التُفّاح والوَرْد،

فإن زاد تفصيلُه بخصوصٍ تَدِقُّ العبارة عنه،

ويُتعرَّف بفضل تأمُّل، ازداد الأمر قوّةً في اقتضاء الفكر،

وذلك نَحْو تشبيه سِقْط النار بعين الديك في قوله:

وسِقْطٍ كَعَيْن الدِّيكِ عَاوَرْتُ صُحْبَتِي

وذلك أنّ ما في لون عينه من تفصيل وخصوصٍ،

يزيد على كون الحمرةِ رقيقةً ناصعةً

والسوادِ صافيّاً برَّاقاً، وعلى هذا تجد هذا الحدَّ

من المرتبة التي لا يستوي فيها البليد والذكيُّ،

والمهمِل نفسَه والمتيقّظ المستعدّ للفكر والتصوّر،

فقوله:

كأنَّ عَلَى أنْيابِهَـا كُـلَّ سُـحْـرَةٍ ** صِياح البَوازِي من صَرِيفِ اللَّوائكِ

أرفعُ طبقةً من قوله:

كأن صَلِيلَ المَرْوِ حين تُشِذُّه ** صَلِيلُ زُيوفٍ يُنْتَقَدْنَ بَعَبْقَرا


لأن التفصيلَ والخصوص في صوت البازي،

أَبْينُ وأظهر منه في صَلِيل الزيوف،

وكما أن قولَه يصفُ الفَرس:

وللفؤاد وَجِيبٌ تَحْتَ أَبْـهَـرهِ ** لَدْمَ الغُلامِ ورَاء الغَيبِ بِالحَجَرِ


لا يُسوَّى بتشبيهِ وقْع الحوافر بهَزْمة الرعد،

وتشبيه الصَّوت الذي يكون لغليان القِدْر بنحو ذلك،

كقوله:

لها لَغْطٌ جُنْحَ الظَّلامِ كأنّـه ** عَجَارِفُ غَيْثٍ رَائِحٍ مُتَهزِّمِ


لأنّ هناك من التفصيل الحَسَن ما تراه،

وليس في كون الصوت من جنس اللَّغط تفصيلٌ يُعتدُّ به،

وإنما هو كالزيادة والشدّة في الوصف.


ومثالُ ذلك مِثالُ أن يكون جسمٌ أعظمَ من جسم

في أنه لا يتجاوز مرتبة الجُمَل كبيرَ تَجاوُزِ،

فإذا رأى الرجل شخصاً قد زاد على المعتاد في

العِظَم والضخامة، لم يحتجّ في تشبيهه بالفِيل

أو الجبل أو الجَمَل أو نحو ذلك إلى شيء من الفكر،

بل يَحْضُره ذلك حضورَ ما يُعْرف بالبديهة،

والمقابلات التي تُريك الفرق بين الجملة والتفصيل كثيرة،

ومن اللَّطيف في ذلك أن تنظرُ إلى قوله:

يُتابِعُ لاَ يَبْتَغِـي غَـيرَه ** بأبيضَ كالقَبَس المُلْتَهِبْ

ثم تقابلَ به قولَه:

جَمَعْتُ رُدَيْنِيّاً كأنَّ سِنَانَه ** سَنَا لَهَبٍ لَمْ يَتَّصلْ بدُخَانِ


فإنك ترى بينهما من التفاوُت في الفضل ما تراه،

مع أن المشبَّه به في الموضعين شيءٌ واحدٌ

وهو شُعلة النار، وما ذاك إلا من جهة أن الثاني

قَصَد إلى تفصيلِ لطِيفٍ، ومَرَّ الأوَّلُ على حكم الجمل.


ومعلومٌ أن هذا التفصيل لا يقع في الوهم في أول وهلة،

بل لا بدّ فيه من أن تتثَبَّت وتتوقَّف وتُرَوَّى

وتنظر في حال كل واحد من الفرع والأصل،

حتى يقوم حيئذ في نفسك أن في الأصل شيئاً يقدح

في حقيقة الشبه، وهو الدُّخان الذي يعلو رأسَ الشعلة،

وأنه ليس في رأس السنان ما يُشبه ذلك،

وأنه إذا كان كذلك، كان التحقيقُ وما يؤدِّي الشيءَ كما هو،

أن تستثني الدُّخان وتنفي، وتَقْصِر التَّشبيه

على مُجرَّد السَّنا، وتصوّر السنان فيه مقطوعاً عن الدخان،

ولو فرضتَ أن يقع هذا كلَّه على حدّ البَديهة من غير

أن يخطر ببالك ما ذكرتُ لك، قدَّرتَ مُحالاً لا يتصوَّر،

كما أنك لو قدَّرت أن يكون تشبيه الثُّريا بعنقود مُلاَّحية

حين نوَّر بمنزلة تشبيهها بالنَوْر على الإطلاق،

أو تفتُّح نَوْر فقط، كما قال:

كأنّ الثُّريا في أواخِر لَيلِها تَفَــتُّـــح نَـــوْرٍ


حتى ترى حاجتَهما إلى التأمُّل على مقدار واحد،

وحتى لا يُحْوِج أحدهما من الرجوع إلى النفس

وبَحْثها عن الصور التي تعرفها، إلا إلى مثل

ما يُحْوِج إليه الآخر أسرفتَ في المجازفة،

ونَفَضْت يداً بالصَّواب والتحقيق. والعبرة الثانية

أن ما يقتضي كونَ الشيء على الذِّكر وثبوتَ

صورته في النفس، أن يكثُر دورانُه على العيون،

ويدوم تردُّده في مواقع الأبصار،

وأنِ تُدركه الحواسُّ في كل وقت أو في أغلب

الأوقات وبالعكس، وهو أنّ من سبب بُعْد ذلك الشيء

عن أن يقع ذكره بالخاطر، وتَعْرِض صورتُه في النفس،

قِلّة رؤيته، وأنه مما يُحَسُّ بالفَينة بعد الفينة،

وفي الفَرْطِ بعد الفَرْط، وعلى طريق النُّدرة،

وذلك أن العيون هي التي تحفظُ صُوَر الأشياء على النفوس،

وتجدِّدُ عهدها بها، وتحرسُها من أن تدْثُر، وتمنعها أن تزول،

ولذلك قالوا: من غاب عن العين فقد غاب عن القلب،

وعلى هذا المعنى كانت المُدارسة والمُناظرةُ

في العلوم وكُرُورها على الأسماع،

سَبَبَ سلامتها من النِّسيان، والمانعَ لها من

التفلُّت والذَّهاب، وإذا كان هذا أمراً لا يُشكُّ فيه،

بانَ منه أنّ كل شَبَهٍ رَجع إلى وصف أو صورة

أو هيئةٍ من شأنها أن تُرَى وتُبصرَ أبداً،

فالتشبيه المعقود عليه نازل مُبتذَل،

وما كان بالضدّ من هذا وفي الغاية القُصْوَى

من مخالفته، فالتشبيه المردُود إليه غريبٌ نادرٌ بديع،

ثم تتفاضل التشبيهات التي تجيء واسطةً لهذين الطَّرَفين،

بحسن حالها منهما، فما كان منها إلى الطَّرَف

الأول أقرب، فهو أدنى وأنزل، وما كان إلى

الطَّرَف الثاني أذهب، فهو أعلى وأفضل بوصف

الغريبِ أجدر.



واعلم أن قولنا التفصيلُ عبارةٌ جامعة،

ومحصولها على الجملة أنَّ معك وصفين أو أوصافاً،

فأنت تنظر فيها واحداً واحداً، وتَفْصِل بالتأمّل بعضها من

بعض وأنّ بك في الجملة حاجةً إلى أن تنظُر في أكثر

من شيء واحد، وأن تنظر في الشىء الواحد إلى أكثر

من جهة واحدة. ثم إنه يقع في أَوْجُهٍ أحدها وهو الأَوْلَى

والأحقّ بهذه العبارة أن تفصّل، بأن تأخذ بعضاً وتدع بعضاً،

كما فعل في اللَّهب حين عزل الدخان عن السَّنا وجرَّده،

وكما فعل الآخر حين فَصَل الحدق عن الجفون،

وأثبتها مفردةً فيما شبّه، وذلك قوله:

لها حَدَقٌ لم تتَّصِلْ بجُفُونِ

ويقع في هذا الوجه من التفصيل لطائف،

فمنها قول ابن المعتّز:

بطارح النظرة في كل أُفُـقْ ** ذي مِنْسرٍ أَقْنَى إذا شَكَّ خَرَقْ

ومقْلَةٍ تَصْـدُقُـه إذا رَمَـقْ ** كأنَّها نَـرْجَـسةٌ بِـلاَ وَرَق

وقوله:

تكتُبُ فيه أيدي المِزاج لَنَا ** مِيماتِ سَطْرٍ بَغَيْر تَعرِيقِ


والثاني أن تُفصّل، بأنْ تنظر من المشبَّه في أمور

لتعتبرها محلها، وتطلبها فيما تُشبّه به،

وذلك كاعتبارك، في تشبيه الثريا بالعنقود،

الأنجُمَ أنفسَها، والشكل منها واللون،

وكونها مجتمعة على مقدارٍ في القرب والبعد،

فقد نظرتَ في هذه الأمور واحداً واحداً،

وجعلتها بتأمُّلك فصلاً فصلاً، ثم جمعتها في تشبيهك،

وطلبتَ للهيئة الحاصلة من عِدّة أشخاصِ الأنجُمَ،

والأوصاف التي ذكرتُ لك من الشك واللون والتقارب

على وجه مخصوص هيئةً أخرى شبيهةً بها،

فأصبتها في العنقود المنِّور من المُلاَّحية ولم يقع

لك وَجه التشبيه بينهما إلا بأن فصّلت أيضاً أجزاء

العنقود بالنظر، وعلمت أنها خُصَلٌ بيضٌ،

وأن فيها شكل استدارةِ النجم، ثم الشكل إلى الصِغَر

ما هو، كما أن شكْل أنْجُم الثريّا كذلك وأنَّ هذه

الخُصَل لا هي مجتمعةٌ اجتماع النظام والتلاصقِ،

ولا هي شديدة الافتراق، بل لها مقادير في التقارب

والتباعد في نسبة قريبة مما تجده في رأى العين

بين تلك الأنجم، يدُلُّك على أن التشبيه موضوعٌ

على مجموع هذه الأوصاف، أنّا لو فرضنا في تلك

الكواكب أن تفترق وتتباعد تباعُداً أكثر مما هي عليه الآن،

أو قُدِّر في العنقود أن يَنْتَثِر، لم يكن التشبيه بحاله

وكذلك الحكمُ في تشبيه الثريَّا باللِّجام المفضَّض،

لأنك راعيت الهيئة الخاصة من وقوع تلك القِطَع

والأطراف بين اتّصال وانفصال،

وعلى الشكل الذي يُوجبه موضوع اللجام،

ولو فرضتَ أن تُركِّب مثلاً على سنَنَ واحدٍ طولاً

في سَيْرٍ واحدٍ مثلاً ويُلصَق بعضها ببعض،

بَطَل التشبيه، وكذا قوله:

تَعَرُّضَ أثناءِ الوِشَاحِ المفصَّلِ

وقد اعتُبِرَ فيه هيئة التفصيل في الوِشاح،

والشكل الذي يكون عليه الخَرَزُ المنظوم في الوِشاح،

فصار اعتبار التفصيل أعجبَ تفصيل في التشبيه،

والوجه الثالث أن تُفصِّل بأن تنظر إلى خاصّةٍ

في بعض الجنس، كالتي تجدها في صوت البَازِي

وعين الديك، فأنت تأبَى أن تمرّ على جملة أنّ

هذا صوت وذاك حمرة، ولكن تفصّل فتقول فيهما

ما ليس في كل صوت وكل حمرة، واعلم أن هذه

القسمة في التفصيل موضوعة على الأغلب الأعرف،

وإلا فدقائقُه لا تكاد تُضبَط، ومما يكثر فيه التفصيل

ويقوَى معناه فيه، ما كان من التشبيه مركَّباً

من شيئين أو أكثر، وهو ينقسم قسمين :

أحدهما أن يكون شيئاً يُقدّره المشبِّه ويَضَعَه ولا يكون،

ومثال ذلك تشبيه النرجس بمداهن دُرٍّ حشوهنَّ عقيق،

وتشبيه الشَّقيق بأعلامِ ياقوت نُشِرت على رِماح

من زَبَرْجَد، لأنك في هذا النحو تُحصّل الشبه بين شيئين

تُقدّر اجتماعَهما على وجهٍ مخصوص وبشرطٍ معلومٍ،

فقد حصَّلته في النرجس من شكل المدَاهن والعقيق،

بشرط أن تكون الداهن من الدُرّ،

وأن يكون العقيق في الحَشْوِ منها وكذلك اشترطت هيئة الأعلام،

وأن تكون من الياقوت، وأن تكون منشورَةٌ على رماح

من زبرجد فبك حاجةٌ في ذلك إلى مجموع أمورٍ،

لو أخللت بواحدٍ منها لم يحصل الشَّبه، وكذلك لو خالفتَ

الوجَه المخصوصَ في الاجتماع والاتصال بَطَل الغَرَض،

فكما بك حاجة إلى أن يكون الشكلُ شَكْلَ المُدْهُنِ،

وأن يكون من الدُّرّ وأن يكون معه العقيق،

فبك أيضاً فَقْرٌ إلى أن يكون العقيقُ في حَشْوِ المداهن،

وعلى هذا القياس .


والقسم الثاني : أن تعتبر في التشبيه هيئةً تَحصُل من اقتران شيئين،

وذلك الاقترانُ مما يُوجد ويكون، ومثاله قوله:

غَدَا والصبحُ تحتَ اللَّيل بـادٍ ** كطِرْفٍ أشهبٍ مُلْقَى الجِلالِ


قَصَدَ الشبه الحاصل لك إذا نظرت إلى الصبح والليل جميعاً،

وتأمّلتَ حالهما معاً، وأراد أن يأتي بنظير للهيئة

المشاهَدة من مقارنة أحدهما الآخر،

ولم يُرِدْ أن يشبّه الصبحَ على الانفراد والليل على الانفراد،

كما لم يقصد الأول أن يشبّه الدارة البيضاء من

النرجس بمُدْهُن الدُّر، ثم يستأنف تشبيهاً للثانية بالعقيق،

بل أراد أن يشبّه الهيئة الحاصلة من مجموع الشكلين،

من غير أن يكون بَيْنٌ في البَيْن،

ثم إن هذا الاقتران الذي وُضع عليه التشبيه مما يوُجد ويُعْهَدُ،

إذ ليس وجود الفَرَس الأشهب قد ألقَى الجُلَّ،

من المُعْوِز فيقالَ إنه مقصورٌ على التقدير والوهم،

فأما الأوّل فلا يتعدَّى التوهُم وتقديرَ أن يُصنَع ويُعْمَل،

فليس في العادة أن تُتّخذ صورةٌ أعلاها ياقوت

على مقدار العَلَم، وتحت ذلك الياقوت قِطَعٌ مطاوِلةٌ

من الزبرجد كهيئة الأرماح والقامات وكذلك لا يكون

ها هنا مُداهنُ تُصنَع من الدُرّ، ثم يوضع في أجوافها عقيق،

وفي تشبيه الشَّقيق زيادة معنًى يُباعِد الصورة من الوجود،

وهو شرطه أن تكون أعلاماً منشورةً،

والنَّشر في الياقوت وهو حجرٌ، لا يُتَصَوَّر موجوداً،

ويَنبغي أن تعلم أن الوجهَ في إلقاء الجُلّ،

أن يريد أنه أداره عن ظهره، وأزاله عن مكانه،

حتى تكشَّف أكثرُ جسده، لا أنه رمى به جملةً

حتى انفصل منه، لأنه إذا أراد ذلك، كان قد قصد

إلى تشبيه الصُّبح وحده من غير أن يفكِّر في الليل،

ولم يشاكل قوله في أول البيت "والصبح تحت الليل باد"،

وأمّا قوله:

إذا تَفَرَّى البرقُ فيها خِـلْـتَـهُ ** بَطْنَ شُجاعٍ فِي كَثيبٍ يَضطرِبْ

وتـارةً تُـبْـصِـرْهُ كـأنَّــهُ ** أبلقُ مالَ جُلُّـهُ حِـينَ وَثَـبْ


فالأشبهُ فيه أن يكون القصدُ إلى تشبيه البرق

وحده ببياض البَرق، دون أن يُدْخل لون الجّل في التشبيه،

حتى كأنَّه يريد أن يُريَك بياضَ البرق في سواد الغَمَام،

بل ينبغي أن يكون الغرضُ بذكر الجُلّ أن البرقَ يلمع بَغتةً،

ويلوح للعين فجأةً،

فصار لذلك كبياض الأبلق إذا ظَهر عند وثوبه

ومَيْلِ جُلّه عنه، وقد قال ابن بابك في هذا المعنى:

لِلبَرْقِ فيها لَهَبٌ طَـائشٌ ** كما يُعَرَّى الفرَسُ الأبلقُ

إلاّ أن لقولِ ابن المعتزّ "حِينَ وَثَبْ"، من الفائدة ما لا يخفى.



وقد عُنَي المتقدِّمون أيضاً بمثل هذا الاحتياط، ألا تراه قال:

وتَرى البرقَ عارضاً مُسْتطيراً ** مَرَحَ البُلْقِ جُلْنَ في الأجلال


فجعلها تمرحُ وتجول، ليكون قد راعَى ما به يتمّ الشَّبه،

وما هو مُعظَم الغَرَض من تشبيهه،

وهو هيئة حركته وكيفية لَمْعه.



ثم اعلم أن هذا القسم الثاني الذي يدخل في الوُجود

يتفاوت حاله، فمنه ما يتسع وجوده،

ومنه ما يوجد في النادر، ويَبِين ذلك بالمقابلة،

فأنت إذا قابلتَ قولَه:

وكأن أجرامَ النجوم لوامعـاً ** دُرَرٌ نُثرن على بساط أزرقِ


بقول ذي الرّمة: "كأنَّها فِضّةٌ قد مَسَّها ذَهَبُ".


علمت فضلَ الثاني على الأول في سعة الوجود،

وتقدُّم الأول على الثاني في عِزَّته وقلّته،

وكَوْنِه نادرَ الوجود، فإنَّ الناس يرون أبداً في

الصياغات فِضّةً قد أجري فيها ذهبُ وطُلِيت به،

ولا يكاد يتفق أن يوجد درٌّ قد نُثر على بساط أزرق،

وإذ قد عرفت انقسام المركّب من التشبيه إلى هذين القسمين،

فاعتبر موضعَهما من العبرتين المذكورتين،

فإنك تراهما بحسب نسبتهما منهما، وتحقُّقهما بهما،

قد أعطَتَاهما لُطْفَ الغَرابة، ونفضتا عليهما صِبْغ الحُسن،

وكَستَاهما رَوْعةَ الإعجاب،

فتجدُ المقدَّر الذي لا يباشرُ الوجود، نحو قوله:

أعـلامُ ياقـوتٍ نُـشـرْ ** نَ على رِمَاحٍ من زَبَرْجَدْ

وكقوله في النيلوفر:

كُلُّنا باسـطُ الـيدِ ** نحو نَيْلَوْفَرٍ نَـدِي

كَدَبَابيس عَسْـجَـدٍ ** قُضْبُها من زَبَرْجَدِ


قد اجتمع فيه العبرتان جميعاً،

وتجد العبرة الثانية قد أتت فيه على غاية القوة،

لأنه لا مزيد في بُعد الشيء عن العيون على

أن يكون وُجوده ممتنعاً أصلاً حتى لا يُتصوَّر إلا في الوهم،

وإذا تركت هذا القسم ونظرْت إلى القسم الثاني

الذي يدخل في الوجود نحو قوله:

دُرَرٌ نُثرن على بِسَاط أزرقِ


وجدت العبرة الثانية لا تقوى فيه تلك القوة،

لأنه إذا كان مما يُعلَم أنه يوجد ويُعهَد بحالٍ

وإن كان لا يتّسع بل يندُر ويِقلّ فقد دنا من

الوقوع في الفكرِ والتعرُّض للذكرِ دُنوّاً لا يدنوه

الأول الذي لا يُطمَع أن يدخل تحت الرؤية للزومه العدم،

وامتناعه أن يجوز عليه إلاّ التوهُّمَ، ولا جَرَمَ،

لمَّا كان الأمر كذلك، كان للضرب الأول

من الرَوعة والحُسن، لصاحبه من الفضل في قوة الذِّهن،

ما لم يكن ذلك في الثاني، وقَوِيَ الحكُمُ بحسب قُوة العلة،

وكَثُر الوصف الذي هو الغرابة، بحسب الجالب له،

وفي هذا التقرير ما تعلم به الطريق إلى التشبيه

من أين تَفَاوَتَ في كونه غَريباً? وَلِمَ تَفَاضَلَ في مجيئه عجيباً?

وبأي سبب وجدتَ عند شيء منه من الهِزَّة ما لم تجده

عند غيره علماً يُخرجك عن نقيصة التَّقليد،

ويرفعك عن طبقة المقتصر على الإشارة،

دون البيان والإفصاح بالعبارة.



واعلم أن العبرة الثانية التي هي مرور الشيء

على العيون، هو معنى واحد لا يتكثَّر،

ولكنه يقوى ويضعف كما مضى، وأما العبرة الأولى،

وهي لتفصيل فإنها في حكم الشيء يتكثر وينضمُّ فيه

الشيء إلى الشيء، ألا ترى أن أحد التفصيلين يفضُل

الآخر بأن تكون قد نظرتَ في أحدهما إلى ثلاثة أشياء،

أو ثلاث جهات، وفي الآخر إلى شيئين أو جهتين

والمثال في ذلك قول بَشَّار:

كأنّ مُثَارَ النَّفْع فوق رؤوسِنَا ** وأسيافَنا لَيلٌ تَهَاوَى كواكبُهْ

مع قول المتنبي:

يزورُ الأعادي في سَماءِ عَجاجةٍ ** أسِنَّتُه في جانِبَيْهَا الكـواكـبُ

أو قول كُلثوم بن عمرو:

تَبْنِي سَنَابَكُها من فوق أرْؤُسِهم ** سَقْفاً كواكُبه البِيضُ المَبَاتيرُ


التفصيُل في الأبيات الثلاثة كأنه شيء واحدٌ،

لأن كل واحد منهم يُشبّه لمعان السيوف

في الغُبار بالكواكب في الليل،

إلاّ أنك تجد لبيت بشّار من الفَضل،

ومن كَرَمْ الموقع ولُطْف التأثير في النفس،

ما لا يَقِلُّ مقداره، ولا يمكن إنكاره،

وذلك لأنه راعَى ما لم يُراعه غيره،

وهو أنْ جعل الكواكب تهاوَى، فأتمَّ الشَّبه،

وعبّر عن هيئة السيوف وقد سُلَّت من الأغماد

وهي تعلو وترسُب، وتجيء وتذهب، ولم يقتصر

على أن يُريك لَمَعانها في أثناء العجاجة كما فعل الآخران،

وكان لهذه الزيادة التي زداها حظٌّ من الدقة تجعلُها

في حكم تفصيل بعد تفصيل، وذلك أنّا وإن قلنا إن

هذه الزيادة وهي إفادة هيئة السيوف في حركاتها

إنما أتت في جملةٍ لا تفصيلَ فيها، فإنّ حقيقةَ تلك

الهيئة لا تقوم في النَّفْس إلا بالنظر إلى أكثر من جهة واحدة،

وذلك أن تعلم أنّ لها في حال احتدام الحرب،

واختلاف الأيدي بها في الضرب، اضطراباً شديداً،

وحركاتٍ بسرعة، ثم إن لتلك الحركات جهاتٍ مختلفة،

وأحوالاً تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة

والارتفاع والانخفاض،

وأنّ السيوف باختلاف هذه الأمور تتلاقى وتتداخل،

ويقع بعضها في بعضٍ ويصدِم بعضها بعضاً،

ثم أن أشكال السيوف مستطيلة، فقد نَظَم هذه

الدَّقائق كلها في نفسه، ثم أحضرك صُوَرَها بلفظةٍ واحدة،

ونبّه عليها بأحسن التنبيه وأكملِه بكلمة،

وهي قوله: تَهَاوَى، لأن الكواكب إذا تهاوت اختلفت

جهات حركاتها، وكان لها في تهاويها تواقُعٌ وتداخلٌ،

ثم إنها بالتهاوي تستطيل أشكالها، فأمّا إذا لم تَزُلْ

عن أماكنها فهي على صورة الاستدارة.


ويشبه هذا الموضعَ في زيادة أحد التشبيهين مع

أن جنسهما جنس واحد، وتركيبهما على حقيقة واحدةٍ

بأنّ في أحدهما فضلَ استقصاءٍ ليس في الآخر،

قولُ ابن المعتزّ في الآذرْيُون:

وطافَ بها ساقٍ أديبٌ بمبـزُل ** كخِنْجرِ عَيَّارٍ صِناعتُه الفَتْـكُ

وحُمِّـل آذَريونَةً فـوق أُذْنِـه ** ككأسِ عَقِيقٍ في قرارَتِها مِسكُ

مع قوله:

مَداهِنٌ من ذَهبٍ ** فيها بقايَا غَاليَةْ


الأول ينقص عن الثاني شيئاً،

وذلك أن السواد الذي في باطن الآذرْيونة الموضوع

بإزاء الغالية والمسكِ، فيه أمران أحدهما أنه ليس

بشاملٍ لها، والثاني أن هذا السواد ليس صورتُه

صورةَ الدِّرهم في قعرها، أعني أنه لم يستِدرْ هناك،

بل ارتفع من قَعْر الدائرة حتى أخذ شيئاً من سمكها

من كُلّ الجهات، وله في مُنْقَطَعه هيئةٌ تشبه آثارَ

الغالية في جوانب المُدْهُن، إذا كانت بقيّةً بقيت عن الأصابع،

وقوله: في قرارتها مسكُ يُبيّن الأمرَ الأوّل،

ويُؤْمِن من دخول النقص عليه، كما كان يدخل لو قال:

ككأس عقيق فِيها مسك، ولم يشترط أن يكون في القَرارة.


وأمَّا الثاني من الأمرين، فلا يدلُّ عليه كما يدلُّ قوله

بقايا غالية، وذاك من شأن المِسْك والشيءِ اليابس

إذا حصل في شيء مستدير له قَعْرٌ،

أن يستدير في القعر ولا يرتفع في الجوانب الارتفاعَ

الذي تراه في سواد الأذَرْيونة، وأما الغاليةُ فهي رَطْبةٌ،

ثم هي تؤخذ بالأصابع، وإذا كان كذلك، فلا بُدَّ في البقيّة

منها من أن تكون قد ارتفعت عن القَرَارة،

وحصلت بصفة شبيهة بذلك السواد،

ثم هي لنعومتها ترِقُّ فتكُون كالصِبغ الذي لا جِرْم

له يملك المكان وذلك أصدقُ للشَّبَه.


ومن أبلغِ الاستقصاء وعجيبه قولُ ابن المعتز:

كأنَّا وضَوْءُ الصُّبحِ يَسْتَعْجِلُ الدُّجَى ** نُطيرُ غُرابـاً ذَا قَـوادِمَ جُـونِ


شبّه ظلامَ الليل حين يظهر فيه الصبح بأشْخَاص الغِربان،

ثم شَرَط أن تكون قوادمُ ريشهاً بيضاً،

لأن تلك الفِرَقَ من الظلمة تقع في حواشيها،

من حيث تَلَى مُعظَمَ الصبح وعَمُوده لُمَعُ نُورٍ يُتَخَيَّل

منها في العين كشكل قوادمَ إذاَ كانت بِيضاً،

وتمامُ التدقيق والسِّحْر في هذا التشبيه في شيء آخر،

وهو أن جعل ضوءَ الصبح، لقوّةِ ظهوره ودفعه لظلام الليل،

كأنه يحفِز الدُجَى ويستعجلها ولا يرضى منها

بأن تَتَمهَّل في حركتها، ثم لما بدأ بذلك أوّلاً

اعتبره في التشبيه آخِراً فقال: نُطِيرُ غراباً، ولم يقل:

غراب يطير مثلاً، وذلك أن الغرابَ وكلَّ طائر إذا كان

واقعاً هادئاً في مكان، فأُزْعِج وأُخِيفَ وأُطِير منه،

أو كان قد حُبس في يدٍ أو قَفَصٍ فأُرسل،

كان ذلك لا محالةَ أسرعَ لطيرانه وأعجلَ وأمدَّ له وأبعدَ لأمَدِهِ،

فإنَّ تلك الفَزْعةَ التي تعرِضُ له من تنفيره،

أو الفرحة التي تُدركه وتَحْدُثُ فيه من خَلاصه وانفلاته،

ربما دعته إلى أن يستمرّ حتى يغيب عن الأفق ويصير

إلى حيث لا تراه العيون، وليس كذلك إذا طار عن اختيار،

لأنه يجوز حينئذ أن يصير إلى مكان قريب من مكانه الأوّل،

وأن لا يُسْرِع في طيرانه،

بل يمضي على هِينَتِه ويتحرّك حركةَ غيرِ المستعجلِ فاعرفه


. ومما حقُّه أنْ يكون على فَرْط الاستقصاء في التشبيه

وفضل العناية بتأكيد ما بُدئ به،

قولُ أبي نواس في صِفة البازي:

كأنّ عَـيْنَـيه إذَا مَـا أتْـأرَا ** فَصَّانِ قِيَضَا من عَقِيقٍ أَحْمَرَا

في هَامةٍ غَلْبَاءَ تَهْدِي مِنْسَـرَا ** كَعَطْفةِ الجِيم بِكَفِّ أَعْسَـرَا


أراد أن يشبّه المِنقار بالجيم،

والجيمُ خطَّان الأول الذي هو مبدأُه وهو الأعلى،

والثاني وهو الذي يذهب إلى اليسار،

وإذا لم توصل فلها تعريقٌ كما لا يخفى،

والمنقار إنّما يُشبه الخطَّ الأعلى فقط، فلما كان كذلك قال:

كَعَطْفة الجيم ولم يقل كالجيم، ثم دَقَّق بأن جعلها بكف أعسر،

لأن جيمَ الأعسر قالوا أشبهُ بالمنقار من جيم الأيمن،

ثم إنه أراد أن يؤكّد أنّ الشبهَ مقصورٌ على الخط

الأعلى من شكل الجيم فقال:

يقولُ مَنْ فِيها بعَقْلٍ فـكَّـرا ** ولو زَادها عَيناً إلى فاءٍ وَرَا


فَاتَّصَلتْ بالجيم صَارت جَعْفَرَا،

فأراك عياناً أنه عَمَد في التشبيه إلى الخط الأول من

الجيم دون تعريقها، ودون الخط الأسفل،

أما أمر التعريق وإخراجُه من التشبيه فواضحٌ،

لأن الوصل يسقط التعريق أصلاً، وأما الخط الثاني فهو

وإن كان لا بد منه مع الوصل،

فإنه إذْ قال لو زادها عيناً إلى فَاءَ ورَا ثم قال فاتصلت بالجيم،

فقد بيَّن أن هذا الخط الثاني خارجٌ أيضاً من قصده في التشبيه،

من حيث كانت زيادةُ هذه الحروف ووصلُها هي

السببَ في حدوثه، وينبغي أن يكون قوله بالجيم،

يعني بالعطفة المذكورة من الجيم،

ولأجل هذه الدقة قال يقول مَنْ فيها بعقل فكَّرَا،

فمهّد لما أراد أن يقول، ونبّه على أنّ بالمشبِّه حاجةً

إلى فضل فكرٍ، وأن يكون فكره فكرَ من يراجع عَقْله

ويستعينه على تمام البيان، وجملة القول أنك متى زدت

في التشبيه على مراعاة وصف واحد أو جهة واحدة،

فقد خلت في التفصيل والتركيب، وفتحت باب التفاضُل،

ثم تختلف المنازل في الفضل، بحسب الصُّورة

في استنفادِكَ قوَّة الاستقصاء،

أو رِضاك بالعَفْو دون الجَهْدِ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 7:45 pm

فصل



اعلم أن مما يزدادُ به التشبيهُ دقّةً وسِحْرَاً،

أن يجيء في الهيئات التي تقع على الحركات،

والهيئةُ المقصودة في التَّشبيه على وجهين

أحدهما : أن تقترن بغيرها من الأوصاف كالشكل

واللون ونحوهما، والثاني أن تُجرَّدَ هيئةُ الحركة

حتى لا يُراد غيرها، فمن الأوّل قوله:

والشمسُ كالمرآةِ في كفِّ الأشل

أراد أن يُريك مع الشَّكل الذي هو الاستدارة،

ومع الإشراق والتلألؤ على الجملة،

الحركةَ التي تراها للشمس إذا أنعمتَ التأمُّل،

ثم ما يحصُل في نُورها من أجل تلك الحركة،

وذلك أن للشمس حركةً متصلةً دائمةً في غاية السرعة،

ولنُورها بسبب تلك الحركة تموُّجٌ واضطرابٌ عَجَبٌ،

ولا يتحصل هذا الشبهُ إلا بأن تكون المرآة في يد الأشَلِّ،

لأن حركتها تدور وتتصل ويكون فيها سرعة

وقلقٌ شديد، حتى ترى المرآة، ويقع الاضطراب

الذي كأنه يَسْحَرُ الطَّرْف، وتلك حال الشمس

بعينها حين تُحِدُّ النظر وتُنفذ البصر،

حتى تتبيّن الحركةَ العجيبة في جِرْمها وضوئِها،

فإنك ترى شُعاعُها كأنه يَهُمُّ بأن ينبسط حتى

يفيض من جوانبها، ثم يبدو له فيرجع في

الانبساط الذي بدأه، إلى انقباضٍ كأنه يجمعه من

جوانب الدائرة إلى الوسط، وحقيقة حالِها في ذلك

مما لا يكمُل البصرُ لتقريره وتصويره في النفس،

فضلاً عن أن تكمل العبارة لتأديتهِ،

ويبلغ البيانُ كُنْهَ صورته، ومثلُ هذا التشبيه،

وإن صُوِّر في غير المرآة، قولُ المهلّبي الوزير:

الشمس من مشرقها قد بدتْ ** مُشْرِقةً ليسَ لها حَاجِـبُ

كأنَّهَا بُـوتَـقَةٌ أُحْـمِـيتْ ** يَجُولُ فيهـا ذَهَـبٌ ذَائبُ


وذلك أنّ الذهب الذائب يتشكل بأشكال البوتقة،

فيستدير إذا كانت البوتقة على النار،

فإنه يتحرّك فيها حركةً على الحدِّ الذي وصفتُ لك،

طَبْع الذهب من النُّعومة، وفي أجزائه من شدة

الاتصال والتلاحم، يمنعه أن يقع فيه غليان على

الصفة التي تكون في الماء ونحوه،

مما يتخللُه الهواء فيرتفع وسطه ارتفاعاً شديداً،

ولكن جُملته كأنها تتحرك بحركة واحدة،

ويكون فيها ما ذكرتُ من انبساط إلى الجوانب،

ثم انقباض إلى الوسط، فاعرفه،

ومن عجيب ما جُمِع فيه بينَ الشكل وهيئة الحركة،

قول الصنوبري:

كأنَّ في غُدْرَانِهـا ** حَواجباً ظلَّتْ تُمَطّْ


أراد ما يبدو في صَفْحة الماء من أشكال كأنصاف

دوائرَ صغارِ ثم إنك تراها تمتدّ امتداداً يَنْقص

من انحنائها وتَحَدُّبها، كما تُباعد بين طرفَي

القوس وتثنيهما إلى ناحية الظهر،

كأنك تُقرّبها من الاستواءِ وتسلُبُها بعض شكل التقوُّس،

الذي هو إقبال طرفيها على الآخر،

ومتى حدثتْ هذه الصفة في تلك الأشكال الظاهرة

على متون الغُدران، كانت أشبه شيء بالحواجب إذا مُدَّتْ،

لأن الحاجب لا يخفى تقويسُه، ومدُّه ينقُص من تقويسه،

ومن لطيف ذلك أيضاً أعني الجمع بين الشكل

وهيئةِ الحركة،

قولُ ابن المعتزّ يصف وُقوع القَطْر على الأرض:

بَكَرَتْ تُعِيرُ الأرْضَ ثوبَ شَبابِ ** رَجَبِيّةٌ محمـودةُ الإسـكـابِ

نَثَرتْ أوائلُهَا حَـياً فـكـأنَّـه ** نَقْطٌ على عَجَلٍ بَبَطْن كتـابِ


وأمَّا هيئةُ الحركة مجرَّدةً من كل وصف يكون في الجسم،

فيقع فيها نوع من التركيب، بأن يكون للجسم

حركاتٌ في جهاتٍ مختلفةٍ، نحو أنَّ بعضها يتحرك

إلى يمين والبعض إلى شمال،

وبعضٌ إلى فوق وبعض إلى قُدّام ونحو ذلك،

وكلما كان التفاوُتُ في الجهاتُ التي تتحرك أبعاضُ

الجسم إليها أشدَّ، كان التركيب في هيئة المتحرِّك أكثر،

فحركةُ الرَّحا والدُّولاب وحركة السهم لا تركيب فيها،

لأن الجهة واحدةٌ، ولكن في حركة المُصْحف في قوله:

"فانطباقاً مرَّةً وانفتَاحَا".

تركيبٌ لأنه في إحدى الحالتين يتحرك إلى جهة

غير جهته في الحالة الأخرى،

فمما جاء في التشبيه معقوداً على تجريد هيئة الحركة،

ثم لَطُفَ وغَرُبَ لما فيه من التفصيل والتركيب،

قولُ الأعشى يصف السفينةَ في البحر وتقَاذُفَ الأمواج بها:

تَقِصُ السفينُ بجانبَيه كما ** يَنْزُو الرُّبَاحُ خَلا لَهُ كَرَعُ


الرُّبَاح الفصيل، وقيل القِرد، والكَرَعُ ماء السماء،

شبَّه السفينة في انحدارها وارتفاعها بحركات

الفَصِيل في نَزْوه، وذلك أن الفصيل إذا نَزَا،

ولا سيما في الماء، وحين يعتريه ما يعتري

المُهْرَ ونحوه من الحيوانات التي هي في أوّل النَّشْء،

كانت له حركات متفاوتة تصيرُ لها أعضاؤه في جهات مختلفة،

ويكون هناك تسفُّلٌ وتصعُّدٌ على غير ترتيب،

وبحيث تكاد تدخل إحدى الحركتين في الأخرى،

فلا يتبيّنه الطرْفٍ مرتفعاً حتى يراه منحطّاً متسفِّلاً،

ويَهْوِي مرّةً نحو الرأس ومرّةً نحو الذنب،

وذلك أشبهُ شيء بحال السَّفِينةِ وهيئةِ حركاتها

حين يتدافعها الموجُ، ونظيرهُ قولُ الآخر،

يصف الفصيل وهو يثِبُ على الناقة ويعلوها

ويُلقي نفسه عليها، لأنّها قد بركت فلا يتمكن

من أن يرتضع، فهو يفعل ذلك لِتَثُور الناقة:

يقتاعُها كلُّ فَصِيلٍ مُكْـرَمِ ** كالحَبشِيِّ يرتقي في السُلَّمِ


يقتاعها يفتعل من قولهم: قاع البعير الناقة،

إذا ضربَها، يَقُوعها قَوْعاً، أراد يعلوها وَيَثبتُ عليها،

وشبّه بالحبشي في هذه الحالة المخصوصة،

لما يكون له عند ارتقائه في السُلَّم من تَصعُّدِ بعضِ

أعضائه وتسفُّل بعضِ، على اضطراب مفرطٍ وغَيْثَرة شديدة،

وذلك كما ترى في أنه اختلافٌ في جهات

أبعاض الجسم على غير نظام مضبوط،

كحركات الفصيلِ في الماء وقد خلا له،

وقد عرَّفتك أن الاختلاف في جهات الحركات الواقعة

في أبعاض الجسم، كالتركيب بين أوصاف مختلفة،

ليحصُل من مجموعها شبه خاصّ.


واعلم أنّ هذه الهيئات يغلبُ عليها الحكم المستفاد

من العبرة الثانية، وذلك أن كل هيئة من هيئات

الجسم في حركاته إذا لم يتحرك في جهة واحدة،

فمن شأنها أن تقِلَّ وتعزّ في الوجود،

فيُباعدها ذلك أيضاً من أن تقع في الفكر بسرعة،

زيادةَ مباعدةٍ مضمومة إلى ما يوجب حديثُ

التركيب والتفصيل فيها، ألاَ ترى أن الهيئة التي

اعتمدها في تشبيه البَرْق بالمصحف،

ليست تكون إلا في النادر من الأحوال،

وبعد عَمْد من الإنسان، وخروج عن العادة،

وبقصدٍ خاصّ أو عَبَثٍ غالب على النفس غير

معتاد وهكذا حال الفصيل في وثوبه على أُمّه ليثيرها

واستنانِهِ في الماء ونَزْوِهِ، كما توجبه رؤيتُه الماءَ خالياً،

وطباعُ الصِّغَر والفَصِيلةُ مما لا يُرَى إلا نادراً،

وليس الأمر في هذا النحو كالأمر في حركة الدُّولاب

والرَّحا والسهم ونحو ذلك من الحركات المعتادة

التي تقع في مَصارِف العيونِ كثيراً،

ومما يقوَى فيها أن يكون سببُ غرابته قلّةَ رؤية العيون له،

ما مضى من تشبيه الشمس بالمرآة في كفّ الأشّل،

وذلك أن الهيئةَ التي تراها في حركة المرآة إذا

كانت في كفّ الأشلّ، مما يُرَى نادراً وفي الأقلّ،

فربما قضى الرجل دهره ولا يتفق له أن يرى

مرآةً في يد مرتعش، هذا وليس موضع الغرابة

من التشبيه دوام حركة المرآة في يد الأشلّ فقط،

بل النكتة والمقصودُ فيما يتولَّدُ من دوام تلك الحركة

من الالتماع وتموَّج الشعاع،

وكونه في صورةِ حركاتٍ من جوانب الدائرة إلى وسطها،

وهذه صفةٌ لا تقوم في نفس الرائي المرآةَ

الدائمةَ الاضطراب، إلاّ أن يستأنف تأمّلاً،

وينظر متثبِّتَاً في نظره متمهلاً،

فكأن ها هنا هيئتين كلتاهما من هيئات الحركة

إحداهما حركة المرآة على الخصوص الذي يوجبه

ارتعاش اليد والثانية حركةُ الشعاع واضطرابُه

الحادث من تلك الحركة، وإذا كان كون المرآة

في يد الأشلّ مما يُرَى نادراً، ثم كانت هذه الصفة التي

هي كائنةٌ في الشُّعاع، إنما تُرَى وتُدرَك في حال رؤية

حركة المرآة بجَهْدٍ وبعد استئنافِ إعمالٍ للبصر،

فقد بعُدت عن حدّ ما تُعْتاد رؤيته مرّتين،

ودخلت في النادرِ الذي لا تألفه العيون من جهتين فاعرفه.


واعلم أنه كما تُعْتَبرَ هيئة الحركة في التشبيه،

فكذلك تُعْتَبَر هيئةُ السكون على الجملة وبحسب اختلافه،

نحو هيْئة المضطجع وهيئة الجالس ونحو ذلك،

فإذا وَقَع في شيء من هيئات الجسم في سكونه

تركيبٌ وتفصيلٌ، لَطُف التشبيه وحَسُن،

فمن ذلك قول ابن المعتزّ يصف سَيْلاً:

فلما طَغَا ماؤُه فـي الـبـلاد ** وغَصَّ به كُـلُّ وادٍ صَـدِي

تَرَى الثورَ في مَتْنِهِ طـافـياً ** كَضَجْعَة ذي التاج في المَرْقَدِ


وكقول المتنبي في صفة الكلب: "يُقْعِي جُلوس البَدَوِيِّ المُصطَلِي".


فقد اختَصَّ هيئة البدويّ المصطلي،

في تشبيه هيئة سكون أعضاء الكلب ومواقعها فيها،

ولم يَنَل التشبيهُ حظّاً من الحسن،

إلا بأنّ فيه تفصيلاً من حيث كان لكل عُضوٍ من

الكلب في إقعائه موقعٌ خاصّ، وكان مجموع تلك الجهات

في حكم أشكال مختلفة تؤلَّف فتجيء منها صُورة خاصّة،

ومن لطيف هذا الجنس قوله في صفة المصلوب:

كأنه عاشقُ قد مَدَّ صفحـتَـهُ ** يومَ الوداع إلى توديع مرتحلِ

أو قائمٌ من نُعاسٍ فيه لُوثَتُـه ** مُواصلٌ لتمطِّيهٍ من الكَسَـلِ


ولم يلطف إلا لكثرة ما فيه من التفصيل،

ولو قال كأنه متمطٍّ من نعاس واقتصر عليه،

كان قريب المتناول، لأن الشَّبه إلى هذا القدر يقع في

نفس الرائي المصلوبَ، لكونه من حَدِّ الجملة،

فأمَّا بهذا الشرط وعلى هذا التقييد الذي يفيد به

استدامَةَ تلك الهيئة، فلا يحضر إلا مع سَفَرٍ من الخاطر،

وقُوّةٍ من التأمل، وذلك لحاجته أن ينظر إلى غير جهة

فيقول هو كالمتمطّي، ثم يقول المتمطِّي يمدّ ظهره

ويديه مدّةً، ثم يعود إلى حالته، فيزيد فيه أنه مُواصلٌ لذلك،

ثم إذا أراد ذلك طلب عِلّته، وهي قيام اللُّوثة والكَسل

في القائم من النعاس، وهذا أصلٌ فيما يزيد به التفصيل،

وهو أن يُثَبت في الوصف أمرٌ زائدٌ على المعلوم المتعارَف،

ثم يُطْلب له علّةٌ وسببٌ. ويُشبه التشبيهَ في البيت قولُ الآخر،

وهو مذكور معه في الكتب:

لم أرَ صَفّاً مثلَ صَفِّ الزُّطّ ** تِسْعِين منهم صُلِبوا في خطِّ

مِنْ كُلِّ عالٍ جِذْعُه بالشـطِّ ** كأنه في جِذْعِه المُشْـتَـطِّ

أخو نُعاسٍ جَدَّ في التمطّـي ** قد خامر النومَ ولـم يَغِـطّ


فقوله جدّ في التمطي، شرطٌ يُتمّ التشبيه،

كما أن قوله مواصلٌ كذلك، إلاّ أن في اشتراط المواصلة

من الفائدة ما ليس في هذا وذلك أنه يجوز أن يبالغ

ويجتهد ويَجِدَّ في تمطّيه، ثم يدع ذلك في الوقت،

ويعود إلى الحالة التي يكون عليها في السلامة

مما يدعو إلى التمدُّد، وإذا كان كذلك،

كان المستفاد من هذه العبارة صورةُ التمطّي وهيئتُه الخاصّة،

وزيادةُ معنًى، وهو بلوغُ الصفة، غاية ما يمكن أن يكون عليها،

وهذا كلُّه مستفاد من الأوّل، ثم فيه زيادة أخرى،

وهو أَخصُّ ما يُقصَد من صفة المصلوب،

وهي الاستمرار على الهيئة والاستدامة لها،

فأمّا قوله بعدُ: قد خامر النومَ ولم يَغِطِّ،

هو وإن كان كأنه يحاول أن يرُيَنا هذه الزيادةَ من حيث

يُقال إنه إذا أخذه النعاسُ فتمطَّى ثم خامرَ النومَ،

فإن الهيئة الحاصلة له من جِدّه في التمطّي تبقى له

فليس ببالغ مبلغَ قوله: مواصلٌ لتمطِّيه، وتقييده من

بعدُ بأنه من الكسل، واحتياطه قبل بقوله "فيه لُوثتُه".

وشبيه بالأوّل في الاستقصاء قول ابن الرومي:

كَأنَّ له في الجَوِّ حَبْلاً يَبُـوعُـه ** إذا ما انقضى حَبْلٌ أُتيحَ لَهُ حَبْلُ

يُعانِقُ أنْفاسَ الرِّياح مُـودِّعـاً ** ودَاعَ رَحِيلٍ لا يُحَطُّ له رَحْـلُ


فاشتراطُهُ أن يكون له بعد الحب الذي ينهي ذَرْعُه

حبلٌ آخر يخرجُ من بَوْع الأوَّل إليه،

كقوله مواصل لتمطِّيه من الكسل، في استيفاء الشَّبه،

والتنبيه على استدامته، لأنه إذا كان لا يزال يبُوع حبلاً

لم يقبِض باعَه ولم يُرسل يَدَه، وفي ذلك بقاءَ شبه

المصلوب على الاتِّصال فاعرفه.


واعلم أن من حقِّك أن لا تضع الموازنة بين التشبيهين

في حاجة أحدهما إلى زيادة من التأمل على وقتنا هذا

ولكن تنظر إلى حالهما في قُوَى العقل ولم تسمع بواحد منهما،

فتعلم أَنْ لو أرادهما مريدٌ،

أو اتّفقا له جميعاً ولم يكن قد سمع بواحدٍ منهما

أيُّهما كان يكون أسهلَ عليه، وأسرعَ إليه،

وأعطى بيديه، وأيَّهما تجده أدلَّ على ذكاء مَنْ تسمعه منه،

وأرجَى لِتخرُّج مَنْ يقوله، وذلك أن تقابل بين تشبيه النّجوم

بالمصابيح والمصابيح بها، وبين تشبيه سَلِّ السيوف بعقائق

البرق وتشبيهها بسلّ السيوف،

فإنك تعلم أن الأوّل يقع في نفس الصبِّ أوّل ما يُحسّ بنفسه،

وأن الثاني لا يجُيب إجابته، و لا يَبْذُل طاعته وكذلك تعلم

أنّ تشبيه الثريا بنَوْر العنقود لا يكون في قُرْب تشبيهها

بتفتّح النَّور وأنّ تشبيه الشمس بالمرآة المجلوَّة كما مضى،

يقع في نفس الغِرِّ العاميّ والصبيّ،

ولا يقع تشبيهها بالمرآة في كفّ الأشلّ إلا في قلب المميّز

الحصيف وتشبيهُها في حركتها تلك بمرآةٍ تضطربُ على الجملة،

من غير أن تُجعَل في كفّ الأشلّ،

قد يقع لمن لا يقع له بهذا التقييد، وذلك لِما مضى

من حاجته إلى الفكرة في حال الشمس،

وأنّ حركتها دائمةٌ متصلة، ثم طَلبِ متحرّكٍ حركةً غيرَ اختيارية،

وجعلِ حركةِ المرآة صادرةً عن تلك الحركة

ومأسورةً في حكمها دَائماً. وإنما اشترطتُ عليك هذا

الشرط لأنه لا يمتنع أن يسبق الأوّل إلى تشبيه لطيفُ

بحسن تأمّله وحِدّة خاطره، ثم يَشيع ويتَّسع،

ويُذكَر ويُشْهَر حتى يخرج إلى حد المبتذَل،

وإلى المشترَك في أصله، وحتى يجري مع دقة تفصيل

فيه مجرى المجمل الذي تقوله الوليدة الصغيرة

والعجوزة الوَرْهاء، فإنك تعلم أن قولنا لا يُشَقُّ غُباره

الآنَ في الابتذال كقولنا لا يُلْحَق ولا يُدرَك، وهو كالبرق ونحو ذلك ،

إلاّ أنّا إذا رجعنا إلى أنفسنا علمنا أنه لم يكن كذلك من أصله،

وأن هذا الابتذال أتاه بعد أن قَضَى زماناً بطراءة الشباب

وجِدّة الفتاء وبعزّة المنيع، ولو قد مَنَعك جانبه وطوى عنك نفسَهُ،

لعرفتَ كيف يَشُقُّ مطلَبهُ ويصعُب تناوله،

ومثلُ هذا وأظهر منه أمراً أنَّ قولنا أمّا بَعْدُ،

منسوبٍ في الأصل إلى واحد بعينه،

وإن كان الآن في البذْلة كقولنا هذا بعد ذاك، مثلاً،

وهكذا الحلم في الطرق التي ابتدأها الأوَّلون،

والعبارات التي لخّصها المتقدمون،

والقوانين التي وَضعوها حتى صارت في الاشتراك كالشيء

المشترَك من أوَّله، والمبتذَلِ الذي لم يكن الصَّوْنُ من شأنه،

والمبذول الذي لم يعترض دونه المنع في شيء من زمانه،

ورُبّ نفيس جُلب إليك من الأمكنة الشاسعة،

ورُكِبَ فيه النَّوَى الشَطُون، وقُطِعَ به عرضُ الفيافي،

ثم أخفَى عنك فَضْلَه حتى جَهِلتَ قدره أنْ سهُل مرامُه،

واتسع وجوده، ولو انقطع مَدَده عنك حتى تحتاج إلى طلبه

من مظِنَّته، لعلمت إحسان الجائي به إليك،

والجالبِ المقرِّب نَيلَه عليك، ولأكثرتَ من شكره بعد أن أقللت،

وأخذتَ نفسك بتَلاَفي ما أهملت، وكذلك رُبّ شيء نال فوق

ما يستحقّه من شَغف النفوس به،

وأكثرَ مما توجبه المنافع الراجعة إليه،

لأنه لا يتسع اتِّساعَ الأوَّل الذي فوائده أعمُّ وأكثرُ،

ووجودُ العِوَض عنه عند الفقد أعسر، فَكَسَبَتْ عِزّْةُ الوجود

هذا عِزّاً لم يستحقَّه بفضله، كما منعتْ سَعَتُه الآخرَ فضلاً

هو ثابت له في أصله، ويتصل بهذا الموضع حديث

عبد الرحمن بن حسّان، وذلك أنه رجع إلى أبيه حسَّان

وهو صبيّ، يبكي ويقول لَسَعَني طائر، فقال حسان:

صِفْهُ يا بُنيَّ، فقال كأنه مُلْتَفٌّ في بُرْدَىْ حِبرَة،

وكان لسعَهُ زُنْبُور، فقال حسّان قال ابنِي الشِّعر وربِّ الكعبة

أفلا تراه جَعل هذا التشبيه مما يُستدَلُّ به على مقدار قُوّة الطبعِ،

ويُجْعَل عِياراً في الفَرْق بين الذهن المستعدّ للشعر وغير

المستعدّ له، وسَرَّه ذلك من ابنه كما سرّه نفس الشعر

حين قال في وقت آخر:

اللّهُ يَعْلَمُ أنِّي كنتُ مُـنْـتَـبِـذاً ** في دار حَسّانَ أَصْطَادُ اليَعَاسِيبا


فإن قلت إن التشبيه يُتصوَّر في مكان الصِّبْغ والنَّقْش العجيب،

ولم يَعْجِب حسّانَ هذا وإنما أعجبه قولُه ملتفّ،

وحُسنُ هذه العبارة، إذ لو قال: طائر فيه كوَشْي الحبرة،

لم يكن له هذا الموقع، فهو أن يكون مشبهاً ما أنت فيه،

فمن حيث دِلالته على الفطنة في الجملة،

قيل مُسلَّمٌ لك أن نكتة الحسن في قوله ملتفّ،

ولكن لا يسلَّم أنه خارج من الغَرَض،

بل هو عينُ المراد من التَّشبيه وتمامُه فيه،

وذلك أنه يفيد الهيئةَ الخاصّة في ذلك الوشي والصِّبغ

وصورةَ الزنبور في اكتسائه لهما،

ويُؤَدَى الشبه كما مضى من طريق التفصيل دون الجملة،

فما ظننتَ أنّه يُبعده عما نحن بصدده، هو الذي يُدنيه منه،

ولقد نفيتَ العيبَ من حيث أردت إثباته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 7:48 pm

فصل في التشبيه المتعدِّد والفرق بينه وبين المركّب:



اعلم أنِّي قد قدّمتُ بيانَ المركَّب من التشبيه،

وها هنا ما يُذكَر مع الذي عرَّفتك أنه مركَّب ويُقرَن

إليه في الكُتب، وهو على الحقيقة لا يستحق صفة التركيب،

ولا يشارك الذي مَضَى ذكرُه في الوصف الذي له

كان تشبيهاً مركّباً، وذلك أن يكون الكلام معقوداً

على تشبيه شيئين بشيئين ضربةً واحدةً،

إلاّ أن أحدهما لا يداخل الآخر في الشَّبه،

ومثاله في قول امرئ القيس:

كأنَّ قُلُوبَ الطَّير رَطْبـاً ويابـسـاً ** لَدَى وَكْرِهَا العُنّابُ والحشَفُ البَالي


وذلك أنه لم يقصِد إلى أن يجعل بين الشيئين اتصالاً،

وإنما أراد اجتماعاً في مكانٍ فقط،

كيف ولا يكون لمضامَّة الرَّطْب من القلوب اليابسَ هيئةٌ يُقصَد ذِكْرُها،

أو يُعنَى بأمرها، كما يكون ذلك لتباشيرِ الصُّبح في أثناء الظلماء،

وكون الشَّقِيقة على قَامتها الخضراء،

فيودِّيَ ذلك الشبهَ الحاصلَ من مُداخلة أحد المذكورين

الآخرَ واتّصاله به، اجتماعُ الحشَف البالي والعُنّاب،

كيف ولا فائدة لأن ترى العُنّاب مع الحشَف،

أكثر من كونهما في مكان واحد،

ولو أن اليابسة من القُلوب كانت مجموعةً ناحيةً،

والرطبة كذلك في ناحية أخرى، لكان التشبيه بحاله،

وكذلك لو فرَّقت التشبيه فقلت: كأنّ الرَّطب من القلوب عُنّابٌ،

وكأنّ اليابس حَشَفٌ بالٍ، لم تر أحدَ التشبيهين موقوفاً

في الفائدة على الآخر، وليس كذلك الحكم في المرَكَّبات التي تقدَّمتْ،

وقد يكون في التشبيه المركَّب ما إذا فضضتَ تركيبَهُ

وجدت أحد طرفيه يخرُج عن أن يصلح تشبيهاً لِما

كان جاء في مقابتله مع التركيب بيانُ ذلك أن الجِلال في قوله

"كَطِرْفٍ أشهبٍ مُلْقَى الجِلال".

في مقابلة الليل، وأنت لو قلت كأن الليل جِلال

وسَكَتَّ لم يكن شيئاً، وقد يكون الشيء منه

إذا فُضَّ تركيبه استوى التشبيه في طَرَفيه،

إلا أن الحال تتغير، ومثال ذلك قوله:

وكأن أجرامَ النُّجومِ لوامعـاً ** دُرَرٌ نُثِرْنَ على بِسَاطٍ أزرقِ


فأنت وإن كنت إذا قلت: كأنّ النجوم دُرَرٌ،

وكأن السماء بساطٌ أزرق، وجدت التشبيه مقبولاً معتاداً مع التفريق،

فإنك تعلم بُعد ما بين الحالتين،

ومقدارَ الإحسانَ الذي يذهب من البين،

وذلك أن المقصودَ من التشبيه أن يُرِيَك الهيئةَ التي تملأ

النواظر عَجباً وتستوقف العيون وتستنطق القلوب بذكر

اللّه تعالى من طُلوع النجوم مؤتلفةً مُفْتَرِقةً في أديم

السماء وهي زرقاءُ زُرْقَتها الصافية التي تخدع العين،

والنجوم تتلألأ وتبرُق في أثناء تلك الزرقة،

ومَنْ لك بهذه الصورة إذا فرَّقت التشبيه،

وأزلت عنه الجمع والتركيب?

وهذا أظهر من أن يَخْفَى، وإذْ قد عرفتَ هذه التفاصيل،

فاعلم أن ما كان من التركيب في صورة بيت امرئ القيس،

فإنما يستحق الفضيلة من حيثُ اختصار اللفظ

وحُسن الترتيب فيه، لا لأن للجمع فائدةً في عين التشبيه،

ونظيرُه أنَّ للجمع بين عِدّة تشبيهاتٍ في بيتٍ كقوله:

بَدَت قمراً ومَاسَت خُوطَ بانٍ ** وفَاحت عنبراً ورَنَتْ غزالاَ


مكاناً من الفضيلة مرموقاً، وشأواً ترى فيه سابقاً

ومسبوقاً لا أنّ حقائق التشبيهات تتغير بهذا الجمع،

أو أن الصُوَر تتداخل وتتركّب وتأتلف ائتلافَ

الشكلين يصيران إلى شكل ثالث، فكونُ قدِّها كخُوط البان،

لا يزيد ولا ينقص في شبه الغزال حين ترنُو منه العينان،

وهكذا الحكم في أنها تفوح فَوْحَ العنبر،

ويلوح وَجهها كالقمر، وليس كذلك بيت بشار:

كأنّ مثار النقع، لأن التشبيه هناك كما مضى مركَّب

وموضوع على أن يُريَك الهيئةَ التي ترى عليها النَّقْع المظلم،

والسيوفُ في أثنائه تبرُق وتُومِض وتعلو وتنخفض،

وترى لها حَرَكات من جهات مختلفة كما يوجبه الحال

حين يحمَى الجِلاد، وترتكض بفرسانها الجياد.

كما أن قول رؤبة مثلاً:

فيها خطوطٌ من سَوَادٍ وبَلَقْ ** كأنّها في الجِلْد تَوْلِيعُ البَهقْ


ليس القَصْدُ فيه أن يُرِيَك كل لونٍ على الانفراد،

وإنما القصدُ أن يُرَى الشَّبه من اجتماع اللونين،

وقول البحتري:

تري أحْجَالَهُ يَصْـعَـدْنَ فِـيه ** صُعودَ البَرْق في الغَيْمِ الجَهَامِ


لا يريد به تشبيه بياض الحُجول على الانفراد بالبَرْق،

بل المقصودُ الهيئةُ الخاصّة الحاصلةُ من مخالطة

أحد اللونين الآخر، كذلك المقصود في بيت بشّار

بتشبيه النَّقع والسيوف فيه، بالليل المتهاوي كواكبه،

لا تشبيهَ الليلِ بالنَّقْع من جانب، والسيوف بالكواكب

من جانب، ولذلك وجب الحكم، كما كنت ذكرت في موضع،

بأنّ الكلام إلى قوله:

وأسيافنا في حكم الصلة للمصدر،

وجارٍ مجرى الاسم الواحد،

لئلا يقع في التشبيه تفريق ويُتوهَّم أنه كقولنا كأن

مثار النقع ليل وكأن السيوف كواكب،

ونصبُ الأسياف لا يمنع من تقدير الاتصال،

ولا يوجب أن يكون في تقدير الاستئناف،

لأن الواو فيها معنى مع، كقوله: "فإنِّي وقَىّاراً بهَا لَغَرِيب"

وقوله كُلُّ رجلٍ وَضَيْعَتُهُ، وهي إذا كانت بمعنى مع،

لم يكن في معطوفها الانقطاع، وأن يكون الكلام في حكم جملتين،

ألا ترى أن قولهم: لو تُرِكت النَّاقَةُ وفصيلَها لَرَضِعَها،

لا يكون بمنزلة أن تقول لو تُركت الناقة ولو تُرك فصيلها،

فتجعل الكلام جملتين وكذا لا يمكنك أن تقول

كل رجل كذا وضيعَتُهُ كذا، فتفرَّق الخبر عنهما

كما يجوز في قولك زيد وعمرو كريمان،

أن تقول: زيد كريم وعمرو كريم، وهذا موضع غامض،

وللكلام فيه موضع آخر، وإن أردت أن تزداد تبييناً،

لأن التشبيه إذا كان معقوداً على الجمع دون التفريق،

كان حالُ أحد الشيئين مع الآخر حالَ الشَّيء في صلة

الشيء وتابعاً له ومبنيّاً عليه، حتى لا يُتصوَّر إفراده بالذكر،

فالذي يُفضي بك إلى معرفة ذلك أنك تجد في

هذا الباب ما إذا فُرّق لم يَصْلُح للتشبيه بوجْهٍ، كقوله:

كأنَّما المِرِّيخُ والمُشتَـرِي ** قُدّامَهُ في شامِخ الرِّفعَهْ

مُنصرفٌ بالليل عن دعوةٍ ** قد أُسْرِجَت قُدَّامَهُ شَمْعَه


لو قلت كأنّ المريخ منصرفٌ بالليل عن دعوة،

وتركت حديث المشتري والشَّمعة، كأن خَلْفاً من القول،

وذاك أن التشبيه لم يكن للمِرِّيخ من حيث هو نفسه،

ولكن من حيث الحالة الحاصلة له من كون المشترِي أمامه،

وأنت وإن كنت تقول: المشترِي شمعة،

على التشبيه العامِي الساذج في قولهم كأنّ النُّجوم

مصابيح وشموع، فإنه لم يضع التشبيه على

هذا وإنما قصد إلى الهيئة التي يكتسبها المِرِّيخ

من كون المُشْتَرِي أمَامه، وهكذا قولُ ابن المعتزّ:

كأنَّهُ وكأنَّ الكأسَ فـي فَـمِـهِ ** هلالُ أوَّل شهرٍ غابَ في شَفَقِ


لم يقصد أن يشبه الكأسَ على الانفراد بالهلال،

والشَّفة بالشفق على الاستئناف، بل أراد أن يشبّه

مجموع الصُّورتين، ألا ترى أنك لو فرّقت لم تَحْلَ

من التشبيه بطائل، إذ لا معنى لأن تقول:

كأن الشفة شفق، وتسكت،

أترى أن قولَه:

بَيَاضٌ في جَوانِبـه احـمـرارٌ ** كَما احْمَرَّتْ من الخجَلِ الخُدودُ


استوجبت الفضل والخروج من التشبيه العاميّ،

وأن يقال قد زاد زيادةً لم يُسبق إليها،

إلا بالتركيب والجمع، وبأن ترك أن يُرَاعَى الحمرة وَحْدَها.


وقال القاضي أبو الحسن رحمه اللّه:

لو اتفق له أنْ يقول احمرار في جوانبه بياض،

لكان قد استوفى الحسن وذلك لأن خَدَّ الخَجَلِ هكذا،

يُحْدِقُ البياضُ فيه بالحمرة لا الحمرة بالبياض،

إلاّ أنه لعله وجد الأمر كذلك في الوَرْدة،

فشبّه على طريق العكس فقال هذا البياضُ حوله الحمرة ها هنا،

كالحمرة حولها البياض هناك، فانظر الآن، إنْ فرَّقت،

كيف يتفرَّق عنك الحسن والإحسان،

ويحضرُ العِيُّ ويذهب البَيان لأن تشبيه البياض

على الانفراد لا معنى له، وأما تشبيهُ الحمرة،

وإن كانت تصحّ على الطريقة الساذجة أعني تشبيه

الورد الأحمر بالخد فإنه يَفْسُد من حيث أن القصد

إلى جنس من الورد مخصوصٌ، هو ما فيه بياضٌ

تُحدِق به حمرةٌ، فيجب أن يكون وصف المشبَّه به

على هذا الشرط أيضاً، وبهذا الاختصاص ولما ذكرت لك،

تجد أحد المشبَّهين في الأمر الأْعمّ الأكثر وقد ذُكِر

في صلة الآخر، ولم يُعطَف عليه كقوله:

"والشَّيْبُ ينهضُ في الشَبابِ"

و"بَيَاض فِي جَوانِبه احمرارُ".

وأشباه ذلك، فإن جاءت الواو كانت واو حال كقوله:

كأنَّما المِرِّيخُ والمُشْتَرِي ** قُدّامه في شامخ الرفعه


وهي إذا كانت حاليّة، فهي كالصفة في كونها تابعة،

وبحيث لا ينفرد بالذكر، بل يُذكر في ضمن الأول،

وعلى أنه من تَبَعه وحاشيته، وهكذا الحكم في الطرف الآخر،

ألا ترى قوله:

ليل تهاوَى كواكبه


فَتَهاوى كواكبه، جملة من الصِّفة لليل،

وإذا كان كذلك، فالكواكب مذكورة على سبيل التَّبَع لليل،

ولو كانت مستبِدّةً بشأنها لقُلتَ: ليل وكواكب،

وكذلك قوله:

لَيْلٌ يَصِيحُ بِجَانبيه نَهارُ


وأشدُّ من ذلك أن يجيء كما في الطَّرف الثاني

كقوله: "كما احمرَّت من الخَجَلِ الخُدودُ"

وبيتُ امرئ القيس على خلاف هذه الطريقة،

لأن أحد الشيئين فيه في الطرفين معطوف على الآخر،

أما في طَرف الخبرِ، وهو طرف المشبَّه به، فبيّنٌ وهو قوله:

"العُنّاب والحَشَفُ البالِي" وأما في طرف المُخْبَرِ عنه،

وهو المشبَّه، فإنك وإن كنت ترى اسماً واحداً،

هو القلوب، فإن الجمع الذي تفيده الصيغةُ في

المتفق يجري مجرى العطف في المختلف،

فاجتماعُ شيئين أو أشياء في لفظ أو جمعٍ،

لا يوجب أن أحدهما في حكم التابع للآخر،

كما يكون ذلك إذا جرى الثاني في صفة الأول أو حاله

أو ما شابه ذلك، هذا وقد صرّح بالعطف في البدل،

وهو المقصود فقال: رطباً ويابساً.


واعلم أنه قد يجيء في هذا الباب شيء له حدٌّ آخر،

وهو نحو قوله:

إني وتزييني بمَدحِيَ معشراً ** كمُعلَّقٍ دُرّاً على خِنْـزِيرِ


هو على الجملة جمعٌ بين شيئين في عَقْد تشبيه،

إلاّ أن التشبيه في الحقيقة لأحدهما،

ألا ترى أن المعنى على أنَّ فِعْلَهُ في التزيين بالمدح،

كفِعل الآخر في محاولته أن يزّين الخنزير بتعليق الدُرّ عليه?

ووجه الجمع أنّ كل واحد منهما يضع الزينة

حيث لا يظهر لها أثرٌ، لأن الشيء غير قابل للتحسين،

ومتى كان المشبَّه به كمعلّق في البيت،

فلا شكّ أن التشبيه لا يرجع إلى ذات الشيء،

بل المعنى المشتقّ منه الصفة،

وإذا رجع إليه مقروناً بصلته على ما مضى في نحو

مَا زَالَ يَفْتِل في الذِّروة والغارب، فقد شبّه تزيينَه

بالمدح مَن ليس من أهله، بتعليق الدُّر على الخنزير

هكذا بجملته، لا بالتعليق غير معدًّى إلى الدُّرّ والخنزير،

فالشبهُ مأخوذ من مجموع المَصْدَر وما في صلته،

ولا بُدّ للواو في هذا النحو أن تكون بمعنى مع،

وأمرها فيه أبين، إذ لا يمكن أن يقال

إنّي كذا وإنّ تزييني كذا، لأنه ليس معنا شيئان

يكون أحدُهما خبراً عن ضمير المتكلم في إني

الذي هو المعطوف عليه،

والآخرُ عن تزييني المعطوف، كما يكون نحو بيت بشّارٍ

شَيئان يمكن في ظاهر اللفظ أن يُجعل أحدهما خبراً عن النَّقع،

والآخر عن الأسياف، إلى أن تجيء إلى فساده من جهة المعنى،

فأنت في نحو إني وتزييني مُلْجَأٌ إلى جعل الواو

بمعنى مع من كل وجه، حتى لا تقدر على إخراج الكلام

إلى صورةٍ تكون فيها الواو عارية من معنى مع،

ويكون تشبيهاً بعد تشبيه. فإن قلتَ إنّ في مُعلِّقٍ معنى

الذات والصفةِ معاً، فيمكن أن يكون أراد أن يشبّه

نفسه بذات الفاعل و تزيينه بالفعل نفسه،

أقول لو أُريد إنّي كمعلّق دُرّاً على خنزير،

وإن تزييني بمدحي معشراً كتعليق دُرّ على خنزير،

كان قولاً ظاهر السقوط، لما ذكرتُ من أنه لا يُتصوَّر

أن يشبّه المتكلم نفسَه، من حيث هو زيدٌ مثلاً،

بمعلّق الدُرّ على الخنزير من حيث هو عَمْرٌو،

وإنما يشبّه الفعل بالفِعْلِ فاعرفه.


فإن قلت فما تقول في قوله:

وحتى حسبتُ الليلَ والصبحَ إذ بَدَا ** حِصانَين مُخْتالَين جَوْناً وأشْقَـرَا


فإن ظاهره أنه من جنس المفرَّق، أقول نعم،

إلا أن ثَمَّةَ شيئاً كالجمع، وهو أنّ لاقتران

الحصانين الجون والأشقر في الاختيال ضرباً

من الخُصوصية في الهيئة، لكنه لا يبلغ مبلغَ

ليلٌ تَهاوَى كواكبُه، ولا مبلَغَ قوله:

"وَالصُّبْحُ مثل غُرّةٍ في أدْهَمِ".



كما أنّ قولَه:

دُون التَّعانُقِ ناحلَين كَشَكْلَتَي ** نَصْبٍ أَدَقَّهُما وضَمَّ الشاكلُ

لا يكون كقوله:

إني رَأيتُك في نَومي تُعانِقُني ** كما تُعانِقُ لامُ الكَاتِبِ الألِفَا

فإن هذا قد أدَّى إليك شكلاً مخصوصاً لا يُتصوَّر في

كل واحد من المذكورين على الانفراد بوجه،

وصُورةً لا تكون مع التفريق وأما المتنبي فأراك

الشيئين في مكان واحد وشدّد في القُرب بينهما،

وذاك أنه لم يعرض لهيئة العِناقِ ومخالفتها صورة الافتراق،

وإنما عَمد إلى المبالغة في فرط النُّحول،

واقتصر من بيان حال المُعانقة على ذكر الضَّمِّ مطلقاً

والأوّل لم يُعْنَ بحديث الدقّة والنحول،

وإنما عُني بأمر الهيئة التي تحصل في العناق خاصّةً،

من انعطاف أحد الشكلين على صاحبه،

والتفاف الحبيب بمُحِبّه، كما قال:

لَفَّ الصَّبا بقَضِيبٍ قضِيبَا

وأجاد وأصاب الشبه أحسن إصابةٍ،

لأن خَطَّى اللام والألف في لا ترى رأسيهما في جهتين،

وتراهما قد تماسًّا من الوسط، وهذه هيئة المعتنقين

على الأمر بالمعروف، فأما قصد المتنبي فليس بصفة

عِناق على الحقيقة، وإنما هو تضامٌّ وتلاصقٌ،

وهو بنحو قوله:

ضَمَمْتُهُ ضَمَّةً عدنا بِها جَسَداً ** فَلَوْ رَأَتْنَا عَيُونٌ ما خَشِينَاها

أشبهُ، لأن القصد في مثله شدّة الالتصاق،

من غير تعريج على هيئة الاعتناق،

وذهب القاضي في بيت المتنبي إلى أنه كأنه

معنى مُفْرد غير مأخوذ من قوله:

كما تُعانِقُ لامُ الكَاتِبِ الألفَا

وقال: ولئن كان أخذه، كما يقولون، فليس عليه مَعْتَب،

لأنّ التعب في نقله ليس بأقلّ من التعبِ في ابتدائه.


وهذا التفضيل والتفصيل من قول القاضي ليس

قادحاً في غرضي، لأنّي أردتُ أن أُرِيَك مثالاِ في

وضع التشبيه على الجمع والتفريق،

وأجعل البيتين مِعياراً فيما أردت،

ولئن كان المتنبي قد زاد على الأوّل،

فليس تلك الزيادة من حيث وضع الشبه على تركيب شكلين،

ولكن من جهة أخرى، وهي الإغراق في الوصف

بالنحول وجَمْعِ ذلك للخِلَّين معاً، ثم إصابة مثالٍ له

ونظيرٍ من الخطِّ، فاعرف ذلك، ولا تظنّ أن قصدي

المفاضلة بين البيتين من حيث القول في السابق والمسبوق،

والأخذ والسرقة،

فتحسبَ أني خالفت القاضي فيما حكم به.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 7:54 pm

فصل



"
هذا فنٌّ غير ما تقدَّم في الموازنة بين التشبيه والتمثيل".

اعلم أنّي قد عرّفتك أن كل تمثيل تشبيهٌ،

وليس كل تشبيه تمثيلاً، وثبَّتُّ وجهَ الفرق بينهما،

وهذا أصلٌ إذا اعتبرتَه وعرَضت كلَّ واحدٍ منهما

عليه فوجدته يجيء في التشبيه مجيئاً حسناً،

وينقاد القياس فيه انقياداً لا تَعسُّف فيه،

ثم صادفته لا يطاوعك في التمثيل تلك المطاوعة،

ولا يجري في عِنَان مرادك ذلك الجري ظهر لك نوعٌ

من الفرق والفصل بينهما غير ما عرفتَ،

وانفتح منه بابٌ إلى دقائق وحقائق،

وذلك جَعْلُ الفرعِ أصلاً والأصل فرعاً،

وهو إذا استقريت التشبيهات الصريحة وجدته يكثُر فيها،

وذلك نحوُ أنهم يشبّهون الشيء فيها بالشيء في حال،

ثم يعطفون على الثاني فيشبّهونه بالأول،

فترى الشيء مُشبَّهَاً مرّةً، ومشبَّهاً به أخرى،

فمن أظهر ذلك أنك تقول في النجوم كأنها مصابيح،

ثم تقول في حالة الأخرى في المصابيح كأنها

نجوم ومثلُه في الظهور والكثرة تشبيهُ الخدّ بالورد،

والورد بالخدّ وتشبيه الرَّوض المنوَّر بالوَشْي

المُنَمْنَم ونحو ذلك، ثم يُشبَّه النقش والوَشْيُ في

الحُلَل بأنوار الرياض وتُشبَّه العيون بالنرجس،

ثم يُشبَّه النرجس بالعيون، كقول أبي نواس:

لَدَى نَرْجِسٍ عَضِّ القِطَافِ كأنّه ** إذَا مَا مَنَحْنَاهُ العُـيونَ عُـيونُ


وكذلك تشبيه الثَّغر بالأقاحي، ثم تشبيهُها بالثعر،

كقول ابن المعتز:

والأُقحوانُ كالثَّنايا الغُـرّ ** قد صُقِلتْ أنوارُه بالقَطْرِ

وقول التَّنوخي:

أقْحوانٌ مُعانقٌ لشـقـيقٍ ** كثُغُورٍ تَعَضُّ وردَ الخدودِ

وبعدهُ، وهو تشبيه النرجس بالعيون:

وعُيونٌ من نَرْجِس تَتَراءَى ** كعُيونٍ مَوْصُولةِ التَّسهيدِ

وكما يشبّهون السيوف عند الانتضاء بعقائق البُرُوق، كما قال:

وسَيْفِي كَالعَقِيقة وهو كِمْعِي ** سِلاَحِي لا أفلَّ ولاَ فُطَارَا

ثم يعودون فيشبّهون البَرْق بالسيوف المُنْتضَاة،

كما قال ابن المعتزّ يصف سحابة:

وساريةٍ لا تَـمَـلُّ الـبـكـا ** جَرَى دَمْعها في خُدُود الثَّرَى

سَرَت تقدَحُ الصُّبْحَ في ليلهـا ** ببرْقٍ كَهِنْـدِيةٍ تُـنـضَـى


وكقول الآخر يصف نار السَّذَق:

ومازال يعلوعَجاجُ الـدُّخـان ** إلى أن تَلوَّنَ مـنـه زُحَـلْ

وكنّا نرى الموجَ مـن فِـضّةٍ ** فذَّهبهُ النُّورُ حتى اشـتـعـلْ

شَراراً يُحاكى انقضاضَ النجومِ ** وبَرْقاً كإيماض بِيضِ تُـسَـلّ


ومن لطيفه قول علي بن محمد بن جعفر:

دِمَـنٌ كـأنَّ رِياضَـهــا ** يُكْسَيْنَ أعلاَمَ المَـطَـارِفْ

وكـأنَّـمـا غُـدْرَانُـهـا ** فيها عُشورٌ من مَصَاحِـفْ

وكـأنّـمـا أنـوارُهــا ** تهتزُّ في نَكْبَاء عـاصـفْ

طُرَرُ الوَصَـائف يَلْـتَـق ** ين بها إلى طُرَر الوَصَائفْ

وكأنّ لَـمْـعَ بُـروقِـهـا ** في الجوّ أسيافُ المُثَاقِـفْ



المقصود البيت الأخير، ولكن البيت إذا قُطع عن القطعة

كان كالكعاب تُفرَد عن الأتراب، فيظهر فيها ذُلُّ الاغتراب،

والجوهرة الثمينة مع أخواتها في العقد أبهى في العين،

وأملأُ بالزين، منها إذا أفردتْ عن النظائر،

وبَدَت فَذَّةً للناظر، يشبّهون الجواشن والدروع بالغدير

يضرب الريح متنَه فيتكسَّر،

ويقع فيه ذلك الشَنَج المعلوم كقوله:

بيضاءَ زَغْفٍ نَـثْـلةٍ سُـلَـمِـيَّةٍ ** لها رَفْرَفٌ فوق الأَنَامِل من عَلُ

أَشْبَرَنيها الهـالـكـيّ كـأنـهـا ** غَدِيرٌ جَرَت في متنه الرِّيحُ سَلسَلُ


وقال:

سابغةً من جياد الـدُّروع ** تَسْمَعُ للسيف فيها صَلِيلاَ

متْنِ الغَدِير زَفَتْهُ الدَّبـورُ ** يجرُّ المُدَجَّجُ منها فُضُولاَ

وقال البحتري:

مْشُون في زَغْفٍ كأنّ مُتونَها ** في كل مَعْرَكةٍ مُتونُ نِهَاءِ

وهو من الشهرة بحيث لا يخفى، ثم إنهم يعكسون هذا

التشبيه فيشبّهون الغُدران والبِرَك بالدروع والجواشن،

كقول البحتري يصف البِرْكة:

ذا عَلَتْها الصَّبا أبدت لها حُبُكـاً ** مِثْل الجَواشِنِ مصقولاً حواشيها

ومن فاتن ذلك وفاخره، لاستواء أوّله في الحسن وآخره،

قول أبي فراس الحمداني:

نظُر إلى زَهْـرِ الـربـيعِ ** والماءِ في بِرَك الـبـديع

إذا الرياحُ جـرَتْ عـلـيـ ** ـهِ في الذَّهابِ وفي الرجوعِ

نثَرَتْ على بِيض الصَّـفَـا ** ئح بيننا حَـلَـق الـدروعِ


وتُشبَّه أنوارُ الرياض بالنجوم، كقوله:

كَتِ السماءُ بها رَذَاذَ دُموعِها ** فغَدت تَبسَّمُ عن نجومِ سماءِ

ثم تُشبَّه النجوم بالنَّوْر كقوله:

قد أقذِفُ العيسَ في لـيلٍ كـأنّ بـه ** وَشياً من النَّوْرِ أو رَوْضَاً من العُشُبِ

وكقول ابن المعتز:

كأنّ الثُّريَّا في أواخرِ ليلها ** تَفَتُّحُ نَوْرٍ أو لجامٌ مُفَضَّضُ

وقال:

وتَوقَّد المِرِّيخُ بين نُجـومـهـا ** كبَهارَةٍ في رَوْضَةٍ من نرجسِ


وكذلك تُشبَّه غُرّة الفرس الأدهم بالنَّجم أو الصبح،

ويجعل جسمه كالليل، كما قال ابن المعتزّ:

جاء سَلـيلاً مـن أبٍ وأمّ ** أدهمَ مصقولَ ظَلامِ الجِسْمِ

قد سُمِّرت جَبْهَتُه بنجْـمِ

وكما قال كاتب المأمون يصف فرساً:

قَدْ بَعثْنَـا بـجَـوَادٍ ** مِثْلَـه لَـيْس يُرامُ

فَرسٌ يُزهَى به للحُـ ** ـسْنِ سَرْجٌ ولِجـامٌ

وَجْهُه صبحٌ ولكـن ** سائر الجِسْم ظـلامُ

وَالذي يصلح للمَـوْ ** لَى على العبدِ حَرَامُ

وقال ابن نُباتة:

وأَدْهَمَ يستمد الليلُ منه ** وتطلُع بين عَيْنَيه الثُّرَيَّا

ثم يُعكَس فيشبَّه النجمُ أو الصبح بالغرّة في الفرس،

كقول ابن المعتزّ:

والصُّبح في طُرّة ليلٍ مُسْفِرِ ** كأنه غُرّةُ مُهـرٍ أشـقـرِ


وتُشبَّهُ الجواري في قدودهن بالسَّرْوِ تشبيهاً عامّيّاً مُبْتذَلاً،

ثم إنهم قد جعلوا فيه الفَرْعَ أصلاً،

فشبّهوا السَّرْوَ بهنّ، كقوله:

حُفَّتْ بسَرْوٍ كالقِيانِ تَلَـحـفّـتْ ** خُضْرَ الحريرِ على قَوَامٍ مُعْتَدِلْ

فكأنّها والرِّيحَ حين تُمِـيلُـهـا ** تَبْغِي التعانُق ثم يَمْنَعُها الخَجَـلْ


والمقصود من البيت الأول ظاهرٌ،

وفي البيت الثاني تشبيه من جِنس الهيئة المجرَّدة من

هيئات الحركة، وفيه تفصيل طريفٌ فاتنٌ،

فقد رَاعَى الحركتين حركة التهيُّؤ للدنوّ والعناق،

وحركة الرُّجوع إلى أصل الافتراق،

وأدَّى ما يكون في الحركة الثانية من سرعةِ زائدةٍ تأديةً

تحْسبَ معها السّمعَ بصراً، تبييناً للتشبيه كما هو وتصوُّراً،

لأن حركة الشجرة المعتدلة في حال رجوعها إلى

اعتدالها أسرعُ لا محالة من حركتها في حال خروجها

عن مكانها من الاعتدال، وكذلك حركةُ من يُدركه

الخجَلُ فيرتدع، أسرعُ أبداً من حركته إذا همَّ بالدنوّ،

فإزعاج الخوف والوَجَل أبداً أقوى من إزعاج

الرجاء والأمل، فمع الأوّل تمهُّل الاختبار، وسعة الحِوار،

ومع الثاني حَفْزُ الاضطرار وسلطان الوُجوب،

وأعود إلى الغَرض، ومن تشبيه السَّرو بالنساء

قولُ ابن المعتزّ:

ظلِلتُ بمَلْـهَـى خَـيْرِ يومٍ ولـيلةٍ ** تَدُور علينا الكأسُ في فِتـيةٍ زُهْـرِ

بكَـفِّ غـزالٍ ذي عِـذارٍ وطُـرّةٍ ** وصُدْغَين كالقَافَيْن في طَرَفَيْ سَطْرِ

لَدَى نرجسٍ غَضٍّ وسَرْوٍ كأنـه ** قُدودُ جَوارٍ مِلْنَ في أُزُرٍ خُضْرِ

وتُشَبَّهُ ثُدِيُّ الكواعب بالرُمّان كقوله:

وَبِمَا تَبِيتُ أَنَامـلـي ** يَجْنِينَ رُمّانَ النُّحورِ

وقولِ المتنبي:

وقابَلني رُمَّانتا غُصنِ بـانةٍ ** يَمِيل به بدرٌ ويُمسكه حِقْفُ

وقوله:

يخطّن بِالعيدان في كُلِّ منزلٍ ** وَيَخْبَأْنَ رُمَّان الثُّدِيِّ النواهِد

ثم يُقلَب فيُشبَّه الرّمان بالثُدِيّ، كقول:

ورُمّـانةٍ شَـبَّـهـــتُـــهـــ ا إذ رأيتُـــهـــا ** بثَـدْيِ كَـعــابٍ أو بـــحُـــقّةِ مَـــرْمـــرِ

مُنمنَمةٍ صفراءَ نُضِّد حولها يواقيتُ حُمْرٌ في مُلاءٍ مُعصْفَرِ

وتُشبَّه الجداول والأنهار بالسيوف،

يراد بياض الماء الصَّافي وبصيصُه،

مع شكل الاستطالة الذي هو شكل السيف،

كقول ابن المعتز:

أعددتُ للجارِ ولـلـعُـفـاة ** كُومَ الأعالي مُتَـسـامـياتِ

رَوازِقاً في المَحْلِ مُطعِمَاتِ

يعني نخلاً، ثم قال بعد أبيات:

تُسقَى بأنْهـارٍ مُـفَـجَّـراتِ ** على حَصَى الكافورِ فَائضاتِ

بَرِيئَةِ الصَّفْوِ مـن الـقَـذَاةِ ** مثلِ السُّيوفِ المتـعـرِّياتِ

ابن بابك:

فما سَيلٌ تُخلّصهُ المَحَـانـي ** كما سُلَّت من الخِلَلِ المناصِلْ

أبو فراس:

والـمـاءُ يفـصِـل بـين زَهْـ ** ـــرِ الرَّوْض في الشَطَّين فَصْلاَ

كَبِـسـاطِ وَشْـي جَــرَّدت ** أيدي القُيُونِ علـيه نَـصْـلاَ

كشاجم:

وتَرَى الجداوِل كالسُّيو** فِ لَها سَوَاقٍ كالمباردْ

آخر:

وفي الجداول أسيافٌ مُحَـادَثَةٌ ** والطير تَسْجع أهْزاجاً وأرمالاَ

وقال ذو الرمّة:

فما انشقَّ ضَوْءُ الصبح حتى تَبيَّنت ** جَداولُ أمثالُ السُّيُوف القواطِـعِ

ابن الرومي:

عَلى حِفافَيْ جَدْولٍ مَسـجـورِ ** أبيضَ مثلِ المُهْرَقِ المنشـورِ

أو مثلِ متن الصارم المشهور

ثم يَقْلبونَ أحدَ طرفي التشبيه على الآخر،

فيشبّهون السيوفَ بالجداول، كقوله:

وتخالُ ما ضربوا بهنّ جداولاً ** وتَخَال ما طَعَنُوا به أَشْطَانَا

ابن بابك:

وأُهدِي إلى الغارات عَزْماً مشـيَّعـاً ** وبأساً وباعاً في اللِّقاءِ ومِقْـصَـلا

سَفِيهَ مَقَطِّ الـطُـرَّتـين أَشـيمـهُ ** فيُوحي إلى الأعضاء أن تَـتَـزيَّلاَ

أغَرَّ كأني حـين أَخْـضِـبُ حَـدَّه ** خرقتُ به في مُلْتَقَى الرَّوض جَدْوَلاَ

السرّى:

وكم خَرَقَ الحجابَ إلى مَقَامٍ ** تَوارَى الشمسُ فيه بالحجابِ

كأنّ سُيوفَه بين العَـوالـي ** جَداولُ يطَّرِدْنَ خِلالَ غابِ

وله أيضاً:

كأنّ سيوف الهِندِ بين رِماحه ** جداولُ في غابٍ سَمَا فتأشَّبا

وتُشبَّه الأسنّة، كما لا يخفى، بالنجوم، كما قال:

وأَسِنَّةً زُرقاً تُخالُ نجومَا

وقال البحتري:

وتراه في ظُلَم الوَغَى فتخالُـه ** قَمراً يكُرُّ على الرِّجال بكَوْكَبِ

يعني السنان، وقال ابن المُعتزّ:

وَتَراه يُصغِي في القناة بكَفِّه ** نَجْماً ونجماً في القناة يَجُرُّه

ومثله سواءً قوله:

كأنما الحرْبةُ في كفِّه ** نجمُ دُجَى شيَّعه البَدْرُ


ثم قد شبّهوا الكواكب بالسِّنان، كقول الصنوبري:

بشَّر بالصُّبح كوكبُ الصُّبـحِ ** فاضَ وجِنْحُ الدُّجَى كَلا جِنْحِ

فَهْوَ على الفَجْرِ كالسِّنان هَوَى ** للعين لمَّا هَوَى على رُمْـحِ

ابن المعتزّ:

شرِبتُها والديكُ لم يَنْتَـبِـهْ ** سَكْرَانُ مِن نَوْمَتِهِ طافـحُ

ولاَحت الشِّعرى وجَوْزَاؤها ** كمثل زُجٍّ جَـرَّهُ رامـحُ

وهذه إن أردت الحقَّ، قضيّةٌ قد سبقت وقَدُمت،

فقد قالوا: المسك الرامح،

على معنى أن كوكباً يتقدّمه وهو رمحه،

ولا شكّْ أن جُلّ الغرض في جعل ذلك الكوكب

رمحاً أن يقدّروه سناناً، فالرمح رُمْحٌ بالسنان،

وإذا لم يكن السنان فهو قناة، ولذلك قال:

ورمحاً طويلَ القَناةِ عَسُولاً

ومن ذلك أن الدموع تُشبَّه إذا قَطَرت على خدود

النساء بالطَّلّ والقَطْر على ما يُشْبِهُ الخدودَ من الرياحين،


كقول الناشئ:

بَكَتْ للفراق وقَد رَاعَها ** بُكَاءُ الحبيب لبُعْدِ الدِّيارِ

كأنَّ الدُّموعَ على خدّها ** بقيّةُ طَلٍّ على جُلّنـارِ

وشبيه به قول ابن الرومي:

لو كنتَ يوم الوَداع حاضرَنا ** وهُنَّ يُطِفئْن غُلّةَ الـوجـدِ

لم ترَ إلا الدموعَ سـاكـبةً ** تَقْطُر من مُقْلةٍ على خـدِّ

كأنَّ تلك الدموعَ قَطْرُ نَـدًى ** يقطُر من نَرْجِس على وَرْدِ


ثم يُعكَس، كقول البحتري:

شقائقُ يَحْمِلن النَـدَى فـكـأنَّـه ** دُمُوع التصابي في خُدود الخَرائِد


وشبيهٌ به قولُ ابن المعتزّ، وبعد قوله في النرجس:

كأن عيون النرجس الغضِّ حولها ** مداهنُ دُرٍّ حشْوُهـنّ عـقـيقُ

إذا بلَّهُنّ القَطْرُ خِلْتُ دُمُوعَـهـا ** بُكاءَ عُيونٍ كُحْلُهـنَّ خَـلُـوقُ

وفي فنّ آخر منه خارجٍ عن جنس ما مضى،

يُشِّبه الشيخ إذا أفناه الهَرَم، وحناه القِدَم،

حتى يدخل رأسه في منكبيه بالفرخ كما قال:

ثلاثُ مِئِينَ قَدْ مَضَـيْنَ كـوامـلاً ** وَهَا أنَا هذا أَرتجـي مـرَّ أربـعِ

فأصبحتُ مِثْلَ الفَرْخِ في العُشِّ ثاوياً ** إذا رَام تَطْـيَاراً يقـالُ لـه قَـعِ


وهو كثير، ثم يُعكس فيُشبَّه بالشيخ،


كما قال أبو نواس يرثى خَلَفاً الأحمر:

لو كان حَيٌّ وَائلاً من التَّلَـفْ ** لَوألَتْ شَغْوَاءُ في أَعلَى شَعَفْ

أمُّ فُرَيخٍ أَحرزَتْه في لَـجَـفْ ** مُزَغَّبِ الأَلغادِ لم يأكُل بكَـفّ

كأنه مُسْتَقْعَدٌ من الـخَـرَفْ


وأعاده في قصيدة أخرى في مرثيته أيضاً:

لاَ تَئِلُ العُصْمُ في الهِضابِ ولا ** شَغْواءُ تَغْذُو فَرْخَينِ في لَجَفِ

تَحْنُو بجُؤْشُوشها على ضَـرِمٍ ** كقِعدة المُنْحَنى من الخَـرفِ

ويُشبَّه الظَّليم في حركة جناحيه، مع إرسالٍ لهما،


بالخِباء المُقوَّض، أنشد أبو العباس لعلقمة:

صَعْلٌ كأنّ جناحَيه وجُؤجُـؤَه ** بيتٌ أطافت به خَرْقاءُ مهجومُ

اشترط أن تتعاطى تقويضَه خَرْقاءُ،

ليكون أشدَّ لتفاوت حركاته، وخروجِ اضطرابه عن الوزن،

وقال ذو الرمة:

وبَيْضٍ رفعنا بالضُّحَى عَنْ مُتُونها ** سَماوةَ جَوْنٍ كالخِبَاء المُقـوَّضِ

هَجُومٍ عَلَيها نفسَـهُ غَـيْرَ أَنّـه ** متى يُرْمَ فِي عينيه بالشَّبْحِ يَنْهَضِ


قالوا في تفسيره: يعني بالبيض بَيضَ النعام،

ورَفَعنا، أي: أثرنا عن ظهورها، وسَمَاوة جون أي:

شخص نَعام جون، وسماوة الشيء، شخصه،

والجون الأسود هاهنا، لأنه قابل بين البياض والسواد،

ثم شبّه النَّعام في حال إثارته عن البَيض بالخباء المقوَّض،

وهو الذي نُزعت أطنابه للتحويل،

والبيت الثاني من أبيات الكِتاب، أنشده شاهداً على

إعمال فَعول عملَ الفعل، وذلك قوله هَجومٍ عليها نَفْسَهُ،

فنفسُه منصوب بهَجوم، على أنه من هَجم متعدّياً

نحو هجم عليها نفسه، أي طرحها عليها،

كأنه أراد أن يصف الظَّليمَ في خوفه بأمرين متضادّين،

بأن يبالغ في الانكباب على البَيض فِعْلَ مَن

شأنُهُ اللزوم والثبات وأن يُثيره عنها الشيءَ اليسير،

نحوُ أن يقع بصرُه على الشخص من بُعدٍ، فِعْلَ مَنْ كان

مستوفِزاً في مكانه غير مطمئنّ ولا موطِّن نفْسَهُ

على السُّكون، وقوله: يُرْمَ في عينيه بالشَّبْحِ،

كلام ليس لحسنه نهاية. وقد قال ابن

المعتزّ فعكس هذا التشبيه، فشبّه حَرَكة الخباء بالطائر،

إلا أنه رَاعَى أن يكون هناك صفةٌ مخصوصةٌ،

فشَرَطَ في الطائر أن يكون مقصوصاً،

وذلك قوله:

ورفعنا خباءَنا تَضْربُ الـريـ ** ـحُ حَشَاهُ كالجادِفِ المَقْصُوصِ

وأخرجه إلى هذا الشرط أنه أراد حَركة

خِباءٍ ثابتٍ غير مُقوَّض، إلا أن الريحَ تقع في جوفه

فيتحرك جانباه على تَوَالٍ، كما يفعل المقصوص إذا جدف،

وذلك أن يردّ جناحيه إلى خلفه، فحصل له أمران

أحدهما أن الموفور الجناح يَبْسُط جناحيه في الأكثر،

وذلك إذا صفَّ في طيرانه، فلا يدومُ ضربه بجناحيه،

والمقصوص لقصوره عن البسط يُديم ضَرْبهما

والثاني تحريكُ الجناحين إلى خلفٍ.


وهذا كثير جدّاً، وَتَتَبُّعُه في كل باب ونوعٍ من

التشبيه يَشْغَل عن الغرض من هذه الموازنة،

وإنما يمتنع هذا القلبُ في طرفي التشبيه،

لسبب يعرض في البين فَيَمْنَعُ منه،

ولا يكون من صميم الوصف المشترك بين الشيئين

المشبَّهِ أحدُهما بالآخر، فمن ذلك، وهو أقواه فيما أظنُّ،

أن يكون بين الشيئين تفاوتٌ شديد في الوصف

الذي لأجله تُشبِّه، ثم قصدتَ أن تُلحق الناقصَ

منهما بالزائد، مبالغةً ودلالةً على أنه يفضُل أمثاله فيه،

بيانُ هذا: أن هاهنا أشياءَ هي أصولٌ في شدة السَّواد

كخافية الغراب، والقارِ، ونحو ذلك،

فإذا شبّهتَ شيئاً بها كان طلبُ العكس في ذاك عكساً

لما يُوجبه العقل ونقضاً للعادة، لأن الواجب أن يُثَبت

المشكوك فيه بالقياس على المعروف،

لا أن يُتَكلَّف في المعروف تعريفٌ بقياسه

على المجهولِ وما ليس بموجود على الحقيقة،

فأنت إذا قلت في شيء: هو كخَافِية الغراب،

فقد أردت أن تُثبت له سواداً زائداً على ما يُعهَد في جنسه،

وأن تصحِّح زيادةً هي مجهولة له،

وإذا لم يكن هاهنا ما يزيد على خافية الغراب في السواد،

فليت شعري ما الذي تريد من قياسه على غيره فيه،

ولهذا المعنى ضَعُف بيت البحتري:

على باب قِنَّسرينَ والليلُ لاطخٌ ** جَوَانبَه من ظُلـمةٍ بـمـدادِ


وذاك أن المداد ليس من الأشياء التي لا مزيد

عليها في السواد، كيف ورُبَّ مِدَادٍ فاقد اللون،

والليلُ بالسواد وشدّته أحقّ وأحرى أن يكون مثلاً،

ألا ترى إلى ابن الرومي حيث قال السريع:

حِبْرُ أبي حفصٍ لُعَابُ الليلِ ** يَسيلُ للإخوان أيَّ سَـيْلِ


فبالغ في وصف الحبر بالسواد حين شبّهه بالليل،

وكأن البحتري نظر إلى قول العامّة في الشيء

الأسود هو كالنِّقسِ، ثم تركه للقافية إلى المداد،

فإن قلت فينبغي على هذا أن لا يجوز تشبيه

الصُّبح بغرّة الفرس لأجل أنّ الصبح بالوصف

الذي لأجله شُبّه الغرة به أخصُّ، وهو فيه أظهر وأبلغ،

والتفاوت بينهما كالتفاوت بين خافية الغراب والقار

وبين ما يشبَّه بهما، فالجواب أن الأَمر، وإن كان كذلك،

فإنّ تشبيه غُرّةِ الفرس بالصبح حيث ذُكرتْ،

لم يقع من جهة المبالغة في وَصفها بالضياء

والانبساط وفرط التلألؤ، وإنما قُصد أمرٌ آخر

وهو وقوعُ مُنيرٍ في مُظلمٍ، وحصولُ بياضٍ في سوادٍ،

ثم البياضُ صغيرٌ قليل بالإضافة إلى السواد،

وأنت تجد هذا الشَّبه على هذا الحدّ في الأصل،

فإذا عكستَ فقلت كأنّ الصُّبح عند ظهور أوَّله

في الليل غُرَّةٌ في فرس أدهم، لم تقع في مناقضة

كما أنك لو شبّهت الصُّبْح في الظلام بقَلَم بياضٍ

على ديباج أسود لم تخرج عن الصواب وعلى

نحو من ذلك قول ابن المعتز:

فخلتُ الدُّجَى والفَجْرُ قد مدَّ خَيْطَهُ ** رِداءً مُوشّىً بالكواكب مُعْلَـمَـا


فالعلم في هذا الرداء هو الفجر بلا شبهة، وله،

وهو صريح ما أردتُ:

والليلُ كالحُلّة السَّوداءِ لاح بـه ** من الصَّباح طِرازٌ غيرُ مرقُومِ

وإن كان التفاوت في المقدار بين الصُّبح والطِّراز

في الامتداد والانبساط شديداً،

وكذلك تشبيه الشَّمس بالمرآة المجلوَّة،

وبالدينار الخارج من السِّكّة، كما قال ابن المعتزّ:

وكأنّ الشَّمسَ المُنيرةَ دِينا ** رٌ جَلَته حَدَائدٌ الضُّرَّابِ


حَسَنٌ مقبول، وإن عظُم التفاوتُ بين نُورِ الشمس

ونور المرآة والدِّينارِ أو الجِرْم والجرم،

لأنك لم تضع التشبيه على مجرَّد النُّور والائتلاق،

وإنما قصدت إلى مستديرٍ يتلألأ ويلمع،

ثم خصوصٍ في جنس اللون يوجد في المرآة المجلوَّة

والدينار المُتَخلِّص من حَمْيِ السِّكّة،

كما يوجد في الشمس، فأما مقدار النور،

وأنه زائد أو ناقص ومتناهٍ، أو متقاصر،

والجِرمُ أعظِيمٌ هو أم صغير؛ فلم تتعَرَّض له،

ويستقيم لك العكس في هذا كله، نحوُ أن تشبّه المرآة بالشمس،

وكذلك لو قلت في الدينار كأنه شمس،

أو قلت كأن الدنانير المنثورة شموسٌ صغار لم تتعدَّ،

وجملةُ القول أنه متى لم يُقصَد ضَرْبٌ من المبالغة

في إثبات الصفة للشيء، والقصدِ إلى إيهامٍ في

الناقص أنه كالزائد، واقتُصِر على الجمع بين الشيئين

في مطلق الصورة والشكل واللون،

أو جمعِ وصفين على وجهٍ يوجد في الفَرْع على

حدّه أو قريبٍ منه في الأصل، فإنّ العكسَ يستقيم في التشبيه،

ومتى أُرِيد شيء من ذلك لم يستقم،. وقد يَقصِدُ الشاعر،

على عادة التخييل، أنْ يُوهِم في الشيء هو قاصرٌ

عن نظيره في الصفة أنه زائد عليه في استحقاقها،

واستيجابِ أن يُجعَل أصلاً فيها، فيصحُّ على

موجَب دعواه وسَرَفه أن يجعل الفرعَ أصلاً،

وإن كُنّا إذا رجعنا إلى التحقيق، لم نجد الأمرَ يستقيم

على ظاهر ما يضع اللفظ عليه،

ومثاله قول محمد بن وُهيب:

وبَدَا الصَّباحُ كأنّ غُرَّتَهُ ** وَجْهُ الخليفةِ حِين يُمتدَحُ


فهذا على أنه جعل وَجْه الخليفة كأنه

أعرفُ وأشهرُ وأتمُّ وأكملُ في النور والضياء

من الصَّباح، فاستقام له بحكم هذه النِّيَّة أن

يجعل الصباحَ فرعاً، ووجهَ الخليفة أصلاَ.



واعلم أن هذه الدعوى وإن كنت تراها تُشبه

قولَهم لا يُدرَى أوَجْهُه أَنورُ أم الصُّبح،

وغُرَّته أضوأُ أم البدر، وقولَهم إذا أفرطوا نور

الصباح يَخْفَى في ضوء وجهه، أو نور الشمس

مسروقٌ من جبينه، وما جرى في هذا الأسلوب

من وُجوه الإغراق والمبالغة فإن في الطريقةِ

الأولى خِلاَبةً وشيئاً من السحر، وهو أنه كأنه

يستكثِر للصَّباح أن يُشَبَّه بوجه الخليفة،

ويوهم أنه قد احتشَد له، واجتهد في طلب تشبيه

يُفخِّمُ به أمره، وجِهَتُه الساحرة أنه يُوقع المبالغةَ

في نفسك من حيث لا تشعر، ويُفيدُكَهَا من غير

أن يظهر ادِّعاؤه لها، لأنه وضع كلامَه وَضْعَ

مَنْ يقيس على أصل متَّفَقٍ عليه، ويُزَجِّي الخبر

عن أمرٍ مسلَّم لا حاجة فيه إلى دعوى ولا إشفاقَ

من خلاف مخالفٍ وإنكار منكرٍ، وتجهُّمِ معترضٍ،

وتهكُّم قائِلٍ: لِمَ?، ومن أين لك ذلك?،

والمعاني إذا وردت على النَّفس هذا الموردَ،

كان لها ضربٌ من السُّرور خاصٌّ وحَدَث بها من

الفَرح عجيبٌ، فكانت كالنعمةِ لم تُكدرها المِنَّة،

والصَّنيعةِ لم يُنَغِّصها اعتداد المُصْطَنِع لها،

وفي هذا الموضع شبيهٌ بالنكتة التي ذكرتها في التجنيس،

لأنك في الموضعين تنال الربحَ في صورة رأس المال،

وترى الفائدة قد ملأت يدك من حيث حَسِبْتَها

قد جازتْك وأخلَتْك، وتَجِد على الجملة الوجودَ

من حيث توهمَّت العدمَ، ولطيفةٌ أخرى،

وهو أن من شأن المدح إذا ورد على العاقل

أن يَقِفَه بين أمرين يصعب الجمع بينهما وتوفية حقَّهما:

معرفةِ حقّ المادحِ على ما احتشد له من تزيينه،

وقصِده من تفخيم شأنه في عيون الناس بالإصغاء

إليه والارتياح له، والدِّلالة بالبشر والطلاقة

على حُسن موقعه عنده ومَلْكِ النفس حتى

لا يغلبها السرور عليه، ويخرج بها إلى العُجْب

المذموم وإلى أن يقول: أنا، فيقعَ في ضَعَة الكِبْر

من حيث لا يشعُر، ويَظهر عليه من أَمارته ما يُذَمُّ

لأجله ويُحَقَّر، فما كُبر أحد في نفسه إلاّ غان الكِبْرُ

عَلى عقله، وفَسخَ عُقْدةً من حلمه،

وهذا موقفٌ تزلُّ فيه الأقدام، بل تخِفَّ عندهُ الحلوم،

حتى لا يسلم من خُدَع النفس هناك إلا أَفرادُ الرجال،

وإلا مَنْ أدام التوفيقُ صُحْبتَه، ومن أين ذلك

وأنَّى فإذا كان المدح على صورة قوله وجه الخليفة

حين يمتدح، خَفَّ عنه الشطرُ من تكاليف هذه الخصلة،

وإذ قد تبيّن كيف يكون جعلُ الَفرْع أصلاً،

والأصْلِ فرعاً فالتشبيه الصريح، فارجعْ إلى التمثيل،

وانظر هل تجيء فيه هذه الطريقة على هذه السَّعة والقوة?

ثم تأمَّل ما حُمل من التمثيل عليها كيف حكمه

وهل هو مُسَاوٍ لما رأيتَ في التشبيه الصريح،

وحاذٍ حَذوَه على التحقيق، أم الحال على خلاف ذلك،

والمثال فيما جاد من التمثيل مردوداً فيه الفرعُ

إلى موضع الأصل، والأصل إلى محلِّ الفرع، قوله:

وكأنّ النُّجومَ بين دُجَاه ** سُنَنٌ لاحَ بَيْنَهنَّ ابتداعُ


وذلك أن تشبيه السُّنن بالنجوم، تمثيلٌ، والشبه عقليٌّ،

وكذلك تشبيه خِلافِها من البِدْعة والضلالةِ بالظُّلمة،

ثم إنه عكس فشبّه النجم بالسُّنن،

كما يُفعَل فيما مضى من المشاهدات،

إلا أنَّا نعلم أنه لا يجري مَجْرَى قولنا كأن النجوم

مصابيح تارةً وكأن المصابيح نجوم أخرى،

ولا مجرى قولك: كأنّ السيوف بُروق تَنْعَقّ،

وكأنّ البروق سيوف تُسلُّ من أغمادها فَتَبْرُق،

ونظائر ذلك مما مضى، وذلك أن الوصف هناك

لا يختلف من حيث الجنس والحقيقة،

وتجدُه العينُ في الموضعين، وليس هو في هذا

مشاهداً محسوساً، وفي الآخر معقولاً متصوَّراً

بالقلب ممتنعاً فيه الإحساس، فأنت تجد في السيوف

لَمَعَاناً على هيئة مخصوصة من الاستطالة

وسرعة الحركة، تجده بعينه أو قريباً منه في البُروق،

وكذلك تجد في المَدَاهن من الدُرّ حَشْوُهن عَقيقُ،

من الشكل واللون والصورة ما تجده في النرجس،

حتى يُتصوَّر أن يشتبه الحال في الشيء من ذلك،

فيُظَنّ أن أحدَهما الآخرُ فلو أن رجلاً رأى من بعيد

بريقَ سيوف تُنْتضَى من الغُمود،

لم يَبْعُد أن يغلَطَ فيحسب أن بروقاً انعقَّت،

وما لم يقع فيه الغلط كان حاله قريباً مما يجوز وقوع

الغلط فيه، ومحالٌ أن يكون الأمر كذلك في التمثيل،

لأن السُنَن ليست بشيء يتراءَى في العين فيشتبهَ بالنجوم،

ولا ههنا وصفٌ من الأوْصاف المشاهَدة يجمع

السنن والنجوم، وإنّما يُقصد بالتشبيه في

هذا الضرب ما تقدّم من الأحكام المتأوَّلة من طريق

المقتضَى، فلمَّا كانت الضلالة والبدعة وكل ما هو جهلٌ،

تجعل صاحبَها في حكم من يمشي في الظُّلمة

فلا يهتدي إلى الطريق، ولا يفصل الشيءَ من

غيره حتى يتردَّى في مَهْواةٍ، ويعثُرَ على عدوّ قاتلٍ

وآفةٍ مهلكة، لَزِم من ذلك أن تُشبَّه بالظلمة،

ولزم على عكس ذلك أن تشبَّه السُّنَّةُ والهُدَى

والشريعةُ وكلُّ ما هو عِلْمٌ بالنُّور.



وإذا كان الأمر كذلك، علمتَ أن طريقة العكس

لا تجيء في التمثيل على حدّها في التشبيه الصريح،

وأنها إذا سُلِكَت فيه كان مبنيّاً على ضرب من التأوّل

والتخيُّل يخرج عن الظاهر خروجاً ظاهراً،

ويبعُدُ عنه بُعداً شديداً. فالتأويل في البيت أنه لما

شاع وتُعُورف وشُهِر وصفُ السُنّة ونحوها بالبياض

والإشراق، والبِدعة بخلاف ذلك،

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"أتيتكم بالحنيفيّة البَيْضَاء ليلُها كنهارِها"،

وقيل هذه حُجَّة بيضاء، وقيل للشبهة وكل ما ليس

بحق إنه مُظْلم، وقيل سواد الكفر، و وظلمة الجهل،

يُخيَّل أن السنن كلها جنسٌ من الأجناس التي لها

إشراقٌ ونورٌ وابْيِضاض في العين،

وأن البدعة نوع من الأنواع التي لها فَضْلُ

اختصاصٍ بسواد اللون، فصار تشبيهه النُّجوم

بين الدجى بالسنن بين الابتداع، على قياس تشبيههم

النجوم في الظلام ببياض الشيب في سواد الشباب،

أو بالأنوار وائتلاقها بين النَّبات الشديد الخضرة،

فهذا كلَّه هاهنا، كأنه ينظر إلى طريقة قوله:

"وبَدا الصباح كأنّ غُرّته" في بناء التشبيه على تأويل

هو غير الظاهر، إلا أنّ التأويل هناك أنه جعل في وجه

الخليفة زيادةً من النور والضياء يبلغُ بها حالَ الصباح

أو يزيد والتأويل هاهنا أنه خَيَّل ما ليس بمتلوِّن كأنه متلوِّن،

ثم بنى على ذلك. ومن هذا الباب قول الآخر:

ولقد ذكرتُكِ والظَّلامُ كـأنـه ** يَومُ النَّوَى وفُؤَادُ من لم يعشَقِ


لما كانت الأوقات التي تحدث فيها المكارهُ

توصف بالسواد فيقال اسوَدَّ النهار في عيني،

وأظْلمت الدنيَا عليَّ، جعل يوم النوى كأنه أعرفُ

وأشهر بالسواد من الظلام، فشبَّه به،

ثم عطف عليه فؤاد من لم يعشق، تظرُّفاً وإتماماً للصنعة،

وذلك أن الغَزِل يدَّعي القَسْوة على من لم يعرف العشقَ،

والقلبُ القاسي يُوصف بشدّةِ السواد،

فصار هذا القلب عنده أصلاً في الكُدرة والسواد فقاس عليه،

وعلى ذلك قول العامّة ليلٌ كقلب المنافق أو الكافر،

إلا أنّ في هذا شَوْباً من الحقيقة،

من حيث يُتصوَّر في القلب أصل السواد، ثم يُدَّعَى الإفراط،

ولا يُدَّعى في البدعة نفسُ السواد، لأنها ليس مما يتلوّن،

لأن اللون من صفات الجسم، فالذي يساويه في

الشبه المساواةَ التامّة قولهم أظلمُ من الكفر،

كما قال ابن العميد في كتاب يُدَاعبُ فيه،

ويُظهر التظلّم من هلال الصوم ويدعو على القمر

فقال "وأرغب إلى اللهَ تعالى في أن يقرِّب على

القمر دَوْرَه، وينقص مسافة فَلَكه"، ثم قال بعد فصل "

ويُسمعني النُّعرة في قَفَا شهر رمضان،

ويعرض عليَّ هلاله أخفى من السحر وأظلم من الكفر".


وإن تأوّلت في قوله: "سُنَنٌ لاح بينهنَّ ابتداعُ"

أنه أراد معنى قولهم إن سوادَ الظلام يزيد النجوم

حُسناً وبهاءً، كان له مذهبٌ، وذلك أنه لما كان

وقوفُ العاقل على بطلان الباطل، واطّلاعُه على

عَوَار البدعة، وخَرْقُه الستر عن فضيحة الشُّبهة،

يزيد الحق نُبلاً في نفسه، وحُسناً في مرآة عقله،

جعل هذا الأصل من المعقول مثالاً للمُشاهدَ المُبصَرِ هناك،

إلا أنه على ذلك لا يخرج من أن يكون خارجاً

عن الظاهر، لأن الظاهر أَن يُمثَّل المعقولُ في

ذلك بالمحسوس، كما فعل البحتري في قوله:

وقد زَادَها إِفراطُ حُسنٍ جِوارُها ** خلائقَ أصْفارٍ من المجد خُيَّبِ

وحُسْنُ دراريّ النجوم بأن تُرَى ** طوالعَ في داجٍ من اللَّيل غَيْهَبِ


فبكَ مع هذا الوجه حاجةٌ إلى مثل مَا مَضى

من تنزيل السُّنّة والبدعة منزلَة ما يَقْبَل اللون،

ويكون له في رَأْيِ العين مَنظرُ المُشرِق المتبسّم،

والأسْودِ الأَقتم، حتى يُرَاد أنّ لَوْنَ هذا يزيد في

بريق ذاك وبهائه وحسنه وجماله، وفي القطعة

التي هذا البيت منها غيرُها مما مَذْهبُه المذهب الأول،

وهو:

رُبَّ لَيْلٍ قَطعتُه كـصُـدُودٍ ** أو فراقٍ مَا كَان فـيه وَداعُ

مُوحشٍ كالثَّقيل تقذَى به العيـ ** ـنُ وتَأبَى حَدِيثَهُ الأسـمـاعُ

وكأنّ النجومَ البيت، وبعده:

مُشرِقاتٌ كأنَّـهـنَّ حِـجـاجٌ ** يَقْطَع الخَصْمَ والظَّلامَ انقطاعُ


ومما حقُّه أن يُعَدَّ في هذا الباب قولُ القائل:

كأنَّ انتضاءَ البَدْرِ من تحت غَيْمةٍ ** نَجَاءٌ من البأساءِ بعـد وُقـوعِ


وذلك أن العادة أن يُشبَّه المتخلص من البأساء بالبدرِ

الذي ينحسر عنه الغمام، والشَّبه بين البأساء والغمام

والظلماء من طريق العقل، لا من طريق الحسّ.


وأوضح منه في هذا قول ابن طباطبا:

صَحوٌ وغَيْمٌ وضِياءٌ وظُـلَـمْ ** مثل سُرورٍ شابَه عارضُ غَمّ


ومن جيّد ما يقَع في هذا الباب قولُ التنوخيّ في قطعة، وهي قوله:

أما ترى البردَ قد وَافَت عساكـرُه ** وعسكرُ الحرِّ كيف انصاعَ مُنْطلقَا

فالأرضُ تحت ضَرِيب الثلج تَحْسِبُها ** قد أُلبست حُبُكاً أو غُشِّـيت وَرِقَـا

فانهضْ بنارٍ إلى فحْمٍ كأنـهـمـا ** في العين ظُلْمٌ وإنصافٌ قد اتَّفقَـا

جاءت ونحن كقلب الصَّبِّ حين سلا ** برداً فصِرْنَا كقلب الصبّ إذْ عَشِقَا


المقصود فانهض بنار إلى فحم، فإنه لما كان في الحق:

إنّه منير واضح لائح، فتستعار له أوصاف الأجسام المنيرة،

وفي الظلم خلافُ ذلك، تخيّلَهُما شيئين لهما ابيضاضٌ

واسودادٌ،و وإنارةٌ وإظلامٌ، فشبّه النَّارَ والفحم بهما.


ومن الباب قول ابن بابك:

وأرضٍ كأَخلاق الكريم قَطَعْتُها ** وقد كَحَلَ الليلُ السِّماكَ فأَبصَرا


لما كانت الأخلاق توصف بالسعة والضيق،

وكثر ذلك واستمرّ، تَوهَّمه حقيقةً،

فقابَلَ بين سعة الأرض التي هي سعة حقيقية وأخلاق الكريم.


ومثله قول أبي طالب المأموني:

وفَلا كآمالٍ يَضِيقُ بها الفَتَى ** لاَ تصْدُقُ الأوهامُ فيها قِيلا

أَقريتُها بشِمِلَّةٍ تَقْرِى الفـلا ** عَنَقاً وتَقْرِيها الفلاةُ نُحولاَ


قاسَ الفلا في السعة وهي حقيقة فيها،

على الآمال، وهي إذا وُصفت بالسعة كان مجازاً بلا شبهة،

ولكن لما كان يقال آمالٌ طِوالٍ ووآمالٌ لا نهاية

لها وواتسعت آماله، وأشباه ذلك، صارت هذه

الأوصاف كأنها موجودةٌ فيها من طريق الحسّ والعيان.


وعلى ذكر الأمل، فمن لطيف ما جاء في التشبيه

به على هذا الحدّ، إن لم يكن في معنى السعة والامتداد،

ولكن في الظُّلمة والاسوداد، قول ابن طباطبا:

رُبّ ليلٍ كَأنَّه أَمَـلـي فِـيـ ** ـكَ وقد رُحْتُ عنك بالحِرمانِ

جُبْتُه والنُّجوم تَنْعسُ في الأُفْـ ** ـقِ ويَطرِفْنَ كالعيون الرَّواني

هارباً من ظلام فِعلك بي نحـ ** ـوَ ضياءِ الفَتَى الأغرّ الهِجانِ


لما كان يقال في الأمر لا يُرجَى له نجاح قد أظلم علينا هذا الأمر،

وهذا أمر فيه ظلمة، ثم أراد أن يبالغ في التباس

وجه النُّجح عليه في أمله، تخيَّل كأنّ أمله شخصٌ

شديد السواد فقاس ليله به، كأنه يقول تفكّرتُ فيما

أعلمه من الأشياء السود، فرأيتُ صورةَ أَمَلي فيك

زائدةً على جميعها في شدّة السَّواد،

فجعلته قياساً في ظلمة ليلي الذي جُبْته.


ومن الباب وهو حَسَنٌ، قولُ ابن المعتز:

لاَ تَخْلِطوا الدُّوشابَ في قَدَحٍ ** بصَفَاءِ ماءٍ طيّبِ الـبَـرْدِ

لا تجمعُوا بِاللَّـه ويَحْـكُـم ** غِلَظَ الوَعيدِ ورِقّةَ الوَعْـدِ


لما كان يقال أغلظ له القول، ويوصف الجافي

وكل من أَساء وقال ما يُكْرَهُ بالغِلَظ، ويوصَف كلامُ

المحسن ومن يَعْمِد إلى الجميل باللطافة،

جَعَل الوَعيد والوعد أصلاً في الصفتين،

وقاس عليهما. فأما قول الآخر:

شَرِبْتُ على سَلامةِ أفْتكينِ ** شَراباً صَفْوُه صَفْوُ اليقينِ


فهو على الحقيقة لا يدخل في تشبيه الحقيقة بالمجاز،

لأن الصفاء خُلوص الشيء وخلوّه من

شيء يغيّره عن صفته، إلا أنه من حيث يقع في

الأكثر لِمَا له بَرِيقٌ وبَصِيصٌ، كان كأنه حقيقةٌ في المحسوسات،

ومجازٌ في المعقولات.



وأما قولهم هواءٌ أرقُّ من تشاكي الأحباب،

فمن الباب، لأن الرقّة في الهواء حقيقة وفي

التشاكي مجاز، وهكذا قول أبي نواس في خلاعته:

"حَتَّى هِيَ في رِقّة دِينِي" لأن الرقَّة من صفات الأجسام،

فهي في الدِّين مجاز: ومما كأنه يدخل في هذا الجنس

قولُ المتنبي:

يترشَّفْنَ من فَمِي رَشَفاتٍ ** هُنَّ فيهِ أَحْلَى من التَّوحيدِ


والنفس تنبو عن زيادة القولِ عليه،

وقد اقتدى به بعض المتأخرين في هذه الإساءة

فقال:

سواد صُدْغَين من كفرٍ يُقابله ** بياض خدَّين من عَدْلٍ وتوحيدِ

وأبعدُ ما يكون الشاعر من التوفيق،

إذا دعته شهوة الإغراب إلى أن يستعير للهزل

والعَبث من الجِدِّ، ويتغزل بهذا الجنس.


ومما هو حسنٌ جميل من هذا الباب،

قول الصاحب كَتَبَ به إلى القاضي أبي الحسن رُوي

عن القاضي أنه قال انصرفت عن دار الصاحب

قُبيل العيد، فجاءني رسوله بعطر الفطر،

ومعه رُقْعة فيها هذان البيتان:

يَا أيُّها القاضي الذي نفسى لَهُ ** مَعَ قُرْب عهد لِقائه مُشتاقَهْ

أهديتُ عِطراً مثلَ طِيب ثَنائه ** فكأنما أُهدِي له أَخـلاقَـهْ


وكَوْنُ هذا التشبيه مما نحن فيه من أوضح ما يكون،

فليس بخافٍ أنَّ العادة أن يشبَّه الثَّناء بالعطر

ونحوه ويُشتقّ منه، وقد عَكَس كما ترى،

وذلك على ادِّعاء أن ثناءه أحقُّ بصفة العطر

وطيبه من العطر وأخصُّ به، وأنه قد صار أصلاً

حتى إذا قيس نوعٌ من العطر عليه، فقد بُولغ في

صفته بالطيب، وجُعِل له في الشرف والفضل على

جنسه أوفرُ نصيب، إذ قد عرفتَ الطريقة في جعل

الرفع أصلاً في التمثيل فارجع وقابلْ بينه وبين

التشبيه الظاهر، تَعْلَمْ أن حاله في الحقيقة مخالفةٌ للحال ثَمَّ،

وذلك أنك لا تحتاج في تشبيه البرق بالسيوف والسيوف

بالبرق إلى تأويل أكثر من أنَّ العين تؤدّي إليك من

حيث الشكل واللون وكيفية اللمعان،

صورةً خاصّةً تجدها في كل واحد من الشيئين

على الحقيقة، ولا يُمكننا أن نقول إن الثريا شُبّهت

باللجام المفضَّض، وبعنقود الكرم المنوّر،

وبالوشاح المفصَّل، لتأويل كذا، بل ليس بأكثر من

أنّ أَنْجُم الثريا لونها لون الفِضَّة، ثم إن أجْرَامها

في الصِغَر قريبة من تلك الأطراف المركَّبة على سُيُور اللِّجام،

ثم إنها في الاجتماع والافتراق، على مقدارٍ قريبٍ

من مواقع تلك الأطراف وكذا القول في: العنقود،

فإن تلك الأنوار مشاكلةٌ لها في البياض،

وفي أنها ليست متضامّة تضامَّ التلاصق،

ولا هي شديدة التباين، حتى يبعد الفصل بين بعضها

وبعض بل مقاديرها في القرب والبعد على

صفةٍ قريبةٍ مما يتراءى في العين من مواقع تلك الأنجم.


وإذا كان مَدارُ الأمر على أن العين تصف من هذا

ما تصف من ذاك، لم يكن تشبيه اللجام المفضّض

بالثريا إلا كتشبيه الثريا به، والحكم على أحدهما

بأنه فرغٌ أو أصلٌ، يتعلق بقصد المتكلم،

فما بدأ به في الذكر فقد جعله فرعاً وجعل الآخر أصلاً،

وليس كذلك قولنا له خُلق كالمسك، وهو في دُنوّه بعطائه،

وبُعده بعزّه وعلائه، كالبدر في ارتفاعه،

مع نزول شُعاعه، لأن كون الخُلق فرعاً والمِسك أصلاً،

أمرٌ واجب من حيث كان المعلوم من طريق

الإحساس والعيان متقدماً على المعلوم من طريق

الروِيَّة وهاجس الفكر. وحُكْم هذا في أنّ الفرع

لا يخرج عن كونه فَرْعاً على الحقيقة،

حكمُ ما طريق التشبيه فيه المبالغةُ من المشاهدات

والمحسوسات، كقولك هو كحنك الغراب في السواد،

لما هو دونه فيه، وقولك في الشيء من الفواكه

مثلاً هو كالعسل، فكما لا يصحّ أن يُعْكَس فيُشبَّه

حَنَك الغراب بما هودونه في السواد،

والعسلُ بما لا يساويه في صِدق الحلاوة،

كذلك لا يصحّ أن تقول هذا مسك كخُلق فلان،

إلاّ على ما قدّمت من التخييل، ألا ترى أنه كلامٌ لا يقوله

إلاّ مَن يُريد مَدْحَ المذكور؛ فأمَّا أن يكون القصدُ

بيان حال المِسْك، على حدِّ قَصْدِك أن تبيّن حالَ الشيء

المشبَّه بحنك الغراب في السواد والمشبَّهِ بالعسل في الحلاوة،

فما لا يكون، كيف ولولا سَبْقُ المعرفة من طريق الحسّ

بحال المسك، ثم جريان العُرف بما جرى من تشبيه

الأخلاق به، واستعارةِ الطِّيب لها منه، لم يُتصوَّر

هذا الذي تريد تخييله من أنّا نبالغ في وصف المسك

بالطيب بتشبيهنا له بخُلق الممدوح، وعلى ذلك قولهم

كأنما سرق المسكُ عَرْفَهُ من خلُقك، والعسلُ حلاوتَه من لفظك،

هو مبنيٌّ على العُرف السابق، من تشبيه الخُلق

بالمسك واللفظ بالعسل، ولو لم يتقدم ذلك

ولم يُتعارف ولم يستقرّ في العادات،

لم يُعقَل لهذا النحو من الكلام معنًى،

لأنّ كل مبالغة ومجاز فلا بدّ من أن يكون له استنادٌ إلى حقيقة.


وإذا ثبتت هذه الفروق والمقابلات بين التشبيه

الصريح الواقع في العيان وما يُدركه الحسّ،

وبين التمثيل الذي هو تشبيهٌ من طريق العقل

والمقاييسِ التي تجمع بين الشيئين في حكمٍ

تقتضيه الصِّفةُ المحسوسة لا في نفس الصفة

كما بيّنتُ لك في أول قولٍ ابتدأتُه في الفرق بين

التشبيه الصريح وبين التمثيل، من أنك تشبّه

اللَّفظ بالعَسل على أنك تجمع بينهما في حكمٍ توجبه

الحلاوةُ دون الحلاوة نفسها. فهاهنا لطيفةٌ أخرى

تعطيك للتمثيل مَثَلاً من طريق المشاهدة،

وذلك أنك بالتمثيل في حكم مَن يرى صورةً واحدةً،

إلاّ أنه يراها تارة في المرآة، وتارة على ظاهر الأمر،

وأما في التشبيه الصريح،

فإنك ترى صورتين على الحقيقة،

يبيّن ذلك أنّا لو فرضنا أن تزول عن أوهامنا

ونفوسنا صُوَرُ الأجسام من القرب والبعد وغيرهما

من الأوصاف الخاصةبالأشياءِ المحسوسة،

لم يمكنّا تخيّلُ شيءٍ من تلك الأوصاف في الأشياء المعقولة،

فلا يُتصوَّر مَعنَى كونِ الرجل بعيداً من حيث العزّة والسلطان،

قريباً من حيث الجُود والإحسان، حتى يخطر ببالك

وتطمح بفكرك إلى صورة البدر وبُعد جِرْمه عنك،

وقُرب نوره منك، وليس كذلك الحال في الشيئين

يُشبه أحدهما الآخر من جهة اللون والصورة والقدر،

فإنك لا تفتقر في معرفة كونِ النَّرجس وخَرْطه

واستدارته وتوسُّط أحمره لأبيضه إلى تشبيهه بمَدَاهن عقيق،

كيف وهو شيء تعرضه عليك العينُ،

وتضعه في قلبك المشاهدة، وإنما يزيدك التشبيهُ

صورةً ثانيةً مثل هذه التي معك، ويجتلبها لك من

مكان بعيد حتى تراهما معاً وتجدهما جميعاً، وأما في الأول،

فإنك لا تجد في الفَرْع نفس ما في الأصل من الصفة

وجنسه وحقيقته، ولا يُحضِرك التمثيلُ أوصافَ الأصل

على التعيين والتحقيق، وإنما يُخيّل إليك أنه يحضرك ذلك،

فإنه يُعطيك من الممدوح بدراً ثانياً،

فصار وِزانُ ذلك وزانَ أن المرآة تُخيّل إليك أنّ فيها

شخصاً ثانياً صورتُه صورة ما هي مقابِلةٌ له،

ومتى ارتفعت المقابلة، ذهب عنك ما كنت تتخيّله،

فلا تجد إلى وجوده سبيلاً، ولا تستطيع له تحصيلاً،

لا جملةً ولا تفصيلاً.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 8:00 pm

فصل في الفرق بين الاستعارة والتمثيل



اعلم أن من المقاصد التي تقع العناية بها أن نُبيّن

حالَ الاستعارةِ مع التمثيل، أهي هو على الإطلاق

حتى لا فرق بين العبارتين، أم حدُّها غيرُ حدِّه

إلا أنها تتضمّنه وتَتَّصل به?

فيجب أن نُفرِد جملةً من القول في حالها مَع التَّمثيل،

قد مضى في الاستعارة أن حدّها يكون

للّفظ اللُّغوي أصلٌ، ثم يُنقَل عن ذلك الأصل

على الشرط المتقدم، وهذا الحدّ لا يجيء في الذي

تقدَّم في معنى التمثيل، من أنه الأصل في كونه

مَثَلاً وتمثيلاً، وهو التشبيه المنتزَع من

مجموع أمور، والذي لا يُحصّله لك إلا جملةٌ

من الكلام أو أكثر، لأنك قد تجد الألفاظَ في

الجمل التي يُعقَد منها جاريةً على أصولها

وحقائقها في اللغة، وإذا كان الأمر كذلك،

بانَ أَنَّ الاستعارة يجب أن تُقيد حكماً زائداً

على المراد بالتمثيل، إذ لو كان مرادُنا بالاستعارة

هو المراد بالتمثيل، لوَجب أن يصحّ إطلاقُها في

كل شيء يقال فيه إنه تمثيلٌ ومَثَل، والقول فيها

أنّها دِلالة على حكمٍ يثبت للّفظ، وهو نقلُه عن

الأصل اللغويّ وإجراؤه على ما لم يوضع له،

ثم إن هذا النقل يكون في الغالب من أجل شَبَهٍ

بين ما نُقِلَ إليه وما نُقِلَ عنه، وبيان ذلك ما مضى

من أنك تقول: رأيت أسداً، تريد رجلاً شبيهاً به

في الشجاعة وظبيةً تريد امرأة شبيهة بالظبية،

فالتشبيه ليس هو الاستعارة ولكن الاستعارة

كانت من أجل التشبيه، وهو كالغرض فيها،

وكالعلّة والسبب في فِعْلها. فإن قلت كيف تكون

الاستعارة من أجل التشبيه، والتشبيه يكون

ولا استعارةَ؛ وذلك إذا جئتَ بحرفه الظاهر فقلت زيد الأسد.


فالجواب أن الأمر كما قلتَ، ولكنّ التشبيه يحصُل

بالاستعارة على وجه خاصٍّ وهو المبالغة،

فقولي: من أجل التشبيه، أردتُ به من أجل التشبيه

على هذا الشرط، وكما أن التشبيه الكائنَ على

وجه المبالغة غَرَضٌ فيه وعِلَّة، كذلك الاختصار

والإيجاز غَرَضٌ من أغراضها،

ألا ترى أنك تُفيد بالاسمِ الواحدِ الموصوفَ

والصفةَ والتشبيهَ والمبالغةَ، لأنك تُفيد بقولك رأيت أسداً،

أنك رأيت شجاعاً شبيهاً بالأسد،

وأنّ شَبَهه به في الشجاعة على أتمّ ما يكون وأبلغِه،

حتى إنه لا ينقص عن الأسد فيها، وإذا ثبت ذلك،

فكما لا يصحّ أن يقال إن الاستعارة هي الاختصار

والإيجاز على الحقيقة، وأنّ حقيقتها وحقيقتهما واحدة،

ولكن يقال إن الاختصار والإيجاز يحصلان بها،

أو هما غرضان فيها، ومن جملة ما دعا إلى فِعْلِها،

كذلك حكمُ التشبيه معها، فإذا ثبت أنها ليست التشبيهَ

على الحقيقة، كذلك لا تكون التمثيل على الحقيقة،

لأن التمثيلَ تشبيهٌ إلا أنه تشبيهٌ خاصٌّ،

فكلُّ تمثيلٍ تشبيهٌ، وليس كلُّ تشبيهٍ تمثيلاً.



وإذا قد تقرَّرتْ هذه الجملة، فإذا كان الشَبَه بين

المستعار منه والمستعار له من المحسوس

والغرائزِ والطِّباع وما يجري مجرَاها من الأوصاف المعروفة،

كان حقّها أن يقال إنها تتضمّن التشبيه،

ولا يقال إنّ فيها تمثيلاً وضَرْبَ مَثَل،

وإذا كان الشَّبَه عقلياً جاز إطلاق التمثيل فيها،

وأَن يقال ضُرِبَ الاسمُ مَثَلاً لكذا، كقولنا ضُرب

النور مثلاً للقرآن، والحياةُ مَثَلاً للعلم.


فقد حصلنا من هذه الجملة على أن المستعير يَعْمِد

إلى نقل اللفظ عن أصله في اللغة إلى غيره،

ويجوز به مكانَه الأصليَّ إلى مكان آخر،

لأجل الأغراض التي ذكرنا من التشبيه والمبالغة

والاختصار، والضَّارب للمثل لا يفعل ذلك ولا يقصِده،

ولكنه يقصِد إلى تقرير الشَّبه بين الشيئين من

الوجه الذي مضى، ثم إنْ وقع في أَثناء ما يُعْقَد به

المثلُ من الجملة والجملتين والثلاث لفظةٌ منقولةٌ

عن أصلها في اللغة، فذاك شيءٌ لم يعتمده من جهة

المَثَلُ الذي هو ضاربه، وهكذا كان متعاطٍ لتشبيهٍ صريحٍ،

لا يكون نَقْل اللفظ من شأنه ولا مِن مُقتضى غرضه،

فإذا قلت: زيد كالأسد، وهذا الخبر كالشمس في الشهرة،

وله رأيٌ كالسَّيف في المضاء، لم يكن منك نقلٌ للفظِ

عن موضوعه، ولو كان الأمر على خلاف ذلك،

لوجب أن لا يكون في الدنيا تشبيه إلا وهو مجاز،

وهذا مُحالٌ، لأن التشبيه معنًى من المعاني وله

حروف وأسماءٌ تدلّ عليه، فإذا صُرّح بذلك ما هو

موضوع للدلالة عليه، كان الكلام حقيقةً كالحكم في

سائر المعاني فاعرفه.



واعلم أن اللفظة المستعارة لا تخلو من أن

تكون اسماً أو فعلاً، فإذا كانت اسماً كان اسمَ جنس أو صفةً،

فإذا كاناسمَ جنسٍ فإنك تراه في أكثر الأحوال التي

تُنقَل فيها محتملاً مُتَكَفِّئاً بين أن يكون للأصل،

وبين أن يكون للفرع الذي من شأنه أن يُنقَل إليه،

فإذا قلتَ: رأيت أسداً، صَلَحَ هذا الكلام لأن تريد به

أنك رأيتَ واحداً من جنس السَّبُعِ المعلوم،

وجاز أن تريد أنك رأيتَ شجاعاً باسلاً شديد الجُرأة،

وإنما يَفْصِل لك أحدَ الغَرَضين من الآخر شاهدُ الحال،

وما يتَّصل به من الكلام من قبل وبعد.

وإن كان فعلاً أو صفةً، كان فيهما هذا الاحتمال

في بعض الأحوال، وذلك إذا أسندتَ الفعلَ

وأجريتَ الصفة على اسم مُبهَم يقعُ على ما يكون

أصلاً في تلك الصفة وذاك الفعل، وما يكون فرعاً فيهما،

نحو أن تقول: أنار لي شيءٌ وهذا شيءٌ مُنِير،

فهذا الكلام يحتمل أن يكون أنار ومُنِير فيه واقعَين

على الحقيقة، بأن تعني بالشيء بعضَ الأجسام

ذوات النور وأن يكونَا واقعَين على المجاز،

بأن تريد بالشيء نوعاً من العلم والرأي وما أشبه

ذلك من المعاني التي لا يَصِحُّ وجود النور فيها حقيقةً،

وإنما توصف به على سبيل التشبيه.


وفي الفعل والصفة شيء آخرُ، وهو أنك كأنك تدَّعي

معنى اللَّفظ المستعار للمستعار له، فإذا قلتَ:

قد أنارت حُجَّتُه، وهذه حجَّةٌ منيرة، فقد ادّعيتَ للحُجَّة النور،

ولذلك تجيء فتُضيفه إليك، كما تضاف المعاني

التي يُشتقّ منها الفعلُ والصفةُ إلى الفاعل والموصوف

فتقول: نُورُ هذه الحجّة جَلاَ بَصَرِي، وشرح صَدْرِي،

كما تقول: ظهر نُورُ الشمس، والمثل لا يوجب شيئاً

من هذه الأحكام، فلا هو يقتضي تردُّدَ اللفظ بين

احتمال شيئينِ ولا أن يُدَّعى معناه للشيء،

ولكنه يدَعُ اللفظَ مستقرّاً على أصله.


وإذ قد ثبت هذا الأصل، فاعلم أن هاهنا أصلاً

آخر يُبنَى عليه، وهو أن الاستعارة وإن كانت

تعتمد التشبيه والتمثيلَ وكان التشبيهُ يقتضي شيئين

مشبَّهاً ومشبَّهاً به، وكذلك التمثيل، لأنه كما عرفت تشبيهٌ

إلا أنه عقليٌّ فإن الاستعارة من شأنها أن

تُسقِطَ ذكرَ المشبَّه من البَيْنِ وتطرحه، وتدَّعَي له

الاسمَ الموضوعَ للمشبَّه به،

كما مضى من قولك: رأيت أسداً، تريد رجلاً شجاعاً

ووردتُ بحراً زاخراً، تريد رجلاً كثير الجُود فائضَ

الكفّ وأبديتُ نوراً، تريد علماً وما شاكل ذلك،

فاسم الَّذِي هو المشبَّه غير مذكورٍ بوجه من الوجوه كما ترى،

وقد نقلتَ الحديثَ إلى اسم المشبَّه به، لقَصْدك أن تبالغ،

فتضع اللَّفظ بحيث يُخيّل أنَّ معك نَفْس الأسد والبحر والنور،

كي تُقوِّي أمر المشابهة وتشدّده، ويكون لها هذا

الصنيع حيث يقع الاسم المستعار فاعلاً أو مفعولاً

أو مجروراً بحرف الجرّ أو مضافاً إليه، فالفاعل كقولك:

بدا لي أسدٌ وانبرى لي لَيْثٌ وبدا نُورٌ وظهرت شمسٌ

ساطعة وفاض لي بالمواهبِ بحرٌ، كقوله:

جنسٍ فإنك تراه في أكثر الأحوال التي تُنقَل فيها محتملاً

مُتَكَفِّئاً بين أن يكون للأصل،

وبين أن يكون للفرع الذي من شأنه أن يُنقَل إليه،

فإذا قلتَ: رأيت أسداً، صَلَحَ هذا الكلام لأن تريد به

أنك رأيتَ واحداً من جنس السَّبُعِ المعلوم،

وجاز أن تريد أنك رأيتَ شجاعاً باسلاً شديد الجُرأة،

وإنما يَفْصِل لك أحدَ الغَرَضين من الآخر شاهدُ الحال،

وما يتَّصل به من الكلام من قبل وبعد.


وإن كان فعلاً أو صفةً، كان فيهما هذا الاحتمال في

بعض الأحوال، وذلك إذا أسندتَ الفعلَ وأجريتَ الصفة

على اسم مُبهَم يقعُ على ما يكون أصلاً في تلك الصفة

وذاك الفعل، وما يكون فرعاً فيهما، نحو أن تقول:

أنار لي شيءٌ وهذا شيءٌ مُنِير، فهذا الكلام يحتمل

أن يكون أنار ومُنِير فيه واقعَين على الحقيقة،

بأن تعني بالشيء بعضَ الأجسام ذوات النور وأن

يكونَا واقعَين على المجاز، بأن تريد بالشيء نوعاً

من العلم والرأي وما أشبه ذلك من المعاني التي

لا يَصِحُّ وجود النور فيها حقيقةً، وإنما توصف به

على سبيل التشبيه. وفي الفعل والصفة شيء آخرُ،

وهو أنك كأنك تدَّعي معنى اللَّفظ المستعار للمستعار له،

فإذا قلتَ: قد أنارت حُجَّتُه، وهذه حجَّةٌ منيرة،

فقد ادّعيتَ للحُجَّة النور، ولذلك تجيء فتُضيفه إليك،

كما تضاف المعاني التي يُشتقّ منها الفعلُ والصفةُ

إلى الفاعل والموصوف فتقول: نُورُ هذه الحجّة

جَلاَ بَصَرِي، وشرح صَدْرِي، كما تقول:

ظهر نُورُ الشمس، والمثل لا يوجب شيئاً من هذه الأحكام،

فلا هو يقتضي تردُّدَ اللفظ بين احتمال شيئينِ

ولا أن يُدَّعى معناه للشيء، ولكنه يدَعُ اللفظَ مستقرّاً على أصله.


وإذ قد ثبت هذا الأصل، فاعلم أن هاهنا أصلاً آخر يُبنَى عليه،

وهو أن الاستعارة وإن كانت تعتمد التشبيه والتمثيلَ

وكان التشبيهُ يقتضي شيئين مشبَّهاً ومشبَّهاً به،

وكذلك التمثيل، لأنه كما عرفت تشبيهٌ إلا أنه عقليٌّ فإن

الاستعارة من شأنها أن تُسقِطَ ذكرَ المشبَّه من البَيْنِ وتطرحه،

وتدَّعَي له الاسمَ الموضوعَ للمشبَّه به،

كما مضى من قولك: رأيت أسداً،

تريد رجلاً شجاعاً ووردتُ بحراً زاخراً،

تريد رجلاً كثير الجُود فائضَ الكفّ وأبديتُ نوراً،


تريد علماً وما شاكل ذلك، فاسم الَّذِي هو المشبَّه

غير مذكورٍ بوجه من الوجوه كما ترى، وقد نقلتَ الحديثَ

إلى اسم المشبَّه به، لقَصْدك أن تبالغ، فتضع اللَّفظ

بحيث يُخيّل أنَّ معك نَفْس الأسد والبحر والنور،

كي تُقوِّي أمر المشابهة وتشدّده، ويكون لها هذا الصنيع

حيث يقع الاسم المستعار فاعلاً أو مفعولاً أو مجروراً

بحرف الجرّ أو مضافاً إليه، فالفاعل كقولك:

بدا لي أسدٌ وانبرى لي لَيْثٌ وبدا نُورٌ وظهرت شمسٌ

ساطعة وفاض لي بالمواهبِ بحرٌ، كقوله:

وَفِي الجِيرة الغَادِين من بَطن وَجْرةٍ ** غزالٌ كَحِيلُ المُقلـتَـيْن رَبِـيبُ


والمفعولُ كما ذكرت من قولك: رأيت أسداً،

والمجرور نحو قولك لا عَارَ إن فَرّ من أَسدٍ يَزْأَر،

والمضاف إليه كقوله:

يَا ابن الكواكب من أَئِمّة هاشمٍ ** والرُجَّحِ الأَحسابِ والأَحْـلامِ


وإذا جاوزتَ هذه الأحوال، كان اسم المشبَّه

مذكوراً وكان مبتدأ، واسمُ المشبَّه به واقعاً في

موضع الخبر، كقولك: زيد أسد، أو على هذا الحد،

وهل يستحقّ الاسم في هذه الحالة أن يوصف بالاستعارة أم لا?

فيه شبهة وكلامٌ سيأتيك إن شاء اللَّه تعالى.



وإذ قد عرفت هذه الجملةَ،

فينبغي أن تعلم أنه ليس كل شيء يجيء مشبَّهاً به

بكافٍ أو بإضافة مِثْلَ إليه، يجوز أن تسلّط عليه الاستعارة،

وتُنفِذ حكمَها فيه، حتى تنقله عن صاحبه وتدّعيه للمشبَّه

على حدّْ قولك: أبديتُ نوراً تريد علماً، وسللتُ سيفاً صارماً،

تريد رأياً نافذاً وإنما يجوز ذلك إذا كان الشَّبه بين

الشيئين مما يقرُب مأخذه وَيَسْهُل متناوَلُه،

ويكونُ في الحالِ دليلٌ عليه، وفي العُرف شاهدٌ له،

حتى يُمكن المخاطَبَ إذا أطلقت له الاسم أن يعرف

الغَرَضَ ويعلم ما أردت، فكل شيء كان من الضَّرب الأول

الذي ذكرتُ أنك تكتفي فيه بإطلاق الاسم داخلاً عليه

حرف التشبيه نحو قولهم هو كالأسد، فإنك إذا أدخلت

عليه حكم الاستعارة وجدت في دليل الحال،

وفي العرف ما يُبيِّن غرضك، إذ يُعْلَم إذا قلت رأيت أسداً،

وأنت تريد الممدوح، أنّك قصدت وصفَه بالشجاعة

وإذا قلت طلعت شمسٌ، أنت تريد امرأة،

عُلِم أنك تريد وَصْفها بالحسن، وإن أردت الممدوح

عُلِم أنك تقصِد وصفَه بالنَّباهة والشرف.



فأما إذا كان من الضرب الثاني الذي لا سبيل إلى

معرفة المقصود من الشبه فيه إلا بعد ذكر الجمل

التي يعقد بها التمثيل، فإن الاستعارة لا تدخله،

لأن وجه الشبه إذا كان غامضاً لم يَجُز أن تقتسر

الاسم وتَغْصِب عليه موضعه، وتنقله إلى غير ما هو

أهله من غير أن يكون معك شاهدٌ يُنبئُ عن الشَبه.


فلو حاولتَ في قوله: "فإنَّك كالليلِ الَّذِي هو مُدْرِكِي"

أن تُعامل الليلَ معاملةَ الأسد في قولك: رأيت أسداً،

أعني أن تُسقط ذكر الممدوح من البَيْن،

لم تجد له مذهباً في الكلام، ولا صادفت طريقةً تُوَصِّلك إليه،

لأنك لا تخلُو من أحد أمرين إمّا أن تحذفَ الصفةَ وتقتصر

على ذكر الليل مجرّداً فتقول إن فررتُ أظلّني اللَّيل،

وهذا محال، لأنه ليس في الليل دليل على النكتة التي

قصدها من أنه لا يفوتُه وإن أبعد في الهرب،

وصار إلى أقصى الأرض، لسعة مُلكه وطول يده،

وأَنّ له في جميع الآفاق عاملاً وصاحبَ جيش

ومُطيعاً لأوامره يردُّ الهارب عليه ويسوقه إليه وغايةُ

ما يتأتَّى في ذلك أن يريد أنه إن هرب عنه أظلمت عليه الدنيا،

وتحيَّر ولم يهتدِ، فصار كمن يحصُل في ظُلمة الليل،

وهذا شيء خارج عن الغَرَض، وكلامنا على أن تستعير

الاسم ليؤدَّى به التشبيه الذي قُصِد في البيت ولم أُرِد

أنه لا تُمكن استعارته على معنًى ما، ولا يَصْلُح في

غرض من الأغراض. وإن لم تحذف الصفة،

وجدت طريق الاستعارة فيه يؤدِّي إلى تعسّف،

إذ لو قلت إن فررتُ منك وجدتُ ليلاً يُدْركني،

وإن ظننتُ أنّ المنتأَى واسعٌ والمهرَبَ بعيدٌ قلتَ ما

لا تقبله الطِّباع، وسلكتَ طريقةً مجهولةً،

لأن العُرف لم يَجْرِ بأن يُجعل الممدوحُ ليلاً هكذا،

فأمّا قولهم إن التشبيه بالليل يتضمّن الدِّلالة على سُخطه،

فإنه لا يُفسح في أن يجرى اسم الليل على الممدوح

جَرْيَ الأسدِ والشمس ونحوهما، وإنما تصلُح استعارة

الليل لمن يُقصَد وصفُه بالسَّواد والظلمة،

كما قال ابن طباطبا: "بَعثْتَ معي قِطْعاً من الليل مُظلمَا"

يعني زِنْجيّاً قد أنفذه المخاطَبُ معه حين انصرف عنه

إلى منزله، هذا وربّما - بل كلما - وجدتَ ما إن رُمْتَ

فيه طريقةَ الاستعارة، لم تجد فيه هذا القدر من التُّمحل

والتكلُّف أيضاً،و وهو كقولِ النبيّ صلى الله عليه وسلم:

"الناسُ كإبلٍ مئة لا تجدُ فيها راحلة"،

قُل الآن من أيّ جهة تصِلُ إلى الاستعارة ههنا،

وبأيّ ذريعة تَتذرَّع إليها?

هل تقدر أن تقول: رأيت إبلاً مئة لا تجد فيها راحلة في معنى:

رأيت ناساً أو الإبل المئة التي لا تجد فيها راحلةً،

تريد الناس، كما قلت: رأيت أسداً على معنى رجلاً كالأسد أو الأسد،

على معنى الذي هو كالأسدُ? وكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم:

" مَثَلُ المُؤمِن كمثل النَّخلة أو مثل الخامة"،

لا تستطيع أن تتعاطى الاستعارة في شيء منه فتقولَ:

رأيت نَخلة أو خامةً على معنى رأيت مؤمناً،

إنَّ من رام مثل هذا كان كما قال صاحب الكتاب:

مُلْغِزاً تاركاً لكلام الناس الذي يَسْبِق إلى أفئدتهم،

وقد قدّمتُ طرفاً من هذا الفصل فيما مضى،

ولكنني أعدته هاهنا لاتصاله بما أريد ذكره.



فقد ظهر أنه ليس كل شيء يجيء فيه التشبيه الصريح

بذكر الكاف ونحوها، يستقيم نَقْلُ الكلام فيه

إلى طريقة الاستعارة، وإسقاطِ ذكر المشبَّه جملةً،

والاقتصار على المشبَّه به، وبقي أن نتعرّف الحكمَ

في الحالة الأخرى، وهي التي يكون كل واحدٍ من

المشبَّه والمشبَّه به مذكوراً فيه، نحو زيدٌ أسدٌ ووجدته أسداً،

هل تُساوِقُ صريحَ التشبيه حتى يجوز في كل شيئين

قُصِدَ تشبيهُ أحدهما بالآخر أن تحذف الكافَ ونحوها من الثاني،

وتجعله خبراً عن الأول أو بمنزلة الخبر?

والقولُ في ذلك أن التشبيه إذا كان صريحاً بالكاف،

ومثل، كان الأعرفُ الأشهر في المشبَّه به أن يكون معرفةً،

كقولك: هو كالأسد وهو كالشمس وهو كالبحر وكليث

العرين وكالصبح وكالنجم وما شاكل ذلك، ولا يكاد يجيء

نكرةً مجيئاً يُرتضَى نحو هو كأسد وكبحر وكغَيْث،

إلا أن يُخَصَّص بصفة نحو كبحرٍ زاخر، فإذا جعلت

الاسمَ المجرور بالكاف مُعْرَباً بالإعراب الذي يستحقّه الخبر

من الرفع أو النصب، كان كلا الأمرين - التعريف والتنكيرِ -

فيه حسناً جميلاً،

تقول: زيدٌ الأسد والشمس والبحرُ وزيد أسدٌ وشمس

وبدر وبحر. وإذْ قد عرفت هذا فارجع إلى نحو

"فإنك كالليل الذي هو مدركي"

واعلم أنه قد يجوز فيه أن تحذف الكاف وتجعل المجرور كان به،

خبراً، فتقول: فإنك الليل الذي هو مدركي،

أو أنت الليل الذي هو مدركي، وتقول في

قول النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَثَلُ المؤمن مَثَل الخامة من الزرع"،

المؤمن الخامة من الزرع، وفي قوله عليه السلام:

(الناس كإبلٍ مئة) الناس إبل مئة، ويكون تقديره

على أنك قدّرت مضافاً محذوفاً على حدّ:

"وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ" "يوسف: 82"، تجعل الأصل:

فإنك مثلُ الليل ثم تحذف مِثْلاً،

والنكتةُ في الفرق بين هذا الضرب الذي لا بُدّ للمجرور

بالكاف ونحوِها من وَصْفه بجملة من الكلام أو نحوها،

وبين الضرب الأول الذي هو نحو زيد كالأسد

أنك إذا حذفتَ الكاف هناك فقلت: زيدٌ الأسد،

فالقصد أن تبالغ في التشبيه فتجعل المذكورَ كأنه الأسد،

وتشير إلى مثل ما يَحصُلُ لك من المعنى إذا حذفت ذكر

المشبَّه أصلاً فقلت: رأيت أسداً أو الأسَد،

فأمّا في نحو فإنك كالليل الذي هو مدركي،

فلا يجوز أن تقصِد جعلَ الممدوحِ الليلَ،

ولكنك تنوي أنك أردت أن تقول فإنك مِثل الليل،

ثم حذفت المضاف من اللفظ، وأبْقَيت المعنى

على حاله إذا لم تحذف، وأمَّا هناك،

فإنه وإن كان يقال أيضاً إن الأصل زيد مثل أسد

ثم تحذف فليس الحذفُ فيه على هذا الحدّ، بل على

أنه جُعل كأَنْ لم يكن لقصد المبالغة، ألا تراهم يقولون:

جعله الأسد? وبعيدٌ أن تقول جعله الليل،

لأن القصد لم يقع إلى وصف في الليل كالظلمة ونحوها،

وإنّما قُصد الحكمُ الذي له، من تعميمه الآفاق،

وامتناعِ أن يصير الإنسان إلى مكان لا يُدركه الليلُ فيه.


وإن أردت أن تزداد علماً بأن الأمر كذلك أعني أن

هاهنا ما يصلح فيه التشبيه الظاهر ولا تصلح فيه

المبُالغة وجَعلُ الأولِ الثاني فاعمد إلى ما تجد الاسم

الذي افتُتح به المَثَل فيه غيرَ محتمل لضربٍ

من التشبيه إذا أُفردِ وقُطع عن الكلام بعده،

كقوله تعالى: "إنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ

مِنَ السَّمَاءِ" "يونس: 34"، لو قلت إنما الحياة

الدنيا ماءٌ أنزلناه من السماء أو الماء ينزل من السماء

فتخضّر منه الأرض، لم يكن للكلام وجهٌ غيرُ أن

تقدّر حذف مِثْل نحو إنما الحياة الدنيا مِثْلُ ماء

ينزل من السماء فيكون كيت وكيت،

إذ لا يُتصوَّر بين الحياة الدنيا والماء شَبَهٌ يصحُّ

قصدُه وقد أُفْرِد، كما قد يُتخيَّل في البيت أنه قصد تشبيه

الممدوح بالليل في السُّخط. وهذا موضعٌ في الجملة مُشْكِلٌ،

ولا يمكن القطع فيه بحكم على التفصيل،

ولكن لا سبيل إلى جَحْد أنك تجد الاسم في الكثير

وقد وُضِع موضعاً في التشبيه بالكاف،

لو حاولتَ أن تُخرجه في ذلك الموضع بعينه إلى

حدّ الاستعارة والمبالغة، وجَعْلِ هذا ذاك، لم يَنْقَدْ لك،

كالنكرة التي هي ماء في الآية وفي الآي الأُخَر

نحو قوله تعالى: "أَو كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ

وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ" "البقرة: 19"، ولو قلت هم صيّبٌ،

ولا تُضمر مِثلاً ألبتَّة، على حدّ هو أسد لم يجز،

لأنه لا معنى لجعلهم صيِّباً في هذا الموضع،

وإن كان لا يمتنعُ أن يقعَ صيِّب في موضع آخر

ليس من هذا الغَرَض في شيء استعارةً ومبالغةً،

كقولك: فاضَ صَيِّبٌ منه، تريد جوده، وهو صَيِّب يَفيض،

تريد مندفق في الجود، فلسنا نقول إن هاهنا اسمَ جنسٍ

واسماً صفةً لا يصلح للاستعارة في حال من الأحوال،

وهذا شِعب من القولِ يحتاج إلى كلام أكثر من

هذا ويدخل فيه مسائل، ولكن استقصاءه يقطع عن الغرض.


فإن قلت فلا بدّ من أصلٍ يُرجع إليه في الفرق بين

ما يحسُن أن يُصرَف وَجْهُه إلى الاستعارة والمبالغة،

وما لا يحسن ذلك فيه، ولا يُجيبك المعنى إليه،

بل يصدُّ بوجهه عنك متى أردته عليه .


فالجواب إنه لا يمكن أن يقال فيه قولٌ قاطع،

ولكن هاهنا نكتة يجب الاعتماد عليها والنظر إليها،

وهي أن الشَّبه إذا كان وصفاً معروفاً في الشيء

قد جرى العُرف بأن يُشبَّه من أجله به،

وتُعُورف كونه أصلاً فيه يقاسُ عليه كالنور

والحُسن في الشمس، أو الاشتهار والظهور،

وأنّها لا تَخْفَى فيها أيضاً وكالطيب في المسك،

والحلاوة في العسل، والمرارة في الصاب،

والشجاعة في الأسد، والفيض في البحر والغيث،

والمَضاء والقَطْع والحِدَّة في السيف، والنفاذِ في السِّنان،

وسرعة المرور في السَّهم، وسرعة الحركةِ في

شعلةِ النار، وما شاكل ذلك من الأوصاف التي

لكل وَصْف منها جنسٌ هو أصل فيه،

ومُقدَّم في معانيه فاستعارةُ الاسم للشيء على

معنى ذلك الشَّبه تجيء سهلةً مُنْقادة، وتقع مألوفةً معتادة،

وذلك أنّ هذه الأوصافَ من هذه الأسماء

قد تعورف كونها أصولاً فيها، وأنها أخصُّ ما توجد فيه بها،

فكل أحد يعلم أن أخصَّ المنيرات بالنور الشمسُ،

فإذا أُطلقَتْ ودلَّت الحال على التشبيه، لم يخفَ المرادُ،

ولو أنك أردت من الشمس الاستدارة، لم يَجُزْ أن

تدلّ عليه بالاستعارة، ولكن إن أردتها من الفَلَك جاز،

فإن قصدتها من الكُرة كان أبْين، لأن الاستدارة من

الكُرة أشهر وصفٍ فيها، ومتى صَلَحت الاستعارةُ في شيء،

فالمبالغة فيه أصلح، وطريقها أوضح، ولسان الحال فيها أفصح،

أعني أنك إذا قُلتَ: "يا ابن الكواكبِ من أئمّة هاشمِ"

وَ: "يا ابنَ الليوثِ الغُر" فأجريت الاسمَ على المشبَّة

إجراءَه على أصله الذي وُضع له وادّعيتَه له،

كان قولك: هم الكواكب و هم الليوث أو هم كواكب وليوث،

أحْرَى أن تقوله، وأَخفَّ مَؤُونةً على السامع في

وقوعِ العلم له به.

واعلم أن المعنى في المبالغة وتفسيرنا لها بقولنا

جَعَلَ هذا ذاك، وجعله الأسد وادّعى أنه الأسد حقيقةً،

أنّ المشبِّه الشيءَ بالشيء من شأنه أن ينظرَ إلى

الوصف الذي به يجمع بين الشيئين، وينفيَ عن نفسه

الفكرفيما سواه جملةً، فإذا شبَّه بالأسد، ألقى صورة

الشجاعة بين عينيه، ألقى ما عداها فلم ينظر إليه،

فإنْ هو قال زيد كالأسد، كان قد أثبت له حظّاً ظاهراً

في الشجاعة، ولم يخرج عن الاقتصاد، وإذا قال هو الأسد،

تناهَى في الدعوى، إمّا قريباً من المحقِّ لفرط بسالة الرجل،

وإما متجوِّزاً في القول، فجعله بحيث لا تنقص شجاعته

عن شجاعة الأسد ولا يَعْدَمُ منها شيئاً،

وإذا كان بحكم التشبيه،وبأنه مقصودُه من ذكر الأسد

في حكم مَن يعتقدُ أنّ الاسمَ لم يوضع على ذلك

السَّبعُ إلا للشجاعة التي فيه، وأنّ ما عداها من

صورته وسائر صفاته عِيالٌ عليها وتَبَعٌ لها في

استحقاقه هذا الاسمَ، ثم أثبتَ لهذا الذي يشبِّهه به

تلك الشجاعةَ بعينها حتى لا اختلافَ ولا تفاوتَ،

فقد جعلَهُ الأسدَ لا محالة، لأن قولنا هو هو على

معنيين أحدهما أن يكون للشيء اسمان يعرفه

المخاطَبُ بأحدهما دون الآخر، فإذا ذُكر باسمه الآخر

توهَّم أن معك شيئين، فإذا قلت: زيد هو أبو عبد اللَه،

عرّفته أن هذا الذي تذكر الآن بزيد هو الذي عَرَفه بأبي عبد اللَّه،

من الأوصاف التي لكل وَصْف منها جنسٌ هو أصل فيه،

ومُقدَّم في معانيه فاستعارةُ الاسم للشيء على

معنى ذلك الشَّبه تجيء سهلةً مُنْقادة، وتقع مألوفةً معتادة،

وذلك أنّ هذه الأوصافَ من هذه الأسماء

قد تعورف كونها أصولاً فيها،

وأنها أخصُّ ما توجد فيه بها، فكل أحد يعلم أن

أخصَّ المنيرات بالنور الشمسُ،

فإذا أُطلقَتْ ودلَّت الحال على التشبيه،

لم يخفَ المرادُ، ولو أنك أردت من الشمس الاستدارة،

لم يَجُزْ أن تدلّ عليه بالاستعارة، ولكن إن أردتها من الفَلَك جاز،

فإن قصدتها من الكُرة كان أبْين، لأن الاستدارة

من الكُرة أشهر وصفٍ فيها، ومتى صَلَحت الاستعارةُ

في شيء، فالمبالغة فيه أصلح، وطريقها أوضح،

ولسان الحال فيها أفصح، أعني أنك إذا قُلتَ:

"يا ابن الكواكبِ من أئمّة هاشمِ" وَ: "يا ابنَ الليوثِ الغُر"

فأجريت الاسمَ على المشبَّة إجراءَه على أصله الذي

وُضع له وادّعيتَه له، كان قولك: هم الكواكب

و هم الليوث أو هم كواكب وليوث، أحْرَى أن تقوله،

وأَخفَّ مَؤُونةً على السامع في وقوعِ العلم له به.


واعلم أن المعنى في المبالغة وتفسيرنا لها بقولنا

جَعَلَ هذا ذاك، وجعله الأسد وادّعى أنه الأسد حقيقةً،

أنّ المشبِّه الشيءَ بالشيء من شأنه أن ينظرَ

إلى الوصف الذي به يجمع بين الشيئين، وينفيَ

عن نفسه الفكرفيما سواه جملةً، فإذا شبَّه بالأسد،

ألقى صورة الشجاعة بين عينيه، ألقى ما عداها فلم ينظر إليه،

فإنْ هو قال زيد كالأسد، كان قد أثبت له

حظّاً ظاهراً في الشجاعة، ولم يخرج عن الاقتصاد،

وإذا قال هو الأسد، تناهَى في الدعوى،

إمّا قريباً من المحقِّ لفرط بسالة الرجل،

وإما متجوِّزاً في القول، فجعله بحيث لا تنقص شجاعته

عن شجاعة الأسد ولا يَعْدَمُ منها شيئاً،

وإذا كان بحكم التشبيه،وبأنه مقصودُه من ذكر

الأسد في حكم مَن يعتقدُ أنّ الاسمَ لم يوضع على

ذلك السَّبعُ إلا للشجاعة التي فيه، وأنّ ما عداها

من صورته وسائر صفاته عِيالٌ عليها وتَبَعٌ لها

في استحقاقه هذا الاسمَ، ثم أثبتَ لهذا الذي يشبِّهه

به تلك الشجاعةَ بعينها حتى لا اختلافَ ولا تفاوتَ،

فقد جعلَهُ الأسدَ لا محالة، لأن قولنا هو هو على

معنيين أحدهما أن يكون للشيء اسمان يعرفه

المخاطَبُ بأحدهما دون الآخر، فإذا ذُكر باسمه

الآخر توهَّم أن معك شيئين، فإذا قلت:

زيد هو أبو عبد اللَه، عرّفته أن هذا الذي تذكر الآن

بزيد هو الذي عَرَفه بأبي عبد اللَّه، والثاني أن يراد

تحققُ التشابُه بين الشيئين، وتكميلُه لهما،

ونَفْيُ الاختلاف والتفاوت عنهما، فيقال: هو هو،

أي لا يمكن الفرقُ بينهما، لأن الفرق يقع إذا اخْتُصَّ

أحدهما بصفةٍ لا تكون في الآخر،

هذا المعنى الثاني فرعٌ على الأوّل،

وذلك أن المتشابهين التشابُهَ التامَّ،

لمَّا كان يُحسَبُ أحدهما الآخر، ويَتوهَم الرائي لهما

في حالين أنه رأى شيئاً واحداً، صاروا إذا حققوا

التشابُه بين الشيئين يقولون هو هو،

والمشبّه إذا وقف وَهْمَه كما عرَّفتُك على الشجاعة

دون سائر الأمور، ثم لم يُثبت بين شجاعة صاحبه

وشجاعة الأسد فرقاً، فقد صار إلى معنى قولنا:

هو هو بلا شبهة. وإذا تقررت هذه الجملة فقوله

"فإنك كالليل الذي هو مدركي"

إن حاولت فيه طريقة المبالغة فقلت:

فإنك الليل الذي هو مدركي، لزمك لا محالة

أن تعْمِد إلى صفةٍ من أجلها تجعله الليل،

كالشجاعة التي من أجلها جعلت الرجلَ الأسدَ،

فإن قلت تلك الصفةُ الظُّلمةُ، وإنّه قصد شدّةَ سخطِه،

وراعى حال المسخوط عليه، وتوهّم أن الدنيا تُظلم

في عينيه حسَب الحال في المُسْتَوْحِش الشديد الوَحْشَة،

كما قال "أَعيدوا صَباحِي فَهْوَ عند الكواعبِ"

قيل لك هذا التقدير، إن استجزناه وعملنا عليه،

فإنا نحتمله، والكلامُ على ظاهره، وحرف التشبيه

مذكورٌ داخلٌ على الليل كما تراه في البيت،

فأمّا وأنت تريد المبالغة، فلا يجيء لك ذلك،

لأن الصفات المذكورة لا يُواجَه بها الممدوحون،

ولا تُسْتعار الأسماء الدالّة عليها لهم إلا بعد أن يُتدارك

وتُقرَن إليها أضدادها من الأوصاف المحبوبة،

كقوله "أنت الصَّاب والعَسَلُ"

ولا تقول وأنت مادح أنت الصابُ وتسكت،

وحتى إن الحاذقَ لا يرضى بهذا الاحتراز وحده

حتى يزيد ويحتال في دفع ما يَغْشَى النفسَ من

الكراهة بإطلاق الصفة التي ليست من الصفات المحبوبة،

فيصل بالكلام ما يخرُج به إلى نوع من المدح،

كقول المتنبي:

حَسَنٌ في وُجوهِ أعدائهِ أقْـ ** ـبَحُ من ضَيْفه رَأَته السَّوَامُ


بدأ فجعله حسناً على الإطلاق،

ثم أراد أن يجعله قبيحاً في عيون أعدائه،

على العادة في مدح الرجل بأن عدوَّه يكرهه،

فلم يُقنعه ما سبق من تمهيده وتقدّم من احترازه

في تلاقي ما يجنيه إطلاق صفة القُبح، حتى وصل

به هذه الزيادةَ من المدح، وهي كراهةُ سَوامِهِ

لرؤية أضيافه، وحتى حصل ذكرُ القبح مغموراً بين حُسنين،

فصار كما يقول المنجّمون: يقع النَّحس مضغوطاً بين سَعْدين،

فيبطل فعله وينمحق أثره. وقد عرفتَ ما جَناه

التهاوُنُ بهذا النحو من الاحتراز على أبي تمّام،

حتى صار ما يُنعَى عليه منه أبلغ شيء في

بسط لسان القادح فيه والمُنْكِر لفضله،

وأحْضَر حُجّةً للمتعصّب عليه، وذلك أنه لم يُبالِ في

كثير من مخاطبات الممدوح بتحسين ظاهر اللفظ،

واقتصر على صميم التشبيه، وأطلق اسم الجنس

الخسيس كإطلاق الشريف النَّبيه، كقوله:

وإذا ما أردتُ كنتَ رِشاءً ** وإذا ما أردتُ كنتَ قَليبَا


فصَكَّ وجهَ الممدوح كما ترى بأنه رشاءٌ وقليبٌ، ولم يحتشم أن قال:

مازَال يهذِي بالمكارِم والعُلَى ** حتى ظَنَنّا أنَّه مَـحْـمُـومُ

فجعله يهذي وجعل عليه الحُمَّى،

وظنّ أنه إذاحصلَ له المبالغة في إثبات المكارم له،

وجعلها مستبدّة بأفكاره وخواطره،

حتى لا يصدر عنه غيرُها، فلا ضير أن يتلقَّاه

بمثل هذا الخطاب الجافي، والمدح المتنافي.


فكذلك أنت هذه قِصّتك، وهذه قضيّتك، في اقتراحك علينا

أن نسلك بالليل في البيت طريق المبالغَة على تأويل السُّخط.


فإن قلت أَفَتَرَى أن تأبَى هذا التقدير في البيت أيضاً

حتى يُقْصَر التشبيهُ على ما تُفيده الجملة الجارية

في صلة الذي، قلتُ إنّ ذلك الوجهُ فيما أظنُّه،

فقد جاء في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم:

لَيدخُلنَّ هذا الدينُ ما دَخَل عليه الليلُ، فكما تجرَّد

المعنى هاهنا للحكم الذي هو لليل من الوصول إلى

كل مكان، ولم يكن لاعتبار ما اعتبروه من شبه ظلمته وجهٌ،

كذلك يجوز أن يتجرّد في البيت له،

ويكون ما ادَّعوه من الإشارة بظُلْمة الليل إلى إدراكه

له ساخطاً، ضرباً من التعمّق والتطلُّب لما لعلّ الشاعر

لم يقصده، وأحسنُ ما يمكن أن يُنتصَر به لهذا التقدير

أن يقال إن النهارَ بمنزلة الليل في وصوله إلى كل مكان،

فما مِنْ موضع من الأرض إلا ويُدركه كلُّ واحد منهما،

فكما أن الكائن في النهار لا يُمكنه أن يصير إلى مكان

لا يكون به ليل، كذلك الكائن في الليل لا يجد موضعاً

لا يلحقه فيه نهار، فاختصاصُه الليلَ دليلٌ على أنه

قد روَّى في نفسه، فلما علم أن حالَة إدراكه وقد

هربَ منه حالةُ سُخْطٍ، رأى التمثيل بالليل أولَى،

ويُمكن أن يزاد في نصرته بقوله:

نعمةٌ كالشَّمْس لمَّا طَلعَتْ ** بَثَّتِ الإشراقَ في كلِّ بَلَدْ

وذاك أنه قصد هاهنا نفس ما قصده النابغة في تعميم الأقطار،

والوصول إلى كل مكان، إلاّ أن النعمة لما كانت

تَسُرُّ وتُؤنِس، أخذ المثلَ لها من الشمس،

ولو أنه ضرب المثل لوصول النعمة إلى أقاصي البلاد،

وانتشارِها في العباد، بالليل ووصوله إلى كل بَلَدٍ،

وبُلوغه كلَّ أحد، لكان قد أخطأ خطأً فاحشاً،

إلاّ أن هذا وإن كان يجيء مستوياً في الموازنة،

ففرقٌ بين ما يُكرَهُ من الشَّبه وما يُحَبُّ،

لأن الصفةَ المحبوبة إذا اتصلت بالغَرَض من التشبيه،

نالت من العناية بها المحافظة عليها قريباً مما يناله

الغَرَض نفسه، وأّما ما ليس بمحبوب،

فَيَحْسُن أَن يعْرض عنها صفحاً، ويدَع الفكر فيها،

وأما تركُه أن يمثَّل بالنهار، وإن كان بمنزلة الليل فيما أراه،

فيمكن أن يُجاب عنه بأنّ هذا الخطابَ من النابغة

كان بالنهار لا محالة، وإذا كان يكلّمه وهو في النهار،

بَعُدَ أن يضرب المثل بإدراك النهار له،

وكان الظاهر أن يمثِّل بإدراك الليل الذي إقباله منتظَر،

وطَرَيانه على النهار متوقَّع، فكأنّه قال وهو في صدر

النهار أو آخره لو سرتُ عنك لم أجد مكاناً يقيني الطلبَ منك،

ولكان إدراكُك لي وإن بعُدت واجباً، كإدراك هذا الليل

المقبل في عَقب نهارِي هذا إيَّاي، ووصوله إلى أيِّ

موضع بلغتُ من الأرض. وهاهنا شيء آخر وهو

أنّ تشبيه النعمة في البيت بالشمس،

وإن كان من حيثُ الغرضُ الخاصُّ، وهو الدِّلالة

على العموم، فكان الشَّبه الآخرُ من كونها مُؤْنسةً للقلوب،

ومُلبسةً العَالَم البهجةَ والبهاءَ كما تفعل الشمس،

حاصلاً على سبيل العَرَض، وبضَرْبٍ من التطفُّل،

فإنّ تجريدَ التشبيه لهذا الوجه الذي هو الآن تابعٌ،

وجَعْلَهُ أصلاً ومقصوداً على الانفراد، مألوفٌ

معروفٌ كقولنا نعمتك شمسٌ طالعة،

وليس كذلك الحكم في الليل، لأن تجريدَه لوصف

الممدوح بالسُّخْط مُسْتَكرَهٌ، حتى لو قلت أنت في حال

السخط ليلٌ وفي الرّضى نهارٌ، فكافحتَ هكذا تجعله

ليلاً لسخطه، لم يحسُن، وإنما الواجب أن تقول:

النهار ليل على من تغضبُ عليه، والليل نهار على

من ترضى عنه، وزمانُ عدوِّك ليلٌ كله، وأوقات

وَلِيِّك نهارٌ كلها، كما قال:

أَيَّامُنَا مَصْقولةٌ أطرافُها ** بك واللَّيالي كُلُّها أَسْحَارُ

وقد يقول الرجل لمحبوبه أنت ليلى ونهارى،

أي بك تُضيء لي الدنيا وتُظلم، فإذا رضيتَ فدهري نهارٌ،

وإذا غضِبت فليلٌ كما تقول: أنت دَائي ودَوائي،

وبُرْئٍي وسِقامي، ولا تكاد تجد أحدا يقول أنت ليل،

على معنى أن سخطك تُظلم به الدنيا، لأن هذه العبارة بالذمِّ،

وبالوصف بالظُلمة وسواد الجلد، وتَجهُّمِ الوجه، أخصُّ،

وبأن يُرَاد بها أخلق، وهذا المعنى منها إلى القلب

أسبق فاعرفه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 8:02 pm

فصل




اعلم أنك تجد الاسم وقد وقع من نظم الكلام المَوْقعَ

الذي يقتضي كونَهُ مستعاراً، ثم لا يكون مستعاراً،

وذاك لأن التشبيهَ المقصودَ مَنُوطٌ به مع غيره،

وليس له شَبَهٌ ينفرِدُ به، على ما قدّمتُ لك من أن
الشبه يجيء مُنْتَزَعاً من مجموع جملة من الكلام،

فمن ذلك قول داود بن عليّ حين خطب فقال شُكراً شكراً،

إنّا واللَّه ما خرجنا لنَحْفِر فيكم نَهَراً، ولا لنَبْنِيَ فيكم قَصْراً،

أَظَنَّ عدوُّ اللَّه أن لن يُظفَر به، أُرخيَ له في زِمامه،

حتى عَثَر في فضل خطَامه، فالآن عاد الأمرُ في نِصابه،

وطلعت الشمس من مَطْلعها، والآن قد أَخذ القوسَ باريها،

وعاد النَّبْلُ إلى النَزَعة، ورجع الأَمر إلى مستقَرِّه في

أهلِ بيت نبيّكم، أهلِ بيت الرَّأْفَة والرَّحْمة، فقوله

الآن أخذَ القَوْسَ بَاريها، وإن كان القوس تقع كنايةً

عن الخلافة، والبَاري عن المستحقّ لها،

فإنه لا يجوز أن يقال إن القوس مستعارٌ للخلافة

على حدِّ استعارة النور والشمس،

لأجل أنه لا يتَصَوَّر أن يَخرج للخلافة شَبَهٌ من القول

على الانفراد، وأن يقال: هي قوس، كما يقال:

هي نور وشمس، وإنما الشَّبَهُ مؤلَّفٌ لحال الخِلافة

مع القائم بها، من حال القَوْس مع الذي بَرَاهَا،

وهو أن البَارِي للقوس أعرفُ بخيرها وشرّها،

وأهدَى إلى توتيرها وتصريفها، إذ كان العاملَ لها

فكذلك الكائنُ على الأوصاف المعتبرَة في الإمامة

والجامعُ لها، يكون أهدى إلى توفية الخلافة حقَّها،

وأَعْرَفَ بما يحفظ مَصارفها عن الخَلَل،

وأن يراعَي في سياسة الخلق بالأمر والنَّهْي التي

هي المقصودُ منها ترتيباً ووزناً تقع به الأفعالُ مواقعَها

من الصواب، كما أنّ العارف بالقوس يراعي في

تسوية جوانبها، وإقامة وَتَرها، وكيفيةِ نَزْعها ووَضْعِ

السهم الموضعَ الخاصَّ منها، ما يوجب في سهامه

أن تصيب الأغراض، وتُقرطس في الأَهداف،

وتقع في المَقاتل، وتُصيب شاكلة الرَّمِيّ.

وهكذا قول القائل وقد سمع كلاماً حسنا من رجلٍ دَميم:

عَسَلٌ طيّبٌ في ظَرْفِ سَوْءٍ، ليس عَسَلٌ هاهنا على

حدِّه في قولك ألفاظه عسل،

لأجل أنه لم يقصد إلى بيان حال اللَّفظ الحسن

وتشبيهه بالعسل في هذا الكلام، وإن كَان ذلك أمراً معتاداً،

وإنما قصد إلى بيان حال الكلام الحَسَن من المتكلم

المَشْنُوء في منظره، وقياسِ اجتماع فَضْلِ المخبر

مع نَقْص المنظر، بالشبه المؤلَّف من العَسَل والظَّرْف،

ألا ترى أن الذي يقابل الرجل هو ظَرْف سَوْءٍ

وظرفُ سَوْءٍ لا يصلح تشبيهُ الرجل به على الانفراد،

لأن الدَّمامةَ لا تُعطيه صفة الظَّرف من حيث هي دمامةٌ،

ما لم يتقدم شيءٌ يُشبه مَا في الظرف من الكلام الحسن

أو الخُلقِ الجميلِ، أو سائر المعاني التي تجعَل

الأشخاصُ أوعيةً لها.



فمن حقك أن تحافظ على هذا الأصل،

وهو أن الشَّبَه إذا كان موجوداً في الشيء على

الانفراد من غير أن يكون نتيجةً بينه وبين شيء

آخر فالاسمُ مستعارٌ لما أخذ له الشَّبه منه،

كالنور للعلم والظلمة للجهل، والشمس للوجه الجميل،

أو الرجل النبيه الجليل، وإذا لم تكن نسبةُ الشَّبَه

إلى الشيء على الانفراد، وكان مركَّباً من حاله مع غيره،

فليس الاسم بمستعار، ولكن مجموع الكلام مَثَل.

واعلم أن هذه الأمور التي قصدتُ البحث عنها

أمورٌ كأنّها معروفة مجهولة، وذلك أنها معروفة

على الجملة، لا ينكر قيامَها في نفوس العارفين ذَوْقُ الكلام،

والمتمهّرين في فصل جيده من رديئه، ومجهولةٌ من

حيث لم يتفق فيها أوضاعٌ تجري مجرى القوانين التي

يُرجَع إليها، فتُستخرج منها العلَل في حُسن ما استُحْسِن

وقُبح ما استُهْجن، حتى تُعْلَم عِلْمَ اليقين غيرَ الموهوم،

وتُضبَط ضبطَ المزْموم المَخْطومِ، ولعلَّ المَلال إن عرض لك،

أو النشاط إن فَتَر عنك، قلتَ ما الحاجة إلى كل هذه الإطالة?

وإنما يكفي أن يقال الاستعارة مثل كذا، فتُعَدُّ كلمات،

وتُنْشَدُ أبيات، وهكذا يكفينا المَؤُونةَ في التشبيه

والتمثيل يَسيرٌ من القول، فإنك تعلم أن قائلاً لو

قال الخبر مثل قولنا زيد منطلق، ورضي به وقَنِع،

ولم تطالبه نفسُه بأن يعرف حدّاً للخبر، إذا عرفه

تَميَّز في نفسه من سائر الكلام، حتى يمكنهُ أن

يعلم هاهنا كلاماً لفظُه لفظُ الخبر، وليس هو بخبرٍ،

ولكنه دعاءٌ كقولنا: رحمةُ اللَّه عليه وغفر الله له

ولم يجد في نفسه طلباً لأن يعرف أن الخبر هل ينقسم

أو لا ينقسم، وأنّ أوّل أمره في القسمة أنه ينقسم إلى

جملة من الفعل والفاعل، وجملة من مبتدأ وخبر،

وأَنَّ ما عدا هذا من الكلام لا يأتلف، نعم ولم يُحبَّ

أن يعلم أن هذه الجملة يدخل عليها حروفٌ بعضها يؤكّد كونها خبراً،

وبعضها يُحدث فيها معاني تخرُج بها عن الخَبَرية

واحتمال الصدق والكذب.


وهكذا يقول إذا قيل له: الاسم مثل زيد وعمرو،

اكتفيتُ ولا أحتاج إلى وصفٍ أو حدٍّ يُميّزه من

الفعل والحرف أو حدٍّ لهما، إذا عرفتهما عرفتُ

أن ما خالفهما هو الاسم، على طريقة الكُتّاب،

ويقول لا أحتاج إلى أن أعرف أنَّ الاسم ينقسم

فيكون متمكّناً أو غير متمكّن، والمتمكن يكون

منصرفاً وغير منصرف، ولا إلى أن أعلم شرح

غير المنصرف، الأسباب التسعة التي يقف هذا

الحكم على اجتماع سببين منها أو تكرُّر سببٍ في الاسم

ولا أنه ينقسم إلى المعرفة والنكرة، وأن النكرة

ما عَمَّ شيئين فأكثر، وما أريدَ به واحدٌ من جنس لا بعينه،

والمعرفة ما أيد به واحدُ بعينه أو جنس بعينه على

الإطلاق ولا إلى أن أعلم شيئاً من الانقسامات التي تجيء

في الاسم، كان قد أساء الاختيار، وأسرف في دعوى

الاستغناء عما هو محتاج إليه إن أراد هذا النوع من

العلم ولئن كان الذي نتكلّف شرحَه لا يزيد على مؤدَّى

ثلاثةِ أسماء، وهي التمثيل والتشبيه والاستعارة،

فإن ذلك يستدعي جُملاً من القول يَصْعُبُ استقصاؤها،

وشُعَباً من الكلام لا يستبين لأول النظر أنحاؤها،

إذ قولُنا: شيء يحتوي على ثلاثة أحرف، ولكنك

إذا مددت يداً إلى القسْمة وأخذت في بيان ما تحويه

هذه اللفظة، احتجت إلى أن تقرأ أوراقاً لا تُحصَى،

وتتجشّمَ من المَشقَّة والنَظرِ والتفكير ما ليس بالقليل النزر،

والجزء الذي لا يتجزّأ، يفوت العين، ويدقّ عن البَصَر،

والكلام عليه يملأ أجلاداً عظيمة الحجم، فهذا مَثَلك إن

أنكرت ما عُنيتُ به من هذا التَتبُّع، ورأيتُه من البحث،

وآثرتُه من تجشُّم الفكرة وسَوْمها أن تدخل في جوانب

هذه المسائل وزواياها، وتستثير كوامنَها وخفاياها،

فإن كنتَ ممن يرضى لنفسه أن يكون هذا مَثَله،

وهاهنا محلُّه، فعِبْ كيف شئتَ، وقل ما هَويتَ،

وثقْ بأن الزمان عونُك على ما ابتغيت،

وشاهدُك فيما ادّعيت، وأنك واجدٌ من يصوّب رأيك

ويحسِّن مذهبك، ويخاصم عنك، ويُعادِي المخالف لك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 8:07 pm

فصل في الأخذ والسرقة:



وما في ذلك من التعليل، وضروب الحقيقة والتخييل"

القسم العقلي

اعلم أن الُحكْم على الشاعر بأنه أخذ من غيره وسَرَق،

واقتدى بمن تقدَّم وسبق، لا يخلو من أن يكون

في المعنى صريحاً، أو في صيغة تتعلق بالعبارة،

ويجب أن نتكلم أوّلاً على المعاني، وهي تنقسم أوَّلاً قسمين:

عقليّ وتخييليّ، وكل واحدٍ منهما يتنوّع،

فالذي هو العقلي على أنواع: أوّلها:

عقليٌّ صحيحٌ مَجراه في الشعر والكتابة والبيانِ والخطابة،

مَجْرَى الأدلّة التي تستنبطها العقلاء،

والفوائد التي تُثيرها الحكماء، ولذلك تجدُ الأكثر من

هذا الجنس مُنْتَزَعاً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم

وكلام الصحابة رضي اللَّه عنهم، ومنقولاً من آثار السلف

الذين شأنُهم الصدق، وقصدُهم الحقُّ،

أو ترى له أصلاً في الأمثال القديمة والحكم المأثورة

عن القدماء، فقوله:

وَمَا الحسَبُ المورُوثُ لا دَرَّ دَرُّه ** بمُحْتَسَبٍ إلاّ بآخَرَ مُكْـتـسَـبْ

ونظائرُه، كقوله:

إنّي وإن كنتُ ابنَ سَـيِّد عـامـرٍ ** وفي السِّرِّ منها والصَّريحِ المهذَّبِ

لَمَا سوَّدتني عـامـرٌ عـن وِراثةٍ ** أَبَى اللَّه أن أسمُـو بـأُمٍّ ولا أب


معنًى صريحٌ محضٌ يشهد له العقل بالصحة،

ويُعطيه من نفسه أكرم النِّسبة، وتتفق العقلاء على الأخذ به،

والحكم بموجَبه، في كل جيل وأمّة،

ويوجد له أصل في كل لسَان ولُغة، وأعلى مَنَاسبه وأنورُها،

وأجلُّها وأفخرها، قول اللَّه تعالى:

"إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّه أَتْقَاكُمْ"" "الحجرات: 13"،

وقول النبي صلى الله عليه وسلم:

"من أَبْطأَ به علمُه لم يُسْرِع به نسبُه"،

وقوله عليه السلام:

"يا بني هاشم، لا تجيئني الناسُ بالأعمال وتجيئوني بالأنساب"،

وذلك أنه لو كانت القضيّة على ظاهرٍ يَغْترُّ به الجاهل،

ويعتمدُه المنقوصُ، لأدَّى ذلك إلى إبطال النَّسب أيضاً،

وإحالة التكثّر به، والرجوع إلى شَرَفه، فإن الأوّل لو

عَدِمَ الفضائلَ المكتسَبة، والمساعيَ الشريفة،

ولم يَبِنْ من أهل زمانه بأفعالٍ تُؤْثر، ومناقب تُدَوَّن وتُسَطَّر،

لما كان أَوَّلاً، ولكان المَعْلَم من أمره مَجْهلاً،

ولما تُصُوّر افتخار الثاني بالانتماء إليه،

وتعويلُه في المفاضلة عليه، ولكان لا يُتصوَّر فَرْقٌ بين أن يقول:

هذا أبي، ومنه نسبي، وبين أن يُنسَب إلى الطين،

الذي هو أصل الخلق أجمعين،

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:

"كلُّكم لآدم، وآدمُ من التراب"،

وقال محمد بن الربيع الْمَوْصلي:

الناس في صورة التّشبيه أكفاءُ ** أبـوهُـمُ آدمٌ والأُمُّ حــوَّاءُ
فإن يكن لهُم في أصلها شَرَفٌ ** يفاخرون به فالطِّين والـمـاءُ
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهـمُ ** على الهُدَى لمن استهدَى أَدلاّءُ
ووَزْنُ كل امرئ ما كان يُحسنه ** والجاهلون لأهل العلم أعـداءُ


فهذا كما ترى باب من المعاني التي تُجمَع فيها النظائر،

وتُذكَر الأبيات الدالّة عليها، فإنها تتلاقى وتتناظر،

وتتشابه وتتشاكل، ومكانُه من العقل ما ظَهَر لك

واستبان ووضح واستنار، وكذلك قوله:

وكل امرئ يُولِي الجميلَ محبَّبٌ

صريحُ معنًى ليس للشعر في جوهره وذاته نصيب،

وإنما له ما يُلْبَسه من اللفظ، ويكسوه من العبارة،

وكيفيةِ التأدية من الاختصار وخلافه، والكشف أو ضدّه،

وأصله قول النبي صلى الله عليه وسلم:

"جُبلت القلوبُ على حُبّ من أحسن إليها"،

بَل قول اللَّه عز وجل:

"ادْفَعْ بالَّتِي هِيَ أحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ

عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" "فصلت: 34"،

وكذا قوله:

لاَ يَسْلَم الشَّرفُ الرَّفيع من الأَذَى ** حتَّى يُراقَ على جَوانِبِـه الـدَّمُ


معنًى معقولٌ لم يزل العُقلاءُ يَقْضون بصحّته،

ويرى العارفون بالسياسة الأخذَ بسنَّته،

وبه جاءت أوامِر اللَّه سبحانه، وعليه جَرَت الأحكام

الشرعية والسّنَن النبوية، وبه استقام لأهل الدِّين دينهم،

وانتفى عنهم أذَى مَن يَفْتِنهم ويَضيرُهم، إذ كان

موضوع الجبلَّة على أن لا تخلو الدنيا من الطُغاة المارِدين،

والغُواة المعاندين، الذين لا يَعُونَ الحكمة فَتَرْدَعَهم،

ولا يَتَصوَّرون الرشدَ فيكُفَّهم النُّصْحُ ويمنعهم،

ولا يُحسّون بنقائص الغَيّ والضلال، وما في الجَوْر

والظلم من الضَّعة والخَبال، فيجِدوا لذلك مَسَّ أَلَمٍ

يحبِسُهم علَى الأمر، ويقف بهم عند الزجر، بل كانوا

كالبهائم والسِّباع، لا يوجعهم إلاّ ما يَخْرِق الأبشار

من حَدّ الحديد، وسَطْو البأس الشديد، فلو لم تُطبَع

لأمثالهم السيوف، ولم تُطلَق فيهم الحتوف،

لما استقام دينٌ ولا دنيَا، ولا نال أهلُ الشرف ما نالوه

من الرتبة العليا، فلا يطيب الشُرب من مَنْهلٍ لم تُنفَ

عنه الأَقذاء، ولا تَقَرُّ الروح في بدنٍ لم تُدفَع عنه الأَدواء.

وكذلك قوله:

إذا أنت أكرمت الكـريم مَـلَـكْـتَـه ** وَإن أَنت أكرمْـت الـلَّـئيمَ تَـمَـرَّدا
وَضْعُ النَدى في مَوْضِع السيف بالعلَـى ** مُضرٌّ كَوضْع السَّيف في مَوْضِع الندَى

القسم التخييلي

وأما القسم التخييلي، فهو الذي لا يمكن أن يقال إنه صِدقٌ،

وإنَّ ما أثبتَه ثابت وما نفاه منفيّ، وهو مفتنُّ المذاهب،

كثير المسالك، لا يكاد يُحصَر إلاّ تقريباً، ولا يُحاط به

تقسيماً وتبويباً، ثم إنه يجيء طبقاتٍ، ويأتي على درجاتٍ،

فمنه ما يجيء مصنوعاً قد تُلُطِّف فيه، واستعين عليه

بالرِفق والحِذق، حتى أُعطَي شَبَهاً من الحقّ،

وغُشِّي رَوْنَقاً من الصّدق، باحتجاج تُمُحِّل، وقياسٍ تُصُنِّع

فيه وتُعُمِّلَ، ومثالُه قول أبي تمام:

اتُنكري عَطَلَ الكَريم من الغِنَى ** فالسَّيلُ حَرْبٌ للمكانِ العالـى


فهذا قد خَيَّل إلى السامع أن الكريم إذا كان موصوفاً بالعلوّ،

والرِّفعة في قدره، وكان الغِنَى كالغَيْث في حاجة الخلق

إليه وعِظَمِ نَفْعه، وجب بالقياس أن يزِلَّ عن الكريم،

زَلِيلَ السَّيل عن الطَّوْد العظيم، ومعلومٌ أنه قياسُ تخييلٍ وإيهامٍ،

لا تحصيلٍ وإحكام، فالعلّة في أن السيل لا يستقرّ على

الأمكنة العالية، أن الماء سيَّال لا يثبت إلا إذا حصل

في موضع له جوانبُ تَدْفعه عن الانصباب، وتمنعه عن الانسياب،

وليس في الكريم والمال، شيء من هذه الخلال،

وأقوى من هذا في أن يُظنَّ حقّاً وصدقاً،

وهو على التخيّل قوله:

الشيبُ كُرْهٌ وكُرْهٌ أن يفـارِقَـنـي ** أَعْجِبْ بشيءٍ على البَغْضَاء مَوْدودِ

هو من حيث الظاهر صدق وحقيقة، لأن الإنسان لا يعجبه

أن يُدركه الشيب، فإذا هو أدركه كره أن يفارقه،

فتراه لذلك يُنكره ويتكرَّهه على إرادته أن يدومَ له،

إلا أنك إذا رجعت إلى التحقيق، كانت الكراهةُ والبغضاء

لاحقةُ للشيب على الحقيقة، فأما كونه مُرَاداً و مودوداً،

فمتخيَّلٌ فيه، وليس بالحقَّ والصدق،

بل المودود الحياة والبقاءُ، إلا أنه لما كانت العادة جاريةً

بأنّ في زوال رؤية الإنسان للشيب، زوالَه عن الدنيا

وخروجه منها، وكان العيش فيها محبَّباً إلى النفوس،

صارت محبّته لما لا يَبْقَى له حتى يبقى الشيب، كأنّها محبّة للشيب.


من ذلك صَنِيعهم إذا أرادوا تفضيلَ شيء أو َقْصَه،

ومدحه أو ذمَّه، فتعلّقوا ببعض ما يشاركُه في

أوصافٍ ليست هي سبب الفضيلة والنقيصة، وظواهرِ أُمورٍ

لا تَصحّح ما قصدوه من التهجين والتزيين على الحقيقة،

كما تراه في باب الشيب والشباب، كقول البحتري:

بَيَاضُ البازيِّ أصدقُ حسنـا ** إنْ تأمّلتِ من سَواد الغُرابِ


وليس إذا كان البياضُ في البازي آنَقَ في العين

وأخلق بالحسن من السواد في الغراب،

وجب لذلك أن لايُذَمَّ الشيبُ ولا تنفرُ منه طباع ذوي الألباب،

لأنه ليس الذنب كلَّه لتحوُّل الصِّبْغ وتبدُّل اللون،

ولا أتَت الغواني ما أتت من الصدّ والإعراض لمجرَّد البياض،

فإنهن يرينه في قُباطيّ مصر فيأنسن، وفي أنوار

الرَّوض وأوراق النرجس الغضّ فلا يعبِسْن،

فما أنكرن ابيضاض شَعَر الفتى لنفس اللون وذاته،

بل لذهاب بَهجاته، وإدباره في حياته،

وإنك لترى الصُّفرة الخالصةَ في أوراق الأشجار المتناثرة

عند الخريف وإقبال الشتاء وهبوب الشَّمال،

فتكرهها وتنفرُ منها، وتراها بعينها في إقبال الربيع

في الزَّهر المتفتِّق، وفيما ينْشئه ويَشِيه من الديباج المُؤْنق،

فتجد نفسَك على خِلاف تلك القضيّة، وتمتلئ من الأريحيّة،

ذاك لأنك رأيت اللونَ حيُ النماءُ والزيادة، والحياةُ المستفادة،

وحيث أبشرتْ أرواح الرياحين، وبشّرت أنواع التحاسين،

ورأيته في الوقت الآخَر حين ولَّت السعود، واقشعرَّ العُود،

وذهبت البَشَاشة والبشْر، وجاء العُبوس والعُسْر.




هذا ولو عدِم البازي فضيلةَ أنه جارح، وأنه من عَتيق الطير،

لم تجد لبياضه الحسن الذي تراه، ولم يكن للمحتجِّ به

على من يُنكر الشيب ويذمُّه ما تراه من الاستظهار،

كما أنه لولا ما يُهدي إليك المسك من رَيَّاه التي

تتطلع إلها الأرواح، وتَهَشُّ لها النفوس وترتاح،

ولضَعُفَت حُجّة المتعلق به في تفضيل الشَّباب،

وكما لم تكن العلّةُ في كراهةِ الشيب بياضُهُ،

ولم يكن هو الذي غَضَّ عنه الأبصار، ومنحه العيبَ والإنكار،

كذلك لم يَحْسن سواد الشَعَر في العيون لكونه سواداً فقط،

بل لأَنك رأيتَ رَوْنق الشباب ونضارتَه،

وبَهْجتَه وطُلاَوتَه وَرأيت بريقَه وبصيصَه يَعِدانك الإقبال،

ويُريانك الاقتبال، ويُحْضِرانك الثقَةَ بالبقاء،

ويُبْعِدان عنك الخوفَ من الغناء، وإنّك لترى الرَّجُل

وقد طَعَن في السنّ وشَعَرُه لم يبيضّ، وشيبه لم ينقضّ،

ولكنه على ذاك قد عدِم إبهاجه الذي كان،

وعاد لا يزينُ كما زان، وظهر فيه من الكمودوالجمود،

ما يُريكَه غيرَ محمود. وهكذا قوله:

والصَّارمُ المَصْقُولُ أحسنُ حالةً ** يومَ الوغَى من صارمٍ لم يُصْقَل


احتجاجٌ على فضيلة الشيب، وأنه أحسن منظراً

من جهة التعلق باللون، وإشارةٌ إلى أن السواد كالصَدَأ

على صفحة السيف، فكما أن السيف إذا صُقل وجُلي

وأزيل عنه الصَّدَأ ونُقِّيَ كان أبهى وأحسن،

وأعجبَ إلى الرائي وفي عينه أزين، كذلك يجب أن

يكون حُكْمُ الشعَر في انجلاء صدأ السواد عنه،

وظهور بياض الصِّقَالِ فيه، وقد ترك أن يفكّر فيما

عدا ذلك من المعاني التي لها يُكرَه الشيب، ويُنَاط به العيب.


وعلى هذا موضوع الشعر والخطابة،

أن يجعلوا اجتماعَ الشيئين في وصفٍ عِلةً لحكمٍ يريدونه،

وإن لم يكن كذلك في المعقول ومُقْتَضَيَات العقول،

ولا يؤخذ الشاعر بأن يصحِّح كونَ ما جعله أصلاً

وعلّة كما ادَّعاهُ فيما يُبْرِم أو يَنْقض من قضيّة،

وأَن يأتي على ما صَيَّره قاعدةً وأساساً بيّنة عقلية،

بل تُسلَّم مقدّمتُه التي اعتمدها بيّنةً، كتسليمنا

أَنّ عائب الشيب لم ينكر منه إلاّ لونَه،

وتناسِينا سائر المعاني التي لها كُره، ومن أجلها عِيب،

وكذلك قول البحتري:

كَلَّفْتُمُونَا حُدُودَ مَـنْـطِـقـكُـم ** في الشِّعر يَكْفِي عن صِدْقِهِ كَذِبُهْ


أراد كلّفتمونا أن نُجري مقاييس الشعر على حدود المنطق،

ونأخذ نفوسَنا فيه بالقول المحقَّق،

حتى لاَ ندَّعي إلا ما يقول عليه من العقل برهان يقطع به،

ويُلجئ إلى موجَبه، ولا شكّْ أنه إلى هذا النحو قَصَد،

وإيّاه عَمَد، إذ يبعُد أن يريد بالكذب إعطاءَ الممدوح

حظَّاً من الفضل والسُّؤدد ليس له، ويُبلّغه بالصفة حظّاً

من التعظيم ليس هو أهلَه، وأن يجاوز به من الإكثار محلَّه،

لأن هذا الكذبَ لا يُبين بالحجَج المنطقية، والقوانين العقلية،

وإنما يكذَّب فيه القائل بالرجوع إلى حال المذكور

واختباره فيما وُصف به، والكشف عن قدره وخسّته،

ورفعته أو ضَعَته، ومعرفة محلّه ومرتبته.


وكذلك قول من قال خير الشعر أكذبه، فهذا مراده،

لأن الشعر لا يكتسب من حيث هو شعرٌ فضلاً ونقصاً،

وانحطاطاً وارتفاعاً، بأن يَنحَل الوضيعَ صفةً من

الرفعة هو منها عارِ، أو يصفَ الشريف بنقص وعار،

فكم جواد بخَّله الشعر وبخيلٍ سخَّاه؛ وشُجاعٍ وسمه

بالجُبن وجبانٍ سَاوَى به الليث؛ ودَنِيٍّ أوطأه قِيمّة العيُّوق،

وغَبيٍّ قضى له بالفهم، وطائش ادَّعى له طبيعة الحُكْم،

ثم لم يُعتَبر ذلك في الشعر نفسه حيث تُنتقَدُ دنانيره

وتُنشَر ديابيجه، ويُفتَق مسكه فيضوعُ أَريجُهُ.


وأما من قال في معارضة هذا القول:

خير الشعر أصدقه، كما قال:

وإنَّ أَحْسَن بيتٍ أنت قائلهُ ** بَيْتٌ يقالُ إذا أنشدتَه صَدَقَا


فقد يجوز أن يراد به أن خير الشعر ما دلّ

على حِكْمة يقبلها العقلُ، وأدبٍ يجب به الفضل،

وموعظةٍ تُروِّض جماح الهوى وتبعث على التقوى،

وتُبيّن موضع القُبح والحُسن في الأفعال،

وتَفْصل بين المحمود والمذموم من الخصال،

وقد يُنحَى بها نحو الصدق في مدح الرجال،

كما قيل: كان زهير لا يمدح الرجل إلا بما فيه،

والأول أولى، لأنهما قولان يتعارضان في اختيار نوعي الشعر.



فمن قال خيره أصدقه كان تركُ الإغراق والمبالغة

والتجوُّز إلى التحقيق والتصحيح، واعتمادُ ما يجرى

من العقل على أصل صحيح، أحبَّ إليه وآثرَ عنده،

إذ كان ثمره أحلى، وأثره أبقى، وفائدته أظهر،

وحاصله أكثر، ومن قال أكذبُه،

ذهب إلى أن الصنعة إنما تَمُدُّ باعها، وتنشر شُعَاعها،

ويتّسع مَيْدانها، وتتفرّع أفنانها، حيث يعتمد الاتّساع والتخييل،

ويُدَّعى الحقيقة فيما أصله التقريب والتخيل وحيث

يُقصَد التلطف و التأويل ويذهب بالقول مذهب المبالغة

والإغراق في المدح والذمّ والوصف والنعت والفخر

والمباهاة وسائر المقاصد والأغراض،

وهناك يجد الشاعرُ سبيلاً إلى أن يُبدع ويزيد،

ويُبدي في اختراع الصّور ويُعيد، ويصادف مضطرباً

كيف شاء واسعاً، ومَدَداً من المعاني متتابعاً،

ويكون كالمغترف من عِدٍّ لا ينقطع، والمُسْتَخرج

من مَعْدِنٍ لا ينتهي. وأما القبيل الأول فهو فيه

كالمقصور المُدانَى قَيْدُه، والذي لا تتّسع كيف شاء يَدُه وأيْدُه،

ثم هو في الأكثر يسرد على السامعين معانىَ معروفةً

وصوراً مشهورة، ويتصرّف في أصول هي وإن كانت شريفةً،

فإنها كالجواهر تُحفَظ أعدادها، ولا يُرْجَى ازديادها،

وكالأعيان الجامدة التي لا تَنْمي ولا تزيد، ولا تربح ولا تُفيد،

وكالحسناء العقيم، والشجرة الرَّائقة لا تُمتِّع بجَنًى كريم.



هذا ونحوه يمكن أن يُتَعلَّق به في نصرة التخييل وتفضيله،

والعقل بعدُ على تفضيل القبيل الأول وتقديمه

وتفخيم قدره وتعظيمه، وما كان العقلُ ناصرَهُ،

والتحقيقُ شاهدَه، فهو العزيز جانبه، المنيع مَنَاكبُه،

وقد قيل الباطل مخصوم وإن قُضي له،

والحقّ مُفْلجٌ وإن قُضي عليه، هذا ومَنْ سلَّم أنّ المعاني

المُعرِقة في الصدق، المستخرَجة من مَعْدِن الحقّ،

في حكم الجامد الذي لا يَنْمِي، والمحصور الذي لا يزيد؛

وإن أردت أن تعرف بُطْلان هذه الدعوى فانظر

إلى قول أبي فراس:

وكنَّا كالسهامِ إذَا أصابَتْ ** مَرَامِيَها فَرَامِيهَا أَصَابَا


ألست تراه عقليّاً عريقاً في نسبه، معترَفاً بقوّة سببه،

وهو على ذلك من فوائد أبي فراسٍ التي هي أبو عُذْرِها،

والسابق ُإلى إثارة سِرّها، واعلم أن الاستعارة

لا تدخل في قبيل التخييل، لأن المستعير لا يقصد

إلى إثبات معنى اللفظةِ المستعارة، وإنما يعمد إلى

إثبات شَبَهٍ هناك، فلا يكون مَخْبَرُهُ على خلاف خَبَره،

وكيف يعرض الشكُّ في أَنْ لا مدخل للاستعارة في هذا الفنّ،

وهي كثيرة في التنزيل على ما لا يخفَى،

كقوله عز وجل: "وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً" "مريم: 4"،

ثم لا شبهةَ في أنْ ليس المعنى على إثبات الاشتعال ظاهراً،

وإنما المراد إثبات شَبهه،

وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:

المؤمن مرآة المؤمن، ليس على إثباته مِرآةً من حيث

الجسم الصَّقيل، لكن من حيث الشَّبه المعقول،

وهو كونها سبباً للعلم بما لولاها لم يعْلَم،

لأن ذلك العلم طريقُه الرؤية، ولا سبيل إلى أن يرى

الإنسان وجهَه إلا بالمرآة وما جرى مجراها

من الأجسام الصَّقيلة، فقد جمع بين المؤمن

والمرآة في صفة معقولة، وهي أن المؤمن

ينصَح أخاه ويُريه الحسَن من القبيح، كما تري

المرآةُ الناظرَ فيها ما يكون بوجهه من الحسن وخلافه،

وكذا قوله صلى الله عليه وسلم:

"إياكم وخَضْراءَ الدِّمَن"،

معلوم أن ليس القصدُ إثباتَ معنى ظاهر اللفظين،

ولكن الشَّبهُ الحاصل من مجموعهما،

وذلك ُحسن الظاهر مع خُبْثِ الأصل، وإذا كان هذا كذلك،

بانَ منه أيضاً أنّ لك مع لُزوم الصدق، والثبوت

على محض الحقّ، الميدانَ الفسيح والمجالَ الواسع،

وأنْ ليس الأمر على ما ظنَّه ناصر الإغراق والتخييل

الخارج إلى أن يكون الخَبَر على خلاف المَخْبَر،

من أنه إنما يتّسع المقال ويَفْتَنّ، وتكثر موارد الصنعة

ويغزُر يُنْبُوعها، وتكثر أغصانها وتتشعّب فروعها،

إذا بُسِط من عنان الدعوى، فادُّعي ما لا يَصحّ دعواه،

وأثبت ما ينفيه العقل ويَأباه. وجملة الحديث أن الذي

أريده بالتخييل ها هنا، ما يُثبت فيه الشاعر أمراً هو

غير ثابتٍ أصلاً، ويدَّعي دعوَى لا طريقَ إلى تحصيلها،

ويقولُ قولاً يخدع فيه نفسه ويُريها ما لا ترى،

فأمَّا الاستعارة فإن سبيلَها سبيلُ الكلام المحذوف،

في أنك إذا رجعت إلى أصله، وجدتَ قائله وهو يُبت

أمراً عقليّاً صحيحاً، ويدّعي دعوَى لها سِنْخٌ في العقل،

وستمرُّ بك ضروبٌ من التخييل هي أظهرُ أمراً

في البُعد عن الحقيقة، وأكشفُ وجهاً في أنه خداعٌ للعقل،

وضربٌ من التزويق، فتزداد استبانة للغَرَض بهذا الفصل،

وأَزيدُك حينئذ إن شاء اللَّه، كلاماً في الفرق بين ما يدخل

في حيّز قولهم خير الشعر أكذبه،

وبين ما لا يدخل فيه مما يشاركه في أنه اتِّساع وتجوّزٌ

فاعرفه. وكيف دار الأمرُ فإنهم لم يقولوا خير الشعر أكذبه،

وهم يريدون كلاماً غُفْلاً ساذجاً يكذب فيه صاحبُه ويُفْرِط،

نحو أن يصف الحارسَ بأوصاف الخليفة،

ويقول للبائس المسكين إنّك أمير العِرَاقَيْن،

ولكن ما فيه صنعةٌ يتعمَّل لها، وتدقيقٌ في المعاني

يحتاج معه إلى فطنة لطيفةٍ وفهمٍ ثاقبٍ وغوصٍ شديد،

واللَّه الموافق للصواب، وأعود إلى ما كنت فيه من

الفصل بين المعنى الحقيقي وغير الحقيقي.



واعلم أن ما شأنه التخييل، أمْرُه في عِظَم شجرته

إذا تُؤُمِّلَ نَسَبُه، وعُرفت شُعُوبه وشُعَبُه، على

ما أشرت إليه قُبَيلُ، لا يكاد تجيء فيه ِقِسْمةٌ تستوعبه،

وتفصيل يَستغرقه، وإنما الطريق فيه أن يُتَّبَعَ الشيء

بعد الشيءِ ويُجمع ما يحصُره الاستقراء،

فالذي بدأتُ به من دعوى أصلٍ وعلّةٍ في حُكمٍ من الأحكام،

هما كذلك ما تُرِكَتْ المضايقة، وأُخذ بالمسامحة،

ونُظر إلى الظاهر، ولم يُنقَّر عن السرائر،

وهو النَمَطُ العَدْل والنُمْرُقة الوُسطَى،

وهو شيءٌ تراه كثيراً بالآداب والحِكم البريئة من الكذب،

ومن الأمثلة فيه قول أبي تمام:

إنّ رَيْبَ الزمـان يُحْـسِـنُ أن يُهـ ** ـدِي الرَّزَايا إلى ذَوي الأحـسـابِ
فَلِهذَا يَجـفُّ بَـعْـدَ اخـضـرارٍ ** قَبْلَ رَوْضِ الوِهادِ رَوْضُ الرَّوَابي


وكذا قولُه يذكر أنّ الممدوح قد زاده،

مَع بُعده عنه وغيبتِه، في العطايا على الحاضرين

عنده اللاَّزمين خِدْمَته:

لَزِمُوا مَرْكَزَ الـنَّـدَى وذَراهُ ** وعَدَتْنا عَنْ مثْل ذاك العَوَادي
غيرَ أنَّ الرُّبَى إلى سَبَل الأنو ** اءِ أدنَى والحظُّ حَظُّ الوِهَادِ


لم يقصِد من الربى هاهنا إلى العلوّ، ولكن إلى الدنوّ فقط،

وكذلك لم يُردْ بذكر الوهاد الضَّعةَ والتَّسفُّل والهُبوط،

كما أشار إليه في قوله

"والسَّيْلُ حَربٌ للمكان العالي"

وإنما أراد أن الوهاد ليس لها قُرْبُ الرُّبَى من فيض الأنواء،

ثم إنها تتجاوزُ الرُّبَى التي هي دانية قريبة إليها،

إلى الوهاد التي ليس لها ذلك القُرْب. ومن هذا النَّمط،

في أنه تخييل شبيةٌ بالحقيقة لاعتدال أمره،

وأنّ ما تعلَّق به من العِلَّة موجود على ظاهرِ مَا ادَّعى،

قولُه:

لَيْسَ الحجابُ بمُقْصِ عنك لي أمَلاً ** إنَّ السماءَ تُرَجَّى حِين تَحْتَجِـبُ


فاستتارُ السماء بالغيم هو سبب رجاءِ الغَيْث الذي

يُعَدُّ في مجرى العادة جُوداً منها ونعْمةً، صادرةً عنها،

كما قال ابن المعتز:

ما تَرَى نعْمةَ السماءِ على الأَرْ ** ضِ وشُكْرَ الرِّياضِ للأمْطارِ


وهذا نوعٌ آخرُ، وهو دعواهم في الوصف

هو خِلقةٌ في الشيء وطبيعةٌ، أو واجبٌ على الجملة،

من حيث هو أنّ ذلك الوصف حصل له من الممدوح ومنه استفادَهُ،

وأصل هذا التشبيهُ، ثم يتزايد فيبلُغ هذا الحدَّ،

ولهم فيه عباراتٌ منها قولهم إن الشمس تستعير منه

النور وتستفيد، أو تتعلّم منه الإشراق وتكتسب منه الإضاءة،

وألطفُ ذلك أن قال: تسْرقُ، وأن نورها مسروق من الممدوح،

وكذلك يقال المِسْكُ يَسْرِق منْ عَرْفِه،

وأنّ طيبه مُسْتَرَقٌ منه ومن أخلاقه، قال ابن بابك:

ألا يا رياضَ الحَزْن من أَبرق الحِمَى ** نَسِيمُك مسروقٌ ووَصفُك مُنْتَـحَـلْ
حكيتِ أبا سَعْدٍ فنَـشْـرُكِ نَـشْـرُهُ ** ولكنْ له صِدْقُ الهَوَى ولكِ المَلَـلْ

ونوع آخر، وهو أن يدَّعيَ في الصفة الثانية للشيء

أنه إنما كان لِعلَّةٍ يضعها الشاعر ويختلقُها،

إمّا لأمرٍ يرجع إلى تعظيم الممدوح، أو تعظيم أمرٍ من الأمور،

فمن الغريب في ذلك معنى بيت فارسيٍّ ترجَمَتُهُ:

لَوْ لَم تكن نِيَّةُ الجوزاءِ خِدْمتَهُ ** لَمَا رأيتَ عليها عِقْدَ مُنْتطقِ


فهذا ليس من جنس ما مضى، أعني ما أصله التشبيه،

ثم أريد التناهي في المبالغة والإغراق والإغراب.


ويدخل في هذا الفن قول المتنبي:

لم يَحْكِ نائلَكَ السَّحابُ وإَّنما ** حُمَّتْ به فصبيبُها الرُّحَضاءُ


لأنه وإن كان أصله التشبيه، من حيث يشبّه الجَوَاد بالغَيْث،

فإنه وَضَعَ المعنى وضعاً وصوَّره في صورةٍ خرج معها إلى

ما لا أصل له في التشبيه، فهو كالواقع بين الضَرْبَين،

وقريبٌ منه في أن أصله التشبيه ثم باعده بالصنعة في

تشبيهه وخلع عنه صورته خلعاً، قولُهُ:

ومَا رِيحُ الرِّياض لَها ولكـن ** كَسَاها دَفْنُهُمْ في التُرْبِ طيبَا

ومن لطيف هذا النوع قولُ أبي العباس الضبّي:

لا تركننَّ إلـى الـفـرا ** قِ وإن سَكَنْتَ إلى العِنَاقِ
فالشمسُ عِنْدَ غروبـهـا ** تصفَرُّ من فَرَقِ الفِراقِ


ادَّعَى لتعظيم شأن الفراق أنّ ما يُرَى من الصُفرة في

الشمس حين يرِقُّ نورها بدنّوها من الأرض،

إنما هو لأنها تُفارق الأُفٌق الذي كانت فيه، أو الناسَ الذين

طلعت عليهم وأنِسَتْ بهم وأنِسوا بها وسَرَّتْهم رُؤْيتُها،

ونوع منه قولُ الآخر:

قضيبُ الكَرْمِ نَقْطَعه فَيَبْكِي ** ولا تَبْكي وقد قَطَع الحبيبُ


وهو منسوب إلى إنشاد الشّبلي، ويقال أيضاً أن أبا العباس

أخذ معناه في بيته من قول بعض الصُّوفية وقيل له:

لِمَ تصفرُّ الشمس عند الغروب؛ فقال من حَذَر الفراق،

ومن لطيف هذا الجنس قول الصُّولي:

الرِّيح تَحْسُدُني عـلـيـ ** ـكِ ولم أخَلْهَا في العِدَا
لَمَّا هَمَمْـتُ بـقُـبْـلةٍ ** رَدَت على الوَجْهِ الرِّدَا


وذلك أن الريح إذا كان وجهها نحو الوَجْه،

فواجب في طِباعها أن تردّ الرداء عليه، وأن تلُفّ من طرفيه،

وقد ادّعى أن ذلك منها لحسدٍ بها وغَيْرَةٍ على المحبوبة،

وهي من أجل ما في نفسها تَحُول بينه وبين أن ينال من وجهها.


وفي هذه الطريقة قوله:

وحَارَبَني فيه رَيْبُ الزَّمانِ ** كأنَّ الزَّمانَ لهُ عاشـقُ


إلاَّ أنه لم يضع عِلّة ومعلولاً من طريق النصّ على شيء،

بل أثبت محاربةً من الزمان في معنى الحبيب،

ثم جعل دليلاً على عِلَّتها جوازَ أن يكون شريكاً له في عشقه،

وإذا حقَّقْنا لم يجب لأجل أن جَعَلَ العِشقِ عِلَّة للمحاربة،

وجَمَع بين الزمان والريح، في ادعاء العداوةِ لَهُما

أن يتناسب البيتان من طريق الخصوص والتفصيل.


وذاك أن الكلام في وضع الشاعر للأمر الواجب علّةً غيرَ

معقولٍ كونُها علّةً لذلك الأمر، وكونُ العشق علّةً للمعاداة

في المحبوب معقولٌ معروف غير بِدْعٍ ولا مُنكَر،

فإذا بدأ فادّعى أن الزمان يعاديه ويحاربه فيه،

فقد أعطاك أنّ ذلك لمثل هذه العلّة وليس إذا ردَّت الريح الرِّداء،

فقد وَجب أن يكون ذلك لعلّة الحسد أو لغيرها،

لأن ردَّ الرداء شأنُها، فاعرفه، فإن مِنْ شَأن حكم المُحصِّل

أن لا ينظر في تلاقي المعاني وتناظُرها إلى جُمَل الأمور،

وإلى الإطلاق والعموم، بل ينبغي أن يدقّقَ النظر في ذلك،

ويراعَى التناسب من طريق الخصوص والتفاصيل،

فأنت في نحو بيت ابن وُهيب تدّعى صفةً غير ثابتة،

وهي إذا ثبتت اقتضت مثل العِلّة التي ذكرها،

وفي نحو بيت الريح، تذكر صفةً غير ثابتة حاصلةً على الحقيقة،

ثم تدّعي لها علة من عند نفسك وضعاً واختراعاً، فافهمه،

وهكذا قول المتنبي:

مَلامِي النَّوَى في ظُلْمها غايةُ الظُّلْمِ ** لعلَّ بها مِثْلَ الَّذِي بِي مِن السُّقـمِ
فَلَوْ لم تَغَرْ لم تَزْوِ عَنِّي لِقـاءَكُـم ** ولو لم تُرِدْكُمْ لم تكنْ فِيكُمُ خَصْمِي


الدعوى في إثبات الخصومة، وجَعْلِ النَّوى كالشيء

الذي يعقل ويميّز ويريد ويختار، وحديثُ الغَيرةِ والمشاركةِ

في هوى الحبيب، يثبُتُ بثبوت ذلك من غير أن يفتقر مِنك

إلى وَضْعٍ واختراع.



ومما يلحق بالفنّ الذي بدأتُ به قولُه:

بِنَفسِيَ ما يشكوهُ مَن راح طَرْفُهُ ** ونَرْجِسُهُ مِمّا دَهَى حُسنَه وَردُ
أراقَتّْ دَمِي عَمْداً مَحاسنُ وجهه ** فأضْحَى وفي عَيْنَيه آثارُه تَبْدُو


لأنه قد أتى لحمرة العين وهي عارض يَعْرِض لها من

حيث هي عينٌ بعلّةٍ يعلم أنها مخترعَة موضوعة،

فليس ثمَّ إراقة دم، وأصْل هذا قول ابن المعتز:

قَالُوا اشتكتْ عَيْنُه فقُلْتُ لَهُـم ** مِن كَثْرةِ القَتْل نَالَها الوَصَبُ
حُمْرتُها مِن دِماءِ مَن قتلَـتْ ** والدَّمُ في النَّصْل شاهدٌ عَجَبُ


وبين هذا الجنس وبين نحو الرّيح تحسدني، فرقٌ،

وذلك أن لك هناك فِعلاً هو ثابت واجب في الريح،

وهو ردُّ الرداء على الوجه، ثم أحببت أن تتطرّف،

فادَّعيت لذلك الفعل علّةً من عند نفسك،

وأما هاهنا فنظرتَ إلى صفةٍ موجودة، فتأوّلتَ فيها أنها

صارت إلى العين من غيرها، وليست هي التي من شأنها

أن تكونَ في العين، فليس معك هنا إلا معنىً واحدٌ،

وأما هناك فمعك معنيان: أحدُهما موجودٌ معلومٌ،

والآخرُ مُدَّعًى موهومٌ فاعرفه.



وممّا يشبه هذا الفَنَّ الذي هو تأوُّلٌ في الصفة فقط،

من غير أن يكون معلولٌ وعلّةٌ، ما تراه من تأوُّلهم في

الأمراض والحمَّيَات أنها ليست بأمراض،

ولكنها فِطَنٌ ثاقبة وأذهانٌ متوقِّدة وعَزَمات،

كقوله:

وحُوشِيتَ أن تَضْرَى بجسمك عِلَّةٌ ** ألاَ إنَّها تلك العُزُوم الثَّـواقـبُ

وقال ابن بابك:

فترتَ وما وجدتَ أبا العلاءِ ** سِوَى فَرْط التوقُّد والذَّكاءِ

ولكشاجم، يقوله في علي بن سليمان الأخفش:

ولقد أخطـأَ قـومٌ زعـمـوا ** أنها من فَضْل بَرْدٍ في العَصَبْ
هُو ذَاكَ الذِّهـن أذكـى نَـارَه ** وَالمِزَاجُ المُفْرِطُ الحَرِّ التهبْ

ولا يكون قول المتنبي:

وَمَنازلُ الحُمَّى الجُسومُ فقلْ لنا ** مَا عُذْرُها في تَرْكها خَيراتِها
أعجبتَها شَرَفاً فَطَال وُقُوفُهـا ** الأعضاءِ لاَ لأَذَاتِـهـا


من هذا في شيء، بأكثر من أن كلا القولين في ذكر الحُمَّى،

وفي تطييب النفس عنها، فهو اشتراك في الغَرض والجنس،

فأما في عمود المعنى وصورته الخاصة فلاَ،

لأن المتنبي لم ينكر أنه ما يجده الممدوح حُمَّى كما أنكره الآخر،

ولكنّه كأنه سأل نفسه كيف اجترأت الحمَّى على الممدوح،

مع جلالته وهيبته، أم كيف جَاز أن يقصد شيءٌ إلى

أذاه مع كَرَمه ونُبله، وأن المحبّة من النفوس مقصورة عليه?

فتحمَّلَ لذلك جواباً، ووضع للحُمَّى فيما فعلته من الأذى عُذْراً،

وهو تصريحُ ما اقتصر فيه على التعجُّب في قوله:

أيَدْري مَـا أَرابَـك مَـن يُريبُ ** وَهلْ تَرْقَى إلى الفَلك الخطوبُ
وجسمُك فَوْق هِـمَّةِ كُـلِّ داءٍ ** فقُرْبُ أقلِّها مـنـه عـجـيبُ


إلا أن ذلك الإيهام أحسن من هذا البيان،

وذلك التعجُّبُ موقوفاً غيرَ مجاب، أولَى بالإعجاب،

وليس كل زيادة تُفلح، وكل استقصاء يَمْلُح.


ومن واضح هذا النوع وجيّده قولُ ابن المعتزّ:

صدَّت شُرَيْرُ وأزمعت هَجْرِي ** وَصَغَت ضَمائرُها إلى الغَدْرِ
قالت كَبِرتَ وشِبتَ قلتُ لهـا ** هذا غُبارُ وَقَـائعِ الـدَّهْـرِ


ألا تراه أنكر أن يكون الذي بدا به شيباً،

ورأى الاعتصام بالجَحْد أخصَر طريقاً إلى نَفْي العيب

وقطع الخصومة، ولم يسلك الطريقة العامّية فيُثبِتَ المشيب،

ثم يمنَع العائب أن يعيب، ويُريَه الخطأ في عَيْبه به،

ويُلزِمَه المناقضةَ في مذهبه، كنحو ما مضى،

أعني كقول البحتري: وبياضُ البازيّ.



وهكذا إذا تأوَّلوا في الشيب أنه ليس بابيضاض

الشعر الكائن في مجرى العادة وموضوع الخلْقة،

ولكنه نُور العقل والأدبِ قد انتشر، وبان وَجْهه وظهر،

كقول الطائي الكبير:

ولا يُرَوِّعْك إيماضُ القَتِير به ** فَإنَّ ذاك ابتسامُ الرَّأْي والأدبِ



وينبغي أن تعلمَ أنّ باب التشبيهات قد حظِي من

هذه الطريقة بضرب من السِّحْر، لا تأتي الصفة على غَرابته،

ولا يبلُغ البيان كُنَه ما ناله من اللُّطف والظَّرف،

فإنه قد بلغ حدّاً يرُدُ لمعروفَ في طِباع الغَزِل،

ويُلْهى الثَّكْلان من الثُّكْل، ويَنْفُث في عُقَد الوَحشة،

وينشُد ما ضلّ عنك من المسَرَّةِ، ويشهد لِلشِّعر بما يُطيل

لِسَانه في الفخر، ويُبين جُمْلة ما للبيان من القُدرة والقَدْر،

فمن ذلك قول ابن الرومي:

خجِلتْ خدودُ الورد من تفضيله ** خَجَلاً تورُّدُها علـيه شـاهـدُ
لم يَخْجَلِ الوردُ المورَّدُ لـونُـه ** إلاَّ وناحِلهُ الفضـيلةَ عـانـدُ
للنرجس الفضلُ المُبينُ وإن أبَى ** آبٍ وحادَ عن الطـريقة حـائدُ
فصْلُ القضـية أنّ هـذا قـائدٌ ** زَهَرَ الرياضِ وأَنّ هذا طاردُ
شتَّانَ بين اثنين هـذا مُـوعِـدُ ** بتَسلُّبِ الـدُّنـيا وهَـذَا واعـدُ
يَنْهَى النديمَ عن القبيح بلحظِـه ** وَعَلَى المُدامةِ والسماعِ مُساعدُ
اطلبْ بِعَفْوك في الملاح سَمِيَّه ** أبداً فإنك لا مَـحَـالة واجـدُ
والوَرْدُ إن فكّرتَ فردٌ في اسمه ** ما في الملاح له سمِيُّ واحـدُ
هذي النجومُ هي التي رَبَّتْهُمـا ** بِحَيا السحابِ كما يُربِّي الوالـدُ
فانظر إلى الأخَوَين مَن أدناهما ** شَبَهاً بوالده فذاك الـمـاجـدُ
أين الخدودُ من العيون نَـفَـاسةً ** ورِئاسةً لولا القياسُ الفـاسـدُ


وترتيب الصنعة في هذه القطعة، أنه عمل أوَّلاً على

قلب طرفَي التشبيه، كما مضى في فصل التشبيهات،

فشبّه حُمرةَ الورد بحمرة الخجل، ثم تناسَى ذلك وخَدعَ عنه نفسه،

وحملها على أن تعتقد أنه خَجَلٌ على الحقيقة،

ثم لما اطمأنَّ ذلك في قلبه واستحكمت صورته،

طَلَبَ لذلك الخجل عِلّةً، فجعل عِلَّته أنْ فُضِّل على النرجس،

ووُضِع في منزلةٍ ليس يرى نفسَهُ أهْلاً لها،

فصار يتَشوَّر من ذلك، ويتخوّف عيبَ العائب،

وغميزةَ المستهزئ، ويجدُ ما يجد مَنْ مُدِح مِدْحةً يَظْهر

الكذب فيها ويُفْرِط، حتى تصير كالهُزء بمن قُصِد بها،

ثم زادته الفِطْنة الثاقبةُ والطبع المُثْمر في سحر البيان،

ما رأيت من وضع حِجاج في شأن النرجس،

وجهةِ استحقاقه الفضلَ على الورد، فجاء بحُسنٍ وإحسانٍ

لا تكاد تجد مثله إلاّ له. ومما هو خليقٌ أن يوضع في منزلة

هذه القطع، ويلحق بها في لطف الصنعة،

قول أبي هِلالٍ العسكري:

زَعَم البَنَفْسَجُ أنَّـه كـعِـذَارهِ ** حُسْناً فسَلُّوا مِن قَفَاه لسـانَـهُ
لَم يَظْلِمُوا في الحكم إذْ مَثَلوا** به فلشَدَّمَا رفع البَنَفْسَجُ شَـانَـهُ



وقد اتفق للمتأخرين من المحْدَثين في هذا الفن نُكَتٌ ولطائف،

وبِدَعٌ وظرائف، لا يُستكثر لها الكثير من الثّناء،

ولا يضيق مكانُها من الفَضْل عن سَعَة الإطراء،

فمن ذلك قول ابن نباتة في صفة الفرس:

وأدهمُ يستمدُّ الـلـيلُ مـنـه ** وتَطلُع بين عَينَـيه الـثُّـريَّا
سَرَى خَلْفَ الصَّباحِ يطير مَشْياً ** ويَطْوِي خَلْفَه الأفـلاكَ طَـيّاً
فلَمّا خاف وَشْكَ الفَوْتِ مـنـه ** تَشَبَّثَ بالقـوائم والـمُـحَـيَّا

وأحسن من هذا وأحكم صنعةً قولُه في قطعة أخرى:

فكأنما لَطَمَ الصباحُ جـبـينَـهُ ** فاقتصَّ منه وخَاضَ في أَحشائهِ

وأول القطعة:

د جَاءَنا الطِّرْفُ الذي أهْـدَيْتَـهُ ** هَادِيه يَعْقِد أرضَه بـسـمـائهِ
وِلايةً وَلَّيتَـنـا فـبَـعَـثْـتَـهُ ** رُمحاً سَبيبُ العُرفِ عَقْدُ لِوائِه
ختال منه على أَغَرَّ محـجَّـلٍ ** ماءُ الدَّياجي قطرةٌ مـن مـائهِ
كأنما لَطَمَ الصَّبـاحُ جـبـينَـهُ ** فاقتصَّ منه وخَاضَ في أحشائِه
تمهِّلاً والبرقُ مـن أسـمـائه ** مُتبرقعاً والحُسْنُ من أكـفـائِه
مَا كانت النِّيران يَكْمُنُ حَـرُّهـا ** لَوْ كان للنِّيران بعـضُ ذَكـائِه
لا تَعْلَقُ الألحاظُ في أَعطـافِـه ** إلاَّ إذا كفكفتَ مـن غُـلَـوائهِ
لاَ يُكمِلُ الطرْفُ المحاسنَ كُلَّها ** حَتَّى يكونَ الطَّرْفُ من أُسَرائِه



ومما له في التفضيلِ الفَضْلُ الظاهرُ لحسن الإبداع،

مع السلامة من التكلُّف، قوله:

وماءٍ عَلى الرَّضْرَاض يَجْري كأنَّهُ ** صحائفُ تِبْرٍ قد سُبِكْـنَ جـداولاَ
كأنّ بها من شدة الـجَـرْيِ جِـنَّةً ** وقَدْ ألبستهُنَّ الـرِّياحُ سَـلاَسـلاَ


وإنما ساعده التوفيقُ، من حيث وُطّئ له من قبلُ الطريقُ،

فسبق العُرْفُ بتشبيه الحُبُك على صفحات الغُدْران بحلَق الدروع،

فتدرَّج من ذلك إلى أن جعلها سلاسل،

كما فعل ابن المعتزّ في قوله:

وأنهارِ ماءٍ كالسلاسل فُجـرّت ** لتُرضِع أولادَ الرياحين والزَهْرِ


ثم أتمّ الحِذْق بأن جعل للماء صفة تَقْتَضي أن يُسَلْسَل،

وقَرُبَ مأخذُ ما حاول عليه، فإن شدة الحركة وفرط

سرعتها من صفات الجنون، كما أن التمهُّل فيها والتأنّي

من أوصاف العقل، ومن هذا الجنس قولُ ابن المعتزّ في السيف،

في أبيات قالها في الموفَّق، وهي:

وفَارسٍ أَغْمَدَ فـي جُـنّةٍ ** تُقطّع السيفَ إذا ما وَرَدْ
كأنها ماءٌ علـيه جَـرَى ** حتى إذا ما غاب فِيهِ جَمَدْ
في كفّهِ عَضْبٌ إذا هـزَّهُ ** حسِبتَهُ من خَوْفِه يَرْتَعِـد


فقد أراد أن يخترع لهزّةِ السيف عِلّةً،

فجعلها رِعْدَة تناله من خوف الممدوح وهَيْبَته،

ويُشبه أن يكون ابن بابك نظر إلى هذا البيت

وعلَّق منه الرعدة في قوله:

فإن عَجَمَتْني نيُوبُ الخطـوبِ ** وأَوْهَى الزمانُ قُوَى مُنَّتِـي
فَمَا اضطرب السيفُ من خِيفةٍ ** ولا أُرعِدَ الرمحُ مـن قِـرَّةِ


إلا أنه ذهب بها في أسلوب آخر، وقصد إلى أن يقول

إنّ كون حركات الرمح في ظاهر حركة المرتعد،

لا يوجبُ أن يكون ذلك من آفة وعارض،

وكأنه عكس القضيّة فأبَى أن تكون صفة المرتعد في

الرمح للعلل التي لمثلها تكون في الحيوان.




وأمَّا ابن المعتزّ فحقّق كونها في السيف على حقيقة

العلّةِ التي لها تكون في الحيوان فاعرفه.



وقد أعاد هذا الارتعادَ على الجملة التي وصفتُ لك،

فقال:

قالُوا طواهُ حُزنُهُ فـانـحـنَـى ** فقلتُ والشـكُّ عـدُوُّ الـيقـين
ما هَيَفُ النَّرجِس مـن صَـبْـوَةٍ ** ولا الضَنَى في صُفرة الياسمينْ
ولا ارتعادُ السَّـيفِ مـن قِـرَّةٍ ** ولا انعطافُ الرمح من فَرْطِ لينْ


ومما حقُّه أن يكون طرازاً في هذا النوع قولُ البحتري:

يَتَعثَّرْنَ في النُّحور وفي الأَوْ ** جُهِ سُكْراً لمَّا شَربْنَ الدمَّاءَ



جعل فِعلَ الطاعنِ بالرماح تعثُّراً منها، كما جعل

ابن المعتزّ تحريكه للسيف وهزَّه له ارتعاداً،

ثم طلب للتعثُّر عِلَّة، كما طلب هو للارتعاد فاعرفه.

ومن هذا الباب قول عُلبة:

وكأن السَّماءَ صَاهَرَت الأَرْ ** ضَ فصَار النِّثارُ من كافورِ

وقول أبي تمام:

كأنّ السحاب الغُرّ غَيَّبن تَحْتَها ** حَبِيباً فما تَرْقَا لهنّ مَدَامِـعُ

وقول السريّ يصف الهلال:

جاءَك شَهْرُ السُّرُورِ شوّالُ ** وغال شَهْر الصِّيامِ مغتالُ

ثم قال:

كأنـه قَـيْدُ فِـضّةٍ حَـرِجٌ ** فُضَّ عن الصائمين فاخْتالوا


كل واحد من هؤلاء قد خدع نفسه عن التشبيه وغالطها،

وأَوْهَمَ أن الذي جرى العُرْف بأن يؤخذ منه الشَّبه قد حضر

وحصل بحضرتهم على الحقيقة، ولم يقتصر على دعوى

حُصوله حتى نصب له عِلَّة، وأقام عليه شاهداً،

فأثبت عُلبة زفافاً بين السماء والأرض،

وجعل أبو تمام للسحاب حبيباً قد غُيّب في التراب،

وادَّعى السريُّ أن الصائمين كانوا في قَيْدٍ، وأنه كان حَرِجاً،

فلما فَضَّ عنهم انكسر بنصفين،

أو اتسع فصار على شكل الهلال، والفرق بين بيت السريّ

وبيتي الطائييَّن، أن تشبيه الثلج بالكافور معتاد عامّيٌّ

جارٍ على الألْسُن، وجعلُ القَطْرِ الذي ينزل من السحاب دموعاً،

ووَصْفُ السحابِ والسماءِ بأنها تبكي، كذلك،

فأمّا تشبيه الهلال بالقَيْدِ فغير معتاد نفسه إلاّ أنَّ نظيرَه معتاد،

ومعناه من حيث الصورة موجود،

وأعني بالنظير ما مضى من تشبيه الهلال بالسِّوار المنفصم،

كما قال:

حاكياً نِصفَ سِوارٍ ** مِنْ نُضارٍ يتوقَّـدْ

وكما قال السري نفسه:

ولاح لنا الهلال كشطر طَوْقٍ ** على لَبَّاتِ زَرقاءِ اللـبـاسِ

إلا أنه سَاذَجٌ لا تعليل فيه يجب من أجله أن يَكُون سِوَاراً أو طَوْقاً،

فاعرفه، ورَأيت بعضهم ذكر بَيْت السريّ الذي هو:

"كَأنَّه قَيْد فِضَّة حَرَجٌ"

مع أبيات شعر جمعه إليها،

أنشدَ قطعةَ ابن الحجاج:

يا صَاحِبَ البَيْتِ الَّـذِي ** قد مَاتَ ضَيْفاه جمِيعَا
مَالِي أَرى فَلَكَ الرَّغيـ ** ـفِ لدَيك مُشْتَرِفاً رَفِيعَا
كالبدرِ لا نرجـو إلـى ** وَقْت المَسَاءِ له طُلوعَا


ثم قال إنّه شبَّه الرغيف بالبدر، لعِلَّتين إحداهما الاستدارة،

والثانيةُ طلوعه مَساءً، قال وخيرُ التشبيه ما جمع مَعْنيين،

كقول ابن الرمي:

يا شبيه البدْر في الحُسـ ** ـنِ وفي بُعد المَـنَـالِ
جُدْ فقد تنفجِرُ الـصَّـ ** ـخرةُ بالمـاءِ الـزُّلالِ

وأنشد أيضاً لإبراهيم بن المهدي:

ورحمتَ أطفالاً كأفْراخ القَطَا ** وحنينَ وَالِهةٍ كقَوْسِ النَّـازِعِ


ثم قال ومثله قولُ السَّري: "كأنه قَيْدُ فِضَّةٍ حَرَجٌ"

وهو لا يشبه ما ذكره، إلا أنْ يَذهبَ إلى حديثِ أنه أفاد

شكلَ الهلال بالقيد المفضوض، ولونَه بالفضة،

فأمَّا إن قصد النكتة التي هي موضع الإغراب،

فلا يستقيم الجمع بينه وبين ما أنشد، لأن شيئاً من تلك الأبيات

لا يتضمَّنُ تعليلاً، وليس فيها أكثر من ضمّ شَبَهٍ إلى شبه،

كالحنين والانحناء من القوس، والاستدارة والطلوع مساءً من البَدْر،

وليس أحد المعنيين بِعِلّة للآخر، كيف? ولا حاجة بواحد

من الشبهين المذكورين إلى تصحيحِ غيره له.


ومما هو نظيرٌ لبيت السريّ وعلى طريقة قول ابن المعتزّ:

سَقَاني وقد سُلَّ سَيفُ الصبـا ** حِ والليلُ من خَوْفه قَدْ هَرَبْ


لم يقنع هاهنا بالتشبيه الظَّاهر والقولِ المرسَل، كما اقتصر في قوله:

حتى بدا الصباحُ من نقابِ ** كما بدا المُنْصلُ من قِرابِ

وقوله:

أمّا الظلامُ فحِينَ رَقَّ قَـمِـيصُـهُ ** وأَتى بياضُ الصُّبْح كالسَّيف الصَّدي


ولكنه أحبّ أن يحقّق دعواه أنّ هناك سيفاً مسلولاً،

ويجعل نفسه كأنها لا تعلم أن هاهنا تشبيهاً،

وأنّ القصد إلى لونِ البياضِ في الشكل المستطيل، فتوصَّلَ إلى ذلك

بأَن جعل الظَّلام كالعدوّ المنهزم الذي سُلّ السَّيف في قَفَاه،

فهو يهرب مخافَة أن يُضْرب به، ومثل هذا في أن جعل

الليلَ يخافُ الصبحَ، لا في الصنعة التي أنا في سياقها،

قولُه:

سَبقنا إليهَا الصُّبْحَ وهو مُقـنَّـعٌ ** كَمِينٌ وقلبُ اللَّيلِ منه على حَذَرْ

وقد أخذ الخالديُّ بيته الأوّل أخْذاً، فقال:

والصُّبحُ قد جُرِّدت صَوارِمُه ** والليلُ قد همَّ منه بالهَـربِ

وهذه قطعة لابن المعتزّ، بيتٌ منها هو المقصود:

وانظُر إلى دُنْيَا ربِيعٍ أقـبـلـتْ ** مِثْلَ البَغيِّ تبـرَّجـتْ لـزُنـاةِ
جاءَتـك زائرةٌ كـعـــامٍ أوّلٍ ** وتَلبَّستْ وتعطَّـرَتْ بـنـبـاتِ
وَإذا تَعرَّى الصُبحُ من كـافـورِهِ ** نَطَقتْ صُنوفُ طُيورِها بِلُغـاتِ
والوَرْدُ يضحكُ من نَواظر نَرْجسٍ ** قَذِيَت وآذنَ حَيُّهـا بـمَـمَـاتِ


هذا البيت الأخير هو المراد، وذلك أن الضَحِك في

الوَرْد وكلِّ ريحان ونُوْرٍ يَتَفَتَّح، مشهور معروف،

وقد علَّله في هذا البيت، وجعل الوَرْد كأنه يعقل ويميّز،

فهو يَشْمَت بالنرجس لانقضاء مُدّته وإدبار دَوْلته،

وبُدُوِّ أمارات الفناء فيه، وأعاد هذا الضحك من الورد فقال:

ضَحِكَ الوَرْدُ في قَفَا المَنْثُورِ ** واسْتَرحْنَا من رِعْدَةِ المَقرُورِ

أراد إقبال الصيف وحَرّ الهواء، ألا تراه قال بعده:


وَاستَطَبْنا المَقِيلَ في بَرْد ظِلّ ** وَشَمِمْنَا الرَّيحانَ بالكـافـورِ
فالرحيلَ الرحيلَ يا عَسْكرَ اللـ ** ذّاتِ عن كُلِّ رَوْضةٍ وغَدِيرِ

فهذا من شأنِ الورد الذي عابَه به ابن الرومي في قوله:

فَصْل القضية أن هـذا قـائد ** زَهَرَ الرياضِ وأن هذا طاردُ

وقد جعله ابن المعتز لهذا الطَّرْدِ ضاحكاً ضحكَ مَن استولى

وظفر وابتَزَّ غيرَه على وِلاية الزَّمان واستبدَّ بها،

ومما يشوب الضحِكَ فيه شيءٌ من التَّعليل قوله أيضاً:

مَات الهَوى مِنّي وضاع شَبَابـي ** وقَضَيْتُ من لَـذَّاتـه آرَابـي
وإذا أردتُ تَصَابياً في مجلـسٍ ** فالشَّيْبُ يضحَك بِي مَع الأَحبابِ


لا شكّ أن لهذا الضحك زيادةَ معنًى ليست للضحك في

نحو قول دعبل: "ضَحِكَ المَشِيبُ بِرَأْسِه فبَكَى"

وما تلك الزيادة إلا أنه جعل المشيبَ يضحك ضَحِكَ المتعجِّبِ

من تعاطي الرجل ما لا يليق به، وتكلُّفه الشيءَ ليس هو من أهله،

وفي ذلك ما ذكرتُ من إخفاءِ صُورة التشبيه،

وأَخْذِ النفس بتناسيه، وهكذا قوله:

لَمَّا رأونا في خَمِـيسٍ يلـتـهـبْ ** في شَارِقٍ يَضْحَك مِنْ غَيرِ عجبْ
كَأنَّهُ صَبَّ علـى الأرض ذَهـبْ ** وقد بَدَت أسيافُنا مـن الـقُـرُبْ
حَتىَّ تكونَ لِمـنـاياهُـمْ سَـبَـبْ ** نرفُلُ في الحَدِيد والأرضُ تجِـبْ
وحَنَّ شَريانٌ ونَبْعٌ فاصطَخبْ ** تَتَرَّسُوا مِنَ القتالِ بالهَـرَبْ


المقصودُ قولُه يضحك من غير عَجَبْ، وذاك أنّ نفيه العلّة

إشارةٌ إلى أنه من جنس ما يُعلَّل، وأنّه ضَحِكٌ قَطْعاً وحقيقةً،

ألا ترى أنّك لو رحبتَ إلى صريح التشبيه فقلت هيئتُه

في تلألؤه كهيئة الضاحك، ثم قلت من غير عجب،

قلت قولاً غير مَقْبُولٍ، واعلم أنك إن عددتَ قولَ بعض العرب:

ونَثْرَةٍ تهزأُ بالنِّصـالِ ** كأنّها من خِلَع الهلالِ



الهِلال الحيّة هاهنا، واللام للجنس في هذا القبيل، لم يكن لك ذلك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 8:09 pm

وهذا نوع آخر في التعليل


وهو أن يكون للمعنى من المعاني والفعلِ

من الأفعال علّةٌ مشهورة من طريق العادات والطباع،

ثم يجيءُ الشاعر فيمنع أن تكون لتلك المعروفة،

ويضع له عِلَّةً أخرى، مثاله قول المتنبي:

مَا بِه قتلُ أعـاديه ولـكـن ** يتّقي إخلافَ ما تَرْجُو الذئابُ


الذي يتعارفه الناس أن الرجل إذا قتل أعاديه فلإرادته هلاكَهم،

وأن يدفع مضارَّهم عن نفسه،

وليسلَم مُلكه ويصفُوَ من منازَعاتهم،

وقد ادَّعى المتنبي كما ترى أن العِلةَ في قتل هذا الممدوح لأعدائه غير ذلك.




واعلم أن هذا لا يكون حتى يكون في استئناف

هذه العِلّة المدَّعاةِ فائدة شريفة فيما يتصل بالممدوح،

أو يكون لها تأثير في الذمّ، كقصد المتنبي هاهنا في

أن يبالغ في وصفه بالسَّخاء والجود، وأَنّ طبيعةَ الكرمِ

قد غلبت عليه، ومحبَّته أن يُصدِّق رجاء الراجين،

وأن يجنِّبهم الخيبة في آمالهم، قد بلغت به هذا الحدَّ،

فلما علم أنه إذا غدا للحرب غَدَت الذئاب تتوقّع أن يتسع عليها الرزق،

ويُخْصِب لها الوقت من قَتْلَى عداه، كَرِهَ أن يُخْلِفها،

وأن يخيِّبَ رجاءهَا ولا يُسعِفُها، وفيه نوع آخر من المدح،

وهو أنه يهزم العِدَى ويكسِرهم كسراً لا يطمَعون بعده في المعاوَدة،

فيستغني بذلك عن قَتْلَهم وإراقة دمائهم،

وأنه ليس ممن يُسْرف في القتل طاعةً للغَيْظ والحَنَق،

ولا يعفو إذا قَدَر، وما يُشبه هذه الأوصاف الحَميدة فاعرفه.



ومن الغريب في هذا الجنس على تَعَمُّقٍ فيه،

قول أبي طالب المأموني في قصيدة يمدح بها

بعض الوزراء بِبُخارى:

مُغرَمٌ بالثناءِ صَبٌّ بكسـب الـ ** ـمَجْدِ يهتزُّ للسَّماح ارتـياحَـا

لا يَذُوق الإغفـاءَ إلاّ رجـاءً ** أن يَرَى طيفَ مسْتَمِيحٍ رَوَاحَا



وكأنه شَرَطَ الرّواح على معنى أن العُفاة والرَّاجين

إنّما يَحْضُرونه في صَدْر النهار على عادة السلاطين،

فإذا كان الرواح ونحوه من الأوقات التي ليست من

أوقاتِ الإذن قَلُّوا، فهو يشتاق إليهم فينام ليأنس برُؤية طيفهم،

والإفراط في التعمّق ربما أخلَّ بالمعنى من حيث يُرَاد تأكيدُه به،

ألا تَرى أن هذا الكلام قد يُوهم أنه يحتجّ له أنه ممن

لا يرغب كل واحد في أخْذِ عطائه،

وأنه ليس في طبقة من قيل فيه:

عَطاؤُك زَينٌ لامرئٍ إن أَصبتَه ** بخير وما كُلّ العَطـاءِ يَزِينُ



وممّا يدفع عنه الاعتراض ويُوجب قلّةَ الاحتفال به،

أن الشاعر يُهِمُّه أبداً إثبات ممدوحه جواداً أو توّاقاً

إلى السُّؤَّال فرِحاً بهم، وأن يُبَرِّئه من عبوس البخيل

وقطوب المتكلِّف في البذل، الذي يقاتل نفسه

عن مالِه حتى يُقال جوادٌ، ومَنْ يهوى الثَّناء والثّراء معاً،

ولا يتمكَّن في نفسه معنى قولِ أبي تمام:

وَلَمْ يجتمع شَرقٌ وغربٌ لقـاصـدٍ ** ولا المجدُ في كفِّ امرئٍ والدراهمُ



فهو يُسرع إلى استماع المدائح، ويُبطئ عن صِلة المادح،

نعم، فإذا سُلِّم للشاعر هذا الغرض، لم يفكر في خَطَرات الظنون.


وقد يجوز شيءٌ من الوَهْم الذي ذكرتُه على قولِ المتنبي:

يُعطي المُبشِّرَ بالقُصَّاد قَبْلَهُم ** كمن يُبشِّره بالماء عطشانَا



وهذا شيءٌ عَرَضِ، ولاستقصائه موضعٌ آخرُ،

إن وفَّق اللّه. وأصل بيت الطيف المستميح،

من نحو قوله:

وَإنّي لأسْتَغْشِي وما بِيَ نَعْسةٌ ** لعلَ خيالاً منكِ يَلْقَى خيالـيَا



وهذا الأصل غير بعيد أن يكون أيضاً من باب

ما استُؤنف له علّةٌ غير معروفة، إلاّ أنه لا يبلغ في

القوة ذلك المبلغ في الغرابة والبعد من العادة،

وذلك أنه قد يُتصوَّر أن يُريد المُغرَمُ المتيَّم، إذا بَعُدَ عهده بحبيبه،

أن يراه في المنام، وإذا أراد ذلك جاز أن يريد النوم

له خاصَّةً فاعرفه. ومما يلحق بهذا الفصْل قوله:

رَحَل العزاءُ برحْلَتي فكأنني ** أتبعتُه الأَنفاسَ للتـشـييعِ



وذلك أنه علّل تصعُّد الأَنفاس من صدره بهذه العلة الغريبة،

وترك ما هو المعلوم المشهور من السبب والعلة فيه،

وهو التحسّر والتأسّف، والمعنى:

رحل عنِّي العزاء بارتحالي عنكم،

أي: عنده ومعه أو به وبسببه،

فكأنه لما كان محلّ الصبر الصَّدْر،

وكانت الأنفاس تتصعّد منه أيضاً، صار العزاءُ وتنفُّس

الصَّعَداء كأنهما نزيلان ورفيقان، فلما رحل ذاك،

كان حقّ هذا أن يشيّعه قضاءً لحق الصُّحبة.




ومما يلاحِظُ هذا النوع، يجري في مسلكه ويَنْتظم في سِلْكه،

قولُ ابن المعتز:

عاقبتُ عَيْني بالدَّمع والسَّهَـر ** إذ غار قلبي عَلَيك من بَصَري

وَاحتملتْ ذاك وهـي رَابـحةٌ ** فيكَ وفازت بلذَّة الـنّـظـرِ



وذاك أن العادة في دمع العين وسَهرها أن يكون

السببَ فيه إعراضُ الحبيب، أو اعتراض الرقيب،

ونحو ذلك من الأسباب المُوجِبة للاكتئاب، وقد ترك ذلك كله كما تَرَى،

وادّعى أن العلة ما ذكره من غَيْرةِ القلب منها

على الحبيب وإيثارِه أن يتفرَّد برؤيته، وأنه بطاعة القلب

وامتثال رَسْمه، رامَ للعين عقوبةً، فجعل ذاك أن أبكاها،

ومَنَعها النوم وحماها، وله أيضاً في عقوبة العين

بالدَّمع والسهر، من قصيدة أوّلها:

قُلْ لأَحلَى العباد شِكـلاً وقـدَّا ** أَبجِدٍّ ذَا الهجرُأمْ لـيس جِـدَّا

ما بِذَا كانت المُنَى حدَّثَتْـنـي ** لَهْفَ نفسي أَراك قد خُنتَ ودَّا

ما تَرَى في مُتَيَّمٍ بـكَ صَـبٍّ ** خاضِعٍ لا يرى من الذُلِّ بُـدَّا

إن زَنَتْ عينُه بغيرك فاضربْـ ** ـها بطُول السُهاد والدَّمْع حَدَّا




قد جعل البكاءَ والسهاد عقوبةً على ذنبِ أَثبته للعين،

كما فعل في البيت الأول، إلا أنّ صورة الذنب هاهنا

غير صورته هناك، فالذنب هاهنا نَظَرُها إلى غير الحبيب،

واستجازتُها من ذلك ما هو محرَّم محظور والذنب هناك نظَرُها

إلى الحبيب نفسه، ومزاحمتها القلب في رؤيته، وغَيْرةُ القلب

من العين سببُ العقوبة هناك، فأمّا هاهنا فالغيرة كائنة

بين الحبيب وبين شخصٍ آخر فاعرفه.



ولا شُبْهة في قصور البيت الثاني عن الأول،

وأنّ للأوّل عليه فضلاً كبيراً، وذلك بأن جعل بعضَه يغار من بعض،

وجعل الخصومة في الحبيب بين عينيه وقلبه،

وهو تمام الظَّرْف واللطف، فأمّا الغيرة في البيت الآخر،

فعلى ما يكون أبداً، هذا ولفظ زَنَتْ، وإن كان ما يتلوها

من أحكام الصنعة يُحَسّنها، وورودُها في الخبر العينُ تزني،

ويؤنِس بها، فليست تَدَعُ ما هو حكمها من إدخال نُفْرةٍ على النفس.


وإن أردت أن ترى هذا المعنى بهذه الصنعة في

أعجب صورة وأظرفها، فانظر إلى قول القائل:

أَتتني تُؤَنِّبني بـالـبـكـا ** فأهلاً بهَا وبتأنِـيبـهَـا

تقولُ وفي قولها حِشْـمةٌ ** أتبكي بعَيْنٍ تراني بـهـا

فقلت إذا استحسنتْ غيرَكم ** أمرتُ الدُّموع بتأديبـهـا



أعطاك بلفظة التأديب، حُسْنَ أدب اللبيب، في صيانة اللَّفظ

عما يُحرج إلى الاعتذار، ويؤدّي إلى النِّفار،

إلا أن الأُستاذية بعدُ ظاهرةٌ في بيت ابن المعتز،

وليس كل فضيلة تبدُو مع البديهة، بل بعَقِب النَّظرِ والرويَّة،

وبأن يفكَّر في أول الحديث وآخره، وأنت تعلم أنه لا يكون

أبلغ في الذي أراد من تعظيم شأن الذنب، من ذكر الحدّ،

وأنّ ذلك لا يتمّ له إلاّ بلفظة زنت، ومن هذه الجهة

يلحَقُ الضَّيْمُ كثيراً من شأنُه وطريقُه طريقُ أبي تمام،

ولم يكن من المطبوعين، وموضعُ البَسْط في ذلك غير

هذا فَغَرَضي الآن أن أُرِيَك أنواعاً من التخييل،

وأضَعَ شِبْهَ القوانين ليُستعان بها على ما يُراد بعدُ من

التفصيل والتبيين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 8:13 pm

فصل في تخييل بغير تعليل :




وهذا نوع آخر من التخييل، وهو يرجع إلي ما مضى من

تناسي التَّشبيه وصرف النفس عن توهُّمه، إلا أنَّ ما مضى مُعلَّل،

وهذا غير معلّل، بيان ذلك أنهم يستعيرون الصِّفة المحسوسة

من صفات الأشخاص للأوصاف المعقولة،

ثم تراهم كأنهم قد وجدوا تلك الصفة بعينها،

وأدركوها بأعينهم على حقيقتها، وكأنّ حديث الاستعارة

والقياس لم يجرِ منهم على بال ولم يرَوْه ولا طيفَ خَيال.



ومثالُه استعارتُهم العلوَّ لزيادة الرجل على غيره

في الفضل والقدر والسلطان، ثم وَضْعُهم الكلام وضعَ

من يذكر علُواً من طريق المكان،

ألا ترى إلى قول أبي تمام:

ويَصْعَدُ حَتَّى يظُنَّ الجَهولُ بأنّ لَهُ حاجةً في السماءِ

فلولا قصده أن يُنْسِيَ الشبيه ويرفعَه بجهده،

ويُصمِّم على إنكاره وجَحْده، فيجعله صاعداً في السماء

من حيث المسافة المكانية، لمَا كان لهذا الكلام وجهٌ.



ومن أبلغ ما يكون في هذا المعنى قول ابن الرومي:

أعْلَمُ الناسِ بالنجومِ بَنُـو نُـو بَخْتَ عِلماً لم يَأْتهم بالحِسـابِ

بَلْ بَأنْ شاهدُوا السَّماءَ سُمُـوّاً بِتَرَقٍّ في المكرماتِ الصِّعابِ

مبلغٌ لم يكُنْ ليبلُغَـه الـطـا لِبُ إلاّ بتِلـكُـمُ الأسْـبـابِ


وأعاده في موضع آخر، فزاد الدعوى قُوَّةً،

ومرّ فيها مرورَ من يقول صِدقاً ويذكر حقّاً:

يا آل نُوبَخْتَ لا عَدِمتُـكُـم ولا تَبدَّلْتُ بعـدكـم بَـدَلاَ

إن صَحَّ علمُ النجوم كان لكم حقًّاٍ إذا ما سواكُمُ انتحـلاَ

كَمْ عالمٍ فيكُم وَلَـيْس بـأنْ قاس ولكن بأن رَقِي فَعَلاَ

أعلاكُمُ في السماء مَجدُكـمُ فلستمُ تَجْهلون مَا جُـهِـلاَ

شافَهْتُم البدرَ بالسُّؤال عن ال أَمْرِ إلى أن بلغتُـمُ زُحَـلاَ




وهكذا الحكم إذا استعاروا اسمَ الشيء بعينه من نحو شمس

أو بدر أو بحر أو أسد، فإنهم يبلغون به هذا الحدّ،

ويصوغون الكلام صياغاتٍ تقضي بأن لا تشبيه هناك

ولا استعارة، مثاله قوله:

قامت تظلِّلني من الشمس نفسٌ أعزُّ عليَّ من نَفْسِي

قامت تظلِّلني ومن عَجَبٍ شمسٌ تُظَلِّلني من الشَّمس


فلولا أنه أنْسَى نفسَهُ أن هاهنا استعارةً ومجازاً من القول،

وعَمِلَ على دعوى شمس على الحقيقة،

لما كان لهذا التعجّب معنًى، فليس ببِدْعٍ ولا مُنكَر أن يظلِّلَ إنسانٌ

حسن الوجه إنساناً ويَقِيه وَهَجاً بشخصه.


وهكذا قول البحتري:

طَلَعْتَ لهم وَقْتَ الشُّروق فعَـايَنُـوا سَنَا الشّمسِ من أُفْقٍ ووَجْهَك من أُفْقِ

وما عَاينُوا شمسين قبلهما الْـتَـقَـى ضياؤُهما وَفْقاً من الغَرْب الشَّـرْقِ



معلوم أن القصد أن يُخرج السامعين إلى التعجّب لرؤية ما لم يروه قط،

ولم تَجْرِ العادة به، ولم يتمَّ للتعجُّب معناه الذي عناه،

ولا تظهر صورته على وصفها الخاصّ،

حتى يجترئ على الدَّعوى جُرْأةَ من لا يتوقف ولا يَخشى إنكارَ مُنْكرٍ،

ولا يَحْفِل بتكذيب الظاهر له، ويسُوم النفس، شاءَت أمْ أَبَتْ،

تصوُّرَ شَمْسٍ ثانية طلعت من حيث تغرب الشمس،

فالتقتَا وَفْقاً، وصار غرْب تلك القديمة لهذه المتجددةِ شرقاً.



ومدارُ هذا النوع في الغالب على التعجُّب، وهو والي أمره،


وصانع سِحْره، وصاحب سرّه،

وتراه أبداً وقد أفضى بك إلى خِلابةٍ لم تكن عندك،

وبرز لك في صورة ما حسبتها تظهر لك، ألا ترى أن صورة

قوله شمس تظللني من الشمس، غير صورة قوله

وما عاينوا شمسين، وإن اتَّفق الشعران في أنهما يتعجّبان

من وجود الشيء على خلاف ما يُعقَل ويُعرَف.


وهكذا قول المتنبي:

كَبَّرتُ حَوْلَ دِيارهم لـمّـا بَـدَت منها الشُّموسُ وليسَ فيها المشرقُ


له صورةٌ غير صورة الأوَّلين. وكذا قوله:

ولم أَر قَبْلي مَنْ مَشَى البدرُ نحوهُ ولا رَجُلاً قَامت تُعانقُه الأُسْـدُ


يعرض صورة غير تلك الصُّوَر كلها، والاشتراك بينها

عامّيٌّ لا يدخل في السَّرِقة، إذ لا اتِّفاق بأكثر من أن

أثبت الشيء في جميع ذلك على خلاف ما يعرفه الناس،

فأمّا إذا جئت إلى خصوصٍ ما يخرج به عن المتعارف،

فلا اتفاق ولا تناسُب، لأن مكان الأعجوبة مرّةً أن تظلل

شمسٌ من الشمس، وأخرى أن يُرَى للشمس مِثْلٌ لا يطلع

من الغرب عند طلوعها من الشرق، وثالثةً أن تُرَى الشموس

طالعةً من ديارهم، وعلى هذا الحد قوله ولم أرَ قبلي مَن

مَشَى البدر نحوه، العجب من أن يمشيَ البدر إلى آدميٍّ،

وتُعانِقَ الأسْد رجُلاً.




واعلم أن في هذا النوع مذهباً هو كأنه عكس مذهب التعجب ونقيضُه،

وهو لطيف جدّاً، وذلك أن يُنظر إلى خاصيَّة ومعنًى دقيقٍ

يكون في المشبَّه به، ثم يُثَبِّت تلك الخاصيّة وذلك المعنى للمشبّه،

ويُتوصَّل بذلك إلى إيهام أن التشبيه قد خرج من البَيْن،

وزال عن الوَهْم والعين أحسنَ توصُّلٍ وألطفَه،

ويقام منه شِبهُ الحجّة على أنْ لا تشبيهَ ولا مجازَ،

ومثال قوله:

لاَ تَعْجَبُوا من بِلَى غِلاَلتـه قد زرَّ أَزْرَاره على القمَر


قد عمد، كما ترى إلى شيء هو خاصية في طبيعةِ القمر،

وأمرٌ غريب من تأثيره، ثم جَعلَ يُرِى أن قوماً أنكروا

بِلَى الكتّان بسُرعة، وأنه قد أخذ ينهاهم عن التعجُّب

من ذلك ويقول أما ترونه قد زرَّ أزرارَه على القمر،

والقمرُ من شأنه أن يُسْرِع بِلَى الكتان، وغرضه بهذا كله

أن يُعلِم أن لا شكَّ ولا مِريَة في أن المعاملة مع القمر نفسِهِ،

وأن الحديث عنه بعينه، وليس في البَين شيءٌ غيره،

وأن التشبيهَ قد نُسي وأُنْسيَ، وصار كما يقول الشيخ أبو عليّ

فيما يتعلق به الظرف: إنّه شريعَةٌ منسوخة.



وهذا موضعٌ في غاية اللُّطْفِ، لا يَبين إلا إذا كان المتصفِّح للكلام حسَّاساً،

يعرف وَحْي طَبْع الشعر، وخفيَّ حركته التي هي كالخَلْسِ،

وكَمَسْرَى النّفْسِ في النّفْس. وإن أردت أن تظهرَ لك صحّةُ

عزيمتهم في هذا النحو على إخفاءِ التشبيه ومَحْوِ صورته من الوهم،

فأبرِزْ صفة التَّشبيه، واكشفْ عن وجهه،

وقُلْ لا تعجبوا مِن بِلى غِلاَلته، فقد زرَّ أزرارَهُ على مَنْ حُسْنُه حسنُ القمر،

ثم انظر هل ترى إلاّ كلاماً فاتراً ومعنًى نازلاً،

واخبُرْ نفسك هل تجد ما كنت تجده من الأريحيّة?


وانظر في أعين السامعين هل ترى ما كنت تراه

من ترجمةٍ عن المسرَّة، ودِلاَلةٍ على الإعجاب?


ومن أين ذلك وأنَّى وأنت بإظهار التشبيه تُبطل على نفسك

ما له وُضِعَ البيتُ من الاحتجاج على وُجوب البِلَى في الغلالة،

والمَنْعِ من العجب فيه بتقرير الدِّلالة.



وقد قال آخر في هذا المعنى بعينه،

إلاّ أن لفظه لا يُنبئ عن القوة التي لهذا البيت في دعوى القمر،

وهو قوله:

تَرَى الثِّياب من الكَتَّان يلمَحُهـا نُورٌ من البدر أحياناً فيُبْلـيهَـا

فكيف تُنكر أَن تَبْلَى مَعَاجرُهـا والبدرُ في كل وقتِ طَالِعٌ فيها




ومما ينظر إلى قوله قد زرَّ أزراره على القمر،

في أنه بلغ بدعواه في المجاز حقيقةً، مبلغَ الاحتجاج به

كما يُحتجُّ بالحقيقة، قولُ العبّاس بن الأحنف:

هِيَ الشَّمْسُ مَسْكَنُها في السماء فَعَزِّ الفؤادَ عَـزاءً جـمـيلاَ

فلن تَسْتطيع إليهَا الصُّـعـودَ ولن تستطيعَ إليكَ الـنُـزولاَ



صورة هذا الكلام ونِصْبَته والقالب الذي فيه أُفْرِغ،

يقتضي أن التشبيه لم يَجْرِ في خَلَده،

وأنه معه كما يقال: لستُ منه وليسَ مِنّي،

وأن الأمر في ذلك قد بلغ مبلغاً لا حاجة معه إلى إقامة

دليل وتصحيح دعوى، بل هو في الصِّحّة والصدق بحيث

تُصحَّح به دعوى ثانيةٌ، ألا تراه كأنه يقول للنفس

ما وَجْهُ الطمع في الوصول وقد علمت أن حديثك مع الشمس،

ومَسْكَنُ الشمس السماء؛ أفلا تراه قد جعل كونها الشَّمس

حُجَّةً له على نفسه، يصرفها بها عن أن ترجو الوصول إليها،

ويُلْجِئُها إلى العزاء، ورَدَّها في ذلك إلى ما لا تشكُّ فيه،

وهو مستقرٌّ ثابت، كما تقول: أوَما علمت ذلك?

وأليس قد علمت?، ويُبَيِّن لك هذا التفسيرَ والتقريرَ

فضلَ بيانٍ بأن تُقابل هذا البيت بقول الآخر:

فقلتُ لأصْحابِي هي الشمسُ ضَوْءُها قريبٌ ولكن في تَنَاوُلِـهـا بُـعْـدُ



وتتأمَّلْ أمر التشبيه فيه، فإنك تجده على خلاف ما وصفتُ لك،

وذلك أنه في قوله فقلت لأصحابي هي الشمس،

غيرُ قاصد أن يجعل كَوْنَها الشمسَ حُجَّةً على ما ذكر بعدُ،

من قرب شخصها ومثالها في العين،

مع بُعد منالها بل قال هي الشمس،

وهكذا قولاً مرسلاً يُومِئُ فيه بل يُفصِح بالتشبيه،

ولم يُرد أن يقول لا تعجبوا أن تَقْرُب وتَبْعُد بعد أن علمتم أنها الشمس،

حتى كأَنه يقول: ما وَجْهُ شكّكِم في ذلك?،


ولم يشكّ عاقلٌ في أن الشمس كذلك،

كما أراد العباس أن يقول: كيف الطمع في الوُصول إليها

مع عِلْمِك بأنها الشمس، وأن الشمسَ مَسْكنُها السماءُ،

فبيت ابن أبي عيينة في أنْ لم ينصرف عن التشبيه جملةً،

ولم يَبْرُز في صورة الجاحد له والمتبرّئ منه،

كبيت بشَار الذي صرَّح فيه بالتشبيه، وهو:

أو كبَدْر السَّماءِ غـيرُ قـريبٍ حِين يُوفِي والضوءُ فيه اقترابُ

وكبيت المتنبي:

كأنَّها الشمس يُعيي كفَّ قابضِهِ شُعاعُها ويَرَاه الطَّرْفُ مُقْتربَا


فإن قلت فهذا من قولك يؤدِّي إلى أن يكون الغَرَض من ذكر الشمس،

بيانَ حال المرأة في القُرب من وجهٍ ، والبعدِ من وجهٍ آخر،

دون المبالغة في وصفها بالحسن وإشراق الوجه،

وهو خلافُ المعتاد، لأن الذي يَسْبق إلى القلوب،

أن يُقْصدَ من نحو قولنا هي كالشمسِ أو هي شمسٌ،

الجمالُ والحُسْن والبهاء. فالجواب إنّ الأمرَ وإن كان على

ما قلتَ، فإنه في نحو هذه الأحوال التي ُقصَد فيها إلى بيان

أمرٍ غير الحُسن، يصير كالشيء الذي يُعقل من طريق العُرْف،

وعلى سبيل التَّبَع، فأما أن يكون الغرضُ الذي له وُضع الكلام

فلا وإذا تأمّلت قوله فقلت لأصحابي هي الشمس ضوءُها قريبٌ،

وقولَ بشار: "أو كبدر السماء"، وقولَ المتنبي:

"كأنها الشَّمس"، علمتَ أنهم جعلوا جُلَّ غَرَضهم

أن يُصِيبوا لها شبهاً في كونها قريبة بعيدةً، فأما حديث الحُسن،

فدخل في القصد على الحدِّ الذي مضى في قوله،

وهو للعباس أيضاً:

نِعْمةٌ كالشّمس لمَّا طَلَعت بَثَّت الإشراقَ في كُلّ بَلَدْ



فكما أن هذا لم يضع كلامه لجعل النعم كالشمس

في الضِّياء والإشراق، ولكن عَمَّت كما تعمُّ الشمس

بإشراقها كذلك لم يضع هؤلاء أبياتهم على أن يجعلوا

المرأة كالشمس والبدرِ في الحسن ونورِ الوجه،

بل أَمُّوا نحو المعنى الآخر، ثم حَصَل هذا لهم من غير أن

احتاجوا فيه إلى تجشُّمٍ، وإذا كان الأمر كذلك،

فلم يقُل إن النعمة إنما عمّت لأنها شمس،

ولكن أراك لعمومها وشمولها قياساً، وتحرَّى أن يكون ذلك

القياس من شيء شَرِيف له بالنعمة شبهٌ من جهة أوصافه الخاصّة،

فاختار الشمس، وكذلك لم يُرد ابن أبي عيينة أن يقول إنها

إنما دَنت ونَأت لأنها شمس، أو لأنها الشمس،

بل قاس أمرها في ذلك كما عرّفتُك.



وأمّا العبّاس فإنه قال إنها إنما كانت بحيث لا تُنال،

ووجب اليأس من الوصول إليها، لأجل أنها الشمس

فاعرفه فرقاً واضحاً.


ومما هو على طريقة بيت العبّاس في الاحتجاج،

وإن خالفه فيما أذكره لك،

قول الصابئ في بعض الوزراء يهنّئه بالتخلُّص من الاستِتار:

صَحَّ أنَّ الوزيرَ بدرٌ مُـنـيرٌ إذ تَوَارَى كما تَوَارَى البدورُ

غَاب لا غَابَ ثُمَّ عاد كما كـا نَ على الأُفْقِ طالعاً يستنيرُ

لا تسَلْني عن الوزير فقد بَيَّ نْتُ بالوصف أنه سَـابـورُ

لا خَلاَ منه صدرُ دَسْتٍ إذا ما قَرَّ فيه تَقِرُّ منه الـصـدورُ



فهو كما نراه يحتجّ أن لا مجازَ في البين،

وأنَّ ذكر البدر وتسميةَ الممدوح به حقيقة،

واحتجاجُه صريحٌ لقوله صح أنه كذلك، وأما احتجاج العبّاس

وصاحبه في قوله قد زرَّ أزرَارهُ على القَمر، فعلى طريق الفَحْوى،

فهذا وَجهُ الموافقة، وأما وَجْهُ المخالفة،

فهو أنَّهما ادّعيا الشَّمس والقَمَر بأنفسهما،

وادَّعى الصابئ بدراً، لا البدر على الإطلاق.



ومن ادّعاه الشمس على الإطلاق قولُ بشَّار:

بَعَثْتُ بِذكْرها شِعري وقَدَّمتُ الهَوَى شَرَكَا

فلمَّا شاقَها قَـولـي وشَبَّ الحبُّ فاحْتَنَكَا

أتتني الشمـسُ زائرةً ولم تكُ تبرَحُ الفَلَكَا

وَجَدتُ العيش في سُعدَى وكان العَيْشُ قد هَلَكَـا



فقوله ولم تك تَبرَحُ الفَلَكا، يريك أنه ادَّعى الشمس نفسها،

وقال أشجع يرثي الرشيد، فبدأ بالتعريف،

ثم نكّر فخلَط إحدى الطريقتين بالأخرى، وذلك قوله:

غَرَبَتْ بالمشرق الشـمـ ـسُ فقُلْ للعين تدمـعْ

ما رَأَيْنا قَطُّ شَمـسـاً غَرَبت من حَيْثُ تطلعْ



فقوله غربت بالمشْرق الشمسُ على حدّ قول بشار:

"أتتني الشمس زائرةً، في أنه خيّل إليك شمس السماء"،


وقوله بعد ما رأينا قَطّ شمساً، يُفتِّر أمرَ هذا التخييل،

ويميل بك إلى أن تكون الشمس في قوله:

غربت بالمشرق الشمس، غير شمس السماءِ،

أعني غير مدَّعى أنها هي، وذلك مما يضطرب عليه

المعنى وَيقْلَق، لأنه إذا لم يدَّع الشمسَ نفسها،

لم يجب أن تكون جهة خراسان مَشْرِقاً لها،

وإذا لم يجب ذلك، لم يحصل ما أراده من الغرابة

في غروبها من حيث تطلع، وأظُنُّ الوجهَ فيه أن يُتأوّل

تنكيره للشمس في الثاني على قولهم:

خرجنا في شمس حارّة، يريدون في يوم كانَ للشمس

فيه حرارة وفضلُ توقُّد، فيصير كأنه قال:

ما عهدنا يوماً غَرَبت فيه الشمس من حيث تطلع،

وهوت في جانب المشرق، وكثيراً ما يتفِق في كلام الناس

ما يُوهم ضرباً من التنكير في الشمس كقولهم:

"شَمْسٌ صيفية"، وكقوله:

واللَّه لا طَلَعت شمسٌ ولا غربت

ولا فرق بين هذا وبين قول المتنبي:

لم يُرَ قَرْنُ الشَّمْسِ في شرْقِه فشكَّت الأنفسُ في غَرْبـهِ



ويجيءُ التنكير في القمر والهلال على هذا الحدّ،

فمنه قول بشّار:

أمَلي لا تأتِ في قَمَرٍ بحديثٍ واتَّق الدُّرَعَا

وتَوَقَّ الطيبَ لَيْلتَنـا إنَّه واشٍ إذا سَطَعا



فهذا بمعنى لا تأت في وقت قد طلع فيه القمر،

وهذا قولُ عمر بن أبي ربيعة:

وَغَاب قُميْرٌ كنتُ أرجُو غُيُوبَهُ وَرَوَّحَ رُعْيَانٌ ونَوَّمَ سُـمَّـرُ


ظاهره يوهم أنه كقولك: جاءني رجل، وليس كذلك في الحقيقة،

لأن الاسم لا يكون نكرة حتى يعمَّ شيئين وأكثر،

وليس هنا شيئان يَعُمّهما اسم القمر.

وهكذا قول أبي العتاهية:


تُسرُّ إذا نظرتَ إلـى هـلالٍ ونَقْصُك إذْ نظرتَ إلى الهلالِ




ليس المنكَّر غير المعرَّف، على أنّ للهلال في هذا التنكير

فضلَ تمكُّنٍ ليس للقمر، ألا تراه قد جُمع في قوله تعالى:

"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ" "البقرة: 189"،


ولم يجمع القمر على هذا الحدّ.


ومن لطيف هذا التنكير قول البحتري:

وبَدْرَين أَنْضيْنَاهما بعد ثَالثٍ أكلْناه بالإيجاف حتى تَمَحَّقَّا


ومما أتى مستكرهاً نابياً يتظلم منه المعنى وينكره، قولُ أبي تمام:

قَرِيبُ النَّدَى نائِي المَحَلِّ كأنّه هِلالٌ قريبُ النُّورِ ناءٍ مَنازلُهْ



سببُ الاستكراه، وأنّ المعنى ينبو عنه أنه يُوهم بظاهره

أنّ هاهنا أهِلَّةً ليس لها هذا الحكم،

أعني أنه ينأَى مكانهُ ويدنو نورُه،

وذلك مُحالٌ فالذي يستقيم عليه الكلام أن يؤتى به معرَّفاً

على حدّه في بيت البحتري:

كالبدْرِ أفرط في العُلوِّ وضوءُه للعُصْبة السَّارين جِدُّ قـريب



فإن قلت أَقْطَعُ وأستأنفُ فأقولُ: كأن هلال وأسكتُ،

ثم أَبتدئُ وآخُذ في الحديث عن شأنِ الهلال بقولي قريب النور

ناءٍ منازله أمكنك، ولكنك تعلم ما يشكوه إليه المعنى

من نبوّ اللفظ به وسوء ملاءَمة العبارة،

واستقصاءُ هذا الموضع يَقْطع عن الغرض وحقُه

أنه يُفرَد له فصل.




وأعود إلى حديث المجاز وإخفائه،

ودعوى الحقيقة وحمل النفس على تخيُّلها،

فممّا يدخل في هذا الفنّ ويجب أنْ يُوازَن بينه وبين ما مضى،

قولُ سعيد بن حميد:

وَعدَ البَدْرُ بـالـزيارة لَـيْلاً فإذَا مَا وَفَى قَضَيْتُ نُـذُوري

قلتُ يا سيّدي ولِمْ تُؤثِر اللـي لَ على بَهْجة النهار المُنـيرِ

قال لي لا أحِبُّ تغيير رَسْمي هكذا الرَّسْمُ في طلوع البُدورِ


قالوا: وله في ضدّه:

قلتُ زُوري فأرسلت أَنا آتيك سُـحـرَهْ

قلتُ فالليل كـان أخْ فَى وأَدنَى مسَـرَّهْ

فأجابـت بـحُـجَّةٍ زَادت القلبَ حَسْرهْ

أَنا شمسٌ وإنـمـا تَطْلُع الشَّمسُ بُكْرَهْ


وينبغي أن تعلم أنَّ هذه القطعة ضدُّ الأولى،

من حيث اختار النهارَ وقتاً للزيارة في تلك،

والليل في هذه، فأمّا من حيث يختلف جوهر الشعر ويتَّفق،

وخصوصاً من حيث نَنْظر الآن، فمثلٌ وشبيهٌ،

وليس بضدٍّ ولا نقيض.



ثم اعلم أنّا إن وازنَّا بين

هاتين القطعتين وبين ما تقدَّم من بيت العباس:

هي الشمس مسكنها في السماء،

وما هو في صورته، وجدنا أمراً بَيْن أمرين بين

ادّعاء البدر والشمس أنْفُسهما،

وبين إثبات بدر ثانٍ وشمسٍ ثانية،

ورأينا الشعر قد شاب في ذلك الإنكارَ بالاعتراف،

وصادَفْتَ صورة المجاز تُعرِضُ عنك مرَّةً،

وتَعرِضُ لك أخرى، فقوله: البدرُ بالتعريف مع قوله

لا أحبّ تغيير رسمي، وتركه أن يقول رَسْمَ مِثْلي،

يُخيِّلُ إليك البدر نَفسَه، وقوله في طلوع البدور بالجمع

دون أن يفرد فيقول هكذا الرسم في طلوع البدور

يلتفت بك إلى بدر ثانٍ، ويُعطيك الاعترافَ بالمجاز على وجه،

وهكذا القول في القطعة الثانية لأنّ قوله:

أنا شمس بالتنكير اعترافٌ بشمس ثانية أو كالاعتراف.



ومما يدُلُّ دِلالةً واضحةً على دعوى الحقيقة،

ولا يستقيم إلا عليها قولُ المتنبي:

واستقبلَتْ قَمَرَ السماءِ بوَجهها فأَرَتْنِيَ القَمرين في وقتٍ معَا


أراد فأرتني الشمسَ والقمرَ، ثم غَلَّب اسمَ القمر كقول الفرزدق:

أخذنا بآفاقِ السَّماء عليكُـمُ لنَا قَمَراها والنُّجوم الطوالعُ


لولا أنه يُخيِّل الشمسَ نفسَها، لم يكن لتغليب اسم القمر

والتعريف بالألف واللام مَعْنًى، وكذلك لولا ضبطُه

نفسَه حتى لا يُجرِيَ المجازَ والتشبيه في وهْمه،

لكان قوله في وقت معَا، لغواً من القول،

فليس بعجيبٍ أن يتراءَى لك وَجْهُ غادةٍ حَسناءَ

في وقت طلوع القمر وتوسُّطه السماء،

هذا أظهر من أن يخفى. وأمَّا تشبيه أبي الفتح

لهذا البيت بقول القائل:

وإذا الغزالةُ في السماء ترفَّعتْ وبَدَا النهارُ لوَقْتِـه يتـرجَّـلُ

أبْدَتْ لوجه الشمسِ وجهاً مثلَهُ تلقى السماءَ بمثل ما تستقبـلُ


فتشبيهٌ على الجملة، ومن حيث أصل المعنى وصورته في المعقول،

فأما الصُّورة الخاصّة التي تحدُث له بالصنعة فلم يَعْرِض لها.



ومما له طبقة عالية في هذا القبيل وشكلٌ يدلُّ على

شدَّة الشكيمة وعلوّ المأخذ، قولُ الفرزدق:

أبي أحمدُ الغَيْثَين صَعْصعةُ الـذي متَى تُخْلِفِ الجوزَاءُ والدَّلوُ يُمطرِ

أجارَ بناتِ الوائدين ومـن يُجِـرْ على المَوْتِ يُعلَمْ أنه غير مُخْفَرِ



أفلا تراه كيف ادَّعى لأبيه اسم الغيث ادّعاءَ من سُلّم له ذلك،

ومن لا يَخْطُر ببالِه أنه مجازٌ فيه،

ومتناوِلٌ له من طريق التشبيه، وحتى كأنَّ الأمر

في هذه الشهرة بحيث يقال: أيّ الغيثين أجود?

فيقال صعصعة، أو يقال الغيثان، فيُعْلم أنّ أحدهمَا صعصعة،

وحتى بلغ تمكُّنُ ذلك في العُرف إلى أن يتوقّف السامع


عند إطلاق الاسم، فإذا قيل: أتاك الغيث، لم يعلم

أيُراد صعصعة أم المطر. وإن أردت أن تعرف

مقدارَ ما له من القُوَّة في هذا التخييل، وأن مصدرَه

مَصْدَرُ الشيء المُتَعارَف الذي لا حاجة به إلى مقدِّمة

يُبنَى عليها نحوَ أن تبدأ فتقول: أبي نظيرُ الغيث وثانٍ له


، وغيثٌ ثانٍ، ثم تقول:

وهو خير الغيثين لأنه لا يُخْلِف إذا أَخلفت الأَنواء،

فانظر إلى موقع الاسم، فإنك تراه واقعاً موقعاً

لا سبيل لك فيه إلى حلِّ عَقْد التثنية، وتفريق المذكورَين بالاسم،

وذلك أن أفعل لا تصحّ إضافته إلى اسمين معطوفٍ أحدُهما

على الآخر، فلا يقال جاءَني أفضل زيد وعمرو،


ولا إنَّ أعلمَ بكرٍ وخالدٍ عندي، بل ليس إلا أن تُضيف

إلى اسم مثنًّى أو مجموع في نفسه، نحو أفضل الرَّجلين،

وأفضل الرجال، وذلك أنّ أفعل التفضيل بعضُ ما يضاف إليه أبداً،

فحقّه أن يُضاف إلى اسمٍ يحويه وغيرَه،

وإذا كان الأمر كذلك، علمتَ أنهَ اللَّفظ بالتشبيه،

والخروجِ عن صريح جَعْلِ اللَّفظ للحقيقة متعذرٌ عليك،

إذ لا يمكنك أن تقول: أبي أحمَدُ الغيثِ والثاني له والشبيه به،

ولا شيئاً من هذا النحو، لأنك تقع بذلك في إضافة أفعل

إلى اسمين معطوفٍ أحدهما على الآخر.



وإذ قد عرفتَ هذا فانظر إلى قول الآخر:

قد أقْحَطَ الناسُ في زمانِهمُ حتى إذا جئتَ جئتَ بالدِّرَرِ

غَيْثَانِ في ساعةٍ لنا اتّفقـا فمرحباً بالأمير والمَطَـرِ

فإنك تَرَاهُ لا يبلغ هذه المنزلة، وذلك أنه كلامُ مَن يُثبته

الآنَ غيثاً ولا يدَّعي فيه عُرْفاً جارياً، وأمراً مشهوراً مُتعارفاً،

يعلم كل واحدٍ منه ما يعلمه، وليس بمتعذِّر أن تقول غيثٌ

وثانٍ للغيث اتفقا، أو تقول الأميرُ ثاني الغيث والغيثُ اتّفقَا.




فقد حصل من هذا الباب أن الاسم المستعارَ كلما كان قَدمُه

أثبتَ في مكانه، وكان موضعه من الكلام أضَنَّ به،

وأَشَدَّ محاماةً عليه، وأمنع لك من أن تتركه وترجعَ إلى

الظاهر وتصرِّح بالتشبيه، فأمرُ التخييل فيه أقوى،

ودعوى المتكلم له أظهر وأتَمُّ. واعلم أن نحوَ قول البحتري:

غَيْثانِ إنْ جَدْبٌ تتابعَ أَقبلا وهما رَبيعُ مُؤَمِّلٍ وخَرِيفُهْ



لا يكون مما نحن بصدده في شيء، لأنّ كلَّ واحدٍ من الغيثين

في هذا البيت مجازٌ، لأنه أراد أن يشبِّه كل واحد من

الممدوحَين بالغيث، والذي نحن بصَدَده، هو أن يُضَمَّ

المجاز إلى الحقيقة في عَقْد التثنية، ولكن إن ضممتَ إليه قوله:

فلم أَرَ ضِرغامَين أَصْدقَ منكما عِراكاً إذا الهَيَّابةُ النِكْسُ كَذَّبـا


كان لك ذلك، لأن أحدَ الضرغامين حقيقةٌ والآخرُ مجازٌ.



فإن قلت فهاهنا شيءُ يردُّك إلى ما أَبَيْتهُ من بقاءِ حُكم التشبيه

في جعله أباه الغيث، وذلك أن تقدير الحقيقة في المجاز

إنما يُتصوَّر في نحو بيت البحتري: "فلم أرَ ضِرْغَامَين"

من حيث عَمَد إلى واحدٍ من الأسودِ،

ثم جعل الممدوحَ أسداً على الحقيقة قد قَارَنَهُ وضامَّهُ،

ولا سبيل للفرزدق إلى ذلك، لأن الذي يَقْرِنه إلى أبيه

هو الغيث على الإطلاق، وإذا كان الغيثَ على الإطلاق

، لم يبق شيءٌ يستحقّ هذا الاسم إلا ويدخل تحته،

وإذا كان كذلك، حصل منه أن لا يكون أبو الفرزدق

غيثاً على الحقيقة، فالجواب أن مذهب ذلك ليس

على ما تتوهّمه، ولكن على أصلٍ هو التشبيه،

وهو أن يقصدَ إلى المعنى الذي من أجله يشبِّه الفرع

بالأصل كالشجاعة في الأسد، والمضاء في السيف،

وينحِّي سائرَ الأوصاف جانباً، وذلك المعنى في الغَيْث

هو النّفْع العامّ، وإذا قُدّر هذا التقدير، صار جنس الغيث

كأنه عينٌ واحدة وشيءٌ واحد، وإذا عاد بك الأمر

إلى أن تتصوَّرَهُ تَصوُّرَ العين الواحدة دون الجنس،

كان ضَمُّ أبي الفرزدق إليه بمنزلة ضمِّك إلى الشمس

رجلاً أو امرأةً تريد أن تبالغ في وصفهما بأوصاف الشمس،

وتنزيلهما منزلتها، كما تجده في نحو قوله:

فَلَيْتَ طالعةَ الشَّمسين غَـائِبةٌ وَلَيْتَ غَائبةَ الشَّمسينِ لم تغِبِ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 8:16 pm

فصل في الفرق بين التشبيه والاستعارة



اعلم أن الاسم إذا قُصد إجراؤُه على غير ما هو له لمشابهة بينهما،

كان ذلك على ما مضى من الوجهين:

أحدهما أن تُسقط ذكر المشبَّه من البَيْنِ،

حتى لا يُعلَم من ظاهر الحال أنك أردته،

وذلك أن تقول "عنَّت لنا ظبية"، وأنت تريد امرأة،

ووردنا براً، وأنت تريد الممدوح، فأنت في هذا النحو

من الكلام إنّما تعرف أن المتكلم لم يُرد ما الاسمُ موضوعٌ

له في أصل اللغة، بدليل الحال،

أو إفصاح المقال بعد السؤال،

أو بفحوَى الكلام وما يتلوه من الأوصاف،

مثال ذلك أنك إذا سمعت قوله:

تَرَنَّحَ الشَّرْبُ واغتَالتْ حُلومَهُمُ شَمسٌ تَرَجَّلُ فِيهم ثم ترتحلُ


استدللتَ بذكر الشَّرْب، واغتيال الحلوم، والارتحال، أنه أراد قَيْنةً،

ولو قال: ترجلت شمس، ولم يذكر شيئاً غيره من أحوال الآدميين،

لم يُعقَل قطُّ أنه أراد امرأة إلا بإخبارٍ مُسْتَأْنَفٍ،

أو شاهدٍ آخَر من الشواهد، ولذلك تجد الشيءَ يلتبس

منه حَتَّى على أهل المعرفة، كما روى أن عديَّ بن حاتم

اشتَبَه عليه المُراد بلفظ الخَيْط في قوله تعالى:

"حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ"

"البقرة: 187"، وحمله على ظاهره،

فقد رُوى أنه قال لما نزلت هذه الآية أخذت عِقالاً أسودَ وعِقالاً أبيض،

فوضعتهما تحت وسادتي، فنظرت فلم أتبيّن،

فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:

"إن وِسَادك لطويل عَرِيضٌ، إنما هو الليل والنهار"،

والوجه الثاني: أن تذكر كلَّ واحدٍ من المشبَّه

والمشبَّه به فتقول زيدٌ أسد وهندٌ بدر،

وهذا الرجل الذي تراه سيفٌ صارمٌ على أعدائك،

وقد كنتُ ذكرتُ فيما تقدّم، أن في إطلاق الاستعارة على هذا الضَّرب

الثاني بعضُ الشبهة، ووعدتُك كلاماً يجيء في ذلك،

وهذا موضعُه. اعلم أنّ الوجهَ الذي يقتضيه القياس،

وعليه يدلّ كلام القاضي في الوساطة،

أن لا تُطْلَق الاستعارة على نحو قولنا زيد أسَدٌ وهند بدرٌ،

ولكن تقول: هو تشبيه، وإذا قال هو أسدٌ، لم تقُلْ استعار

له اسم الأسد، ولكن تقول شَبَّهه بالأسد،

وتقول في الأول إنه استعارة لا تتوقف فيه ولا تتحاشى البتّةَ،

وإن قلت في القسم الأول: إنه تشبيه كنتَ مصيباً،

من حيث تُخبر عمّا في نفس المتكلم وعن أصل الغرض،

وإن أردت تمام البيان قلت أراد أن يشبّه المرأةَ بالظبية

فاستعار لها اسمها مبالغةً. فإن قلت فكذلك فقل في

قولك زيد أسد، إنه أراد تشبيهه بالأسد، فأجرَى اسمه عليه،

ألا ترى أنك ذكرته بلفظ التَّنكير فقلت زيد أسد،

كما تقول زيد واحد من الأسود، فما الفرْقُ بين الحالين،

وقد جرى الاسم في كل واحد منهما على المشبَّه.

فالجواب أن الفرق بيّنٌ وهو أنك عزلت في القسم الأول

الاسمَ الأصليَّ عنه واطّرحته، وجعلته كأن ليس هو باسم له،

وجعلت الثانيَ هو الواقعَ عليه والمتناوِلَ له،

فصار قصدُك التشبيهَ أمراً مطويّاً في نفسك مكنوناً في ضميرك،

وصار في ظاهر الحال وصورة الكلام ونِصْبَته، ك

أنه الشيء الذي وُضع له الاسم في اللغة وتُصُوّر - إن تَعَلَّقَهُ الوهمُ - كذلك،

وليس كذلك القسم الثاني، لأنك قد صرّحت فيه بذكر المشبَّه،

وذكرُك له صريحاً يأبَى أن تَتوَّهم كونَهُ من جنس المشبَّه به،

وإذا سمع السامع قولك زيد أسد وهذا الرجل سيف صارمٌ على الأعداء،

استحال أن يظنّ وقد صرَّحت له بذكر زيدٍ أنك قصدت أسداً وسيفاً،

وأكثر ما يمكن أن يُدَّعى تخيُّلُه في هذا أن يقع في نفسه

من قولك زيد أسد، حالُ الأسد في جراءته وإقدامه وبَطْشه،

فأمَّا أنْ يقع في وهمه أنه رجل وأَسَدٌ معاً بالصورة والشخص فمحالٌ.


ولمَّا كان كذلك، كان قصدُ التشبيه من هذا النحو بيِّناً لائحاً،

وكائناً من مقتضى الكلام، وواجباً من حيث موضوعه،

حتى إن لم يُحمَلْ عليه كان مُحالاً، فالشيء الواحدُ لا يكون رجلاً وأَسداً،

وإما يكون رجلاً وبصفَة الأسد فيما يرجع إلى غرائز النفوس والأخلاق،

أو خصوصٍ في الهيئة كالكراهة في الوجه، وليس كذلك الأول،

لأنه يحتمل الحمل على الظَّاهر على الصحة،

فلست بممنوع من أن تقول عَنَّت لنا ظبيةٌ، وأنت تريد الحيوان وطلعت شمس،

وأنت تريد الشَّمسَ، كقولك: طلعتِ اليوم شمسٌ حارّة وكذلك تقول:

هززتُ على الأعداء سيفاً وأنت تريد السيف، كا تقوله

وأنت تريد رجلاً باسلاً استعنت به، أو رأياً ماضياً وُفّقت فيهِ،

وأصبت به من العدوِّ فأرهبته وأَثَّرتَ فيه، وإذا كان الأمر كذلك،

وجب أن يُفصَل بين القسمين، فيسمَّى الأوّل: استعارةً على الإطلاق،

ويقال في الثاني إنه تشبيه، فأما تسميةُ الأول تشبيهاً فغير ممنوع ولا غريب،

إلاّ أنه على أنك تُخبر عن الغرض وتُنبئ عن مضمون الحال،

فأمّا أن يكون موضوعُ الكلام وظاهره موجباً له صريحاً فَلا.



فإن قلت فكذلك قولك هو أسد، ليس في ظاهره تشبيه،

لأن التشبيه يحصُل بذكر الكاف أو مِثْل أو نحوهما.


فالجواب أن الأمر وإن كان كذلك، فإنّ موضوعَه من حيث الصُّورة

يوجب قصدك التشبيه، لاستحالة أن يكون له معنًى وهو على ظاهره،

وله مثالٌ من طريق العَادة، وهو أنّ مَثَلَ الاسم مَثَلُ الهيئة

التي يُستدَلّ بها على الأجناس، كزِيِّ الملوك وزيّ السُّوقة،

فكما أنك لو خلعْتَ من الرجل أثواب السوقة،

ونَفَيْتَ عنه كل شيء يختصُّ بالسوقة، وألبستَهُ زِيَّ الملوك،

فأبديته للناس في صورة الملوك حتى يتوهّموه مَلِكاً،

وحتى لا يَصِلوا إلى معرفة حاله إلا بإخبار أو اختبار

واستدلال من غير الظاهر، كنتَ قد أعرتَهُ هيئةَ المَلِك وزِيَّه على الحقيقة،

ولو أنك ألقيت عليه بعض ما يلبسه المَلِك من غير أن تُعَرِّيَهُ

من المعاني التي تدل على كونه سُوقَةً، لم تكن قد أعرتَهُ

بالحقيقة هيئةَ الملك، لأن المقصود من هيئة الملك أن

يحصُل بها المَهابةُ في النفس، وأن يُتَوَّهم العظمة،

ولا يحصل ذلك مع وجود الأوصاف الدالّة على أن الرجل سُوقة.



افرِضْ هذه الموازنة في الشيء الواحد، كالثوب الواحد يُعارُه

الرجلُ فيلبَسُه على ثوبه أو منفرداً،

وإنما اعتبرِ الهيئةَ وهي تحصلُ بمجموع أشياء،

وذلك أن الهيئة هي التي يُشبه حالها حالَ الاسم،

لأن الهيئة تخصُّ جنساً دون جنس، كما أن الاسم كذلك،

والثوب على الإطلاق لا يفعل ذلك إلا بخصائص تَقْترن به وتُرعَى معه،

فإذا كان السامع قولَك: زيد أسدٌ لا يتوهَّم أنك قصدت أسداً على الحقيقة،

لم يكن الاسم قد لحقه، ولم تكن قد أعرته إياه إعارةً صحيحةً،

كما أنك لم تُعِر الرجل هيئةَ الملِك حين لم تُزِلْ عنه ما يُعلَم به أنه ليس بملك،ّ

مَثَلَ الاسم مَثَلُ الهيئة التي يُستدَلّ بها على الأجناس،

كزِيِّ الملوك وزيّ السُّوقة، فكما أنك لو خلعْتَ من الرجل أثواب

السوقة، ونَفَيْتَ عنه كل شيء يختصُّ بالسوقة،

وألبستَهُ زِيَّ الملوك، فأبديته للناس في صورة الملوك حتى يتوهّموه مَلِكاً،

وحتى لا يَصِلوا إلى معرفة حاله إلا بإخبار أو اختبار

واستدلال من غير الظاهر، كنتَ قد أعرتَهُ هيئةَ المَلِك وزِيَّه

على الحقيقة، ولو أنك ألقيت عليه بعض ما يلبسه المَلِك

من غير أن تُعَرِّيَهُ من المعاني التي تدل على كونه سُوقَةً،

لم تكن قد أعرتَهُ بالحقيقة هيئةَ الملك، لأن المقصود من هيئة

الملك أن يحصُل بها المَهابةُ في النفس، وأن يُتَوَّهم العظمة،

ولا يحصل ذلك مع وجود الأوصاف الدالّة على أن الرجل سُوقة.

افرِضْ هذه الموازنة في الشيء الواحد، كالثوب الواحد يُعارُه

الرجلُ فيلبَسُه على ثوبه أو منفرداً، وإنما اعتبرِ الهيئةَ وهي تحصلُ

بمجموع أشياء، وذلك أن الهيئة هي التي يُشبه حالها حالَ الاسم،

لأن الهيئة تخصُّ جنساً دون جنس، كما أن الاسم كذلك،

والثوب على الإطلاق لا يفعل ذلك إلا بخصائص تَقْترن به وتُرعَى معه،

فإذا كان السامع قولَك: زيد أسدٌ لا يتوهَّم أنك قصدت أسداً على الحقيقة،

لم يكن الاسم قد لحقه، ولم تكن قد أعرته إياه إعارةً صحيحةً،

كما أنك لم تُعِر الرجل هيئةَ الملِك حين لم تُزِلْ عنه ما يُعلَم به أنه ليس بملك،

هذا وإذا تأمّلنا حقيقةَ الاستعارة في اللغة والعادة،

كان في ذلك أيضاً بيانٌ لصحة هذه الطريقة، ووجوبِ الفرقِ بين القسمين،

وذاك أن من شرط المستعار أن يَحْصُل للمستعير منافعهُ على

الحدّ الذي يحصل للمالِك، فإن كان ثوباً لَبِسَه كما لبسه،

وإن كان أداةً استعملها في الشيء تصلح له،

حتى إنّ الرائي إذا رآه معه لم تنفصل حاله عنده من حال ما هو مِلْكُ

يدٍ ليس بعاريَّةٍ، وإما يفْضُلُهُ المالك في أنّ له أن يُتلف الشيء جملةً،

أو يُدخِل التلف على بعض أجزائه قصدًا، وليس للمستعير ذلك،

ومعلومٌ أنّ ما هو كالمنفعة من الاسم أن يوجب ذكرُه القصدَ

إلى الشيء في نفسه، فإذا قلت زيد، عُلم أنك أردت أن تُخبر

عن الشخص المعلوم، وإذا قلت لقِيت أسداً، عُلم أنك

علّقت اللقاءَ بواحد من هذا الجنس، وإذا كان الأمر كذلك،

ثم وجدنا الاسم في قولك عنّت ظبية، يُعقَل من إطلاقه أنك

قصدت الجنس المعلوم ولا يُعلَم أنك قصدت امرأةً،

فقد وقع من المرأة في هذا الكلام موقعَه من ذلك الحيوان على الصحة،

فكان ذلك بمنزلةِ أن المستعير ينتفع بالمستعار انتفاعَ مالكه،

فيلبَسُه لُبْسَهُ، ويتجمَّل به تجمُّلَه، ويكون مكانه عنده

مكانَ الشيءِ المملوك، حتى يعتقد من يَنْظُر إلى الظاهر أنه له،

ولما وجدنا الاسم في قولك زيد أسد، لا يقع من زيد ذلك الموقع،

من حيث إنّ ذكرَه باسمه يمنع من أن يصير الاسم مطلقاً عليه،

ومتناوِلاً له على حدّ تناوُله ما وُضع له، كان وِزانُ ذلك

وِزانَ أن تضعَ عند الرجل ثوباً وتمنعَه أن يلبسه، أو بمنزلة

أن تطرَحَ عليه طَرَفَ ثوبٍ كان عليك، فلا يكون ذلك عاريَّةً صحيحة،

لأنك لم تُدخلْه في جملته، ولم تُعْطِه صورةَ ما يَخْتَص به ويصير إليه،

ويخفَى كونُه لك دونه فاعرفه. وها هنا فصل آخر من طريق

موضوع الكلام، يُبَيِّن وجوب الفرق بين القسمين:

وهو أن الحالة التي يُخْتَلف في الاسم إذا وقع فيها،

أيُسمَّى استعارة أم لا يسمَّى؛ هي الحالة التي يكون الاسم

فيها خبرَ مبتدأ أو منزَّلاً منزلتَه، أعني أن يكون خبرَ كان،

أو مفعولاً ثانياً لبابِ علمت، لأن هذه الأبواب كلها أصلها مبتدأ وخبر

أو يكون حالاً، لأن الحال عندهم زيادةٌ في الخبر،

فحكمها حكم الخبر فيما قصدته هاهنا خصوصاً،

والاسم إذا وقع في هذه المواضع، فأنت واضعٌ كلامك لإثبات معناه،

وإن أدخلت النَّفي على كلامك تَعلَّق النفي بمعناه، تفسير هذه الجملة

أنك إذا قلت زيد منطلق، فقد وضعت كلامَك لإثبات الانطلاق لزيد،

ولو نفيت فقلت ما زيد منطلقاً، كنت نفيت الانطلاق عن زيد، وكذلك:

أكان زيد منطلقاً، وعلمتُ زيداً منطلقاً، ورأيت زيداً منطلقاً،

أنت في ذلك كلِّه واضعٌ كلامك ومُزْجٍ له لتُثبت الانطلاق لزيد،

ولو خُولفت فيه انصرف الخلافُ إلى ثبوته له،

وإذا كان الأمر كذلك، فأنت إذا قلت زيد أسدٌ ورأيتُه أسداً،

فقد جعلت اسم المشبَّه به خبراً عن المشبَّه،

والاسم إذا كان خبراً عن الشيء كان خبراً عنه،

إمّا لإثبات وَصْفٍ هو مشتقٌّ منه لذلك الشيء،

كالانطلاق في قولك زيد منطلقْ، أو إثباتِ جنسيةٍ هو موضوعٌ لها كقولك:

هذا رجل، فإذا امتنع في قولنا زيد أسدٌ أن تُثبت شَبَه الجنس،

فقد اجتلبْنَا الاسم لنُحْدِثَ به التشبيه الآن، ونقرِّرَه في حيّز الحصول والثبوت،

وإذا كان كذلك، كان خليقاً بأن تسمّيه تشبيها،

إذ كان إنما جاءَ ليُفيدَه ويُوجبَه،

وأمّا الحالة الأخرى التي قلنا إن الاسم فيها يكون استعارةً

من غير خلافٍ، فهي حالةٌ إذا وقع الاسم فيها لم يكن الاسم

مجتلَباً لإثبات معناه للشيء، ولا الكلامُ موضوعاً لذلك،

لأن هذا حكمٌ لا يكون إلا إذا كان الاسم في منزلة الخبر من المبتدأ،

فأمّا إذا لم يكن كذلك، وكان مبتدأ بنفسه،

أو فاعلاً أو مفعولاً أو مضافاً إليه، فأنت واضعٌ كلامك

لإثبات أمر آخرَ غيرِ ما هو معنى الاسم. بيان ذلك أنك إذا

قلت جاءني أسدٌ ورأيت أسداً ومررت بأسدٍ، فقد وضعت

الكلام لإثبات المجيء واقعاً من الأسد، والرؤية والمرور

واقعَين منك عليه، وكذلك إن قلت الأسدُ مُقبِل،

فالكلام موضوعٌ لإثبات الإقبال للأسد، لا لإثبات معنى الأسد،

وإذا كان الأمر كذلك، ثم قلت عنّتْ لنا ظبيةٌ،

وهززت سيفاً صارماً على الأعداء وأنت تعني بالظبية امرأةً،

وبالسيف رجلاً لم يكن ذكرُك للاسمين في كلامك هذا

لإثبات الشُّبه المقصودِ الآن، وكيف يُتصوَّر أن تقصد إلى

إثبات الشبه منهما بشيءٍ، وأنت لم تذكر قبلهما شيئاً ينصرف

إثبات الشبه إليه، وإنما تُثبت الشُّبه من طريق الرجوع إلى الحال،

والبحثِ عن خَبِئٍ في نفس المتكلم.



وإذا كان كذلك بانَ أن الاسم في قولك زيد أسدٌ،

مقصودٌ به إيقاع التشبيه في الحال وإيجابه، وأما في قولك:

عنّت لنا ظبيةٌ وسللتُ سيفاً على العدوّ، فوُضعَ الاسم

هكذا انتهازاً واقتضاباً على المقصود، وادّعاء أنه

من الجنس الذي وُضع له الاسم في أصل اللغة،

وإذا افترقا هذا الافتراقَ، وجب أن نفرق بينهما في

الاصطلاح والعبارة، كما أنّا نفصِل بين الخبر والصفة

في العبارة، لاختلاف الحكم فيهما، بأنّ الخبر إثباتٌ في الوقت للمعنى،

والصفة تبيينٌ وتوضيحٌ وتخصيصٌ بأمرٍ قد ثبت واستقرَّ

وعُرِفَ، فكما لم نرضَ لاتفاق الغَرَض في الخبر الصِّفة

على الجملة واشتراكهما إذا قلت زيد ظريفٌ وجاءَني زيد الظَّريف،

في التباس زيد في الظرف واكتسائه له،

أَنْ تجعلهما في الوضع الاصطلاحيّ شيئاً واحداً، ولا نفرِّق بتسميتنا

هذا خبراً وذلك صفةً كذلك ينبغي أن لا يدعونا - اتفاق قولنا:

جاءني أسد وهززت سيفاً صارماً وقولنا زيد أسد وسيف صارم،

في مطلق التشبيه - إلى التسوية بينهما، وتَرْكِ الفَرْق من طريق العبارة،


بل وجب أن نفرِّق، فنسمِّي ذاك استعارةً وهذا تشبيهاً،

فإن أبيتَ إلا أن تُطلق الاستعارة على هذا القسم الثاني،

فينبغي أن تعلم أن إطلاقها لا يجوز في كل موضعٍ يحسن

دخول حرف التشبيه فيه بسهولة، وذلك نحو قولك:

هو الأسد وهو شمسُ النهار وهو البدر حسناً وبهجةً،

والقضيبُ عطفاً، وهكذا كل موضع ذكر فيه المشبَّه به بلفظ التعريف،

فإن قلت: هو بحر وهو ليثٌ ووجدته بحراً، وأردت أن تقول إنه استعارة،


كنت أعذَرَ وأشبه بأن تكون على جانب من القياس،

ومتشبّثاً بطَرفٍ من الصواب، وذلك أن الاسم قد خرج بالتنكير

عن أن يحسن إدخال حرف التشبيه عليه، فلو قلت هو كأسد وهو كبحر،

كان كلاماً نازلاً غير مقبول، كما يكون قولك هو كالأسد،

إلا أنَّه وإن كان لا يحسن فيه الكاف فإنه يحسن فيه كأنّ

كقولك كأنه أسد، أو ما يجري مجرى كأنّ في نحو تحسِبُه

أسداً وتَخَالُه سيفاً، فإن غَمَض مكانُ الكاف وكأن،



بأن يوصف الاسم الذي فيه التشبيهُ بصفةٍ لا تكون في

ذلك الجنس، وأمرٍ خاصٍّ غريبٍ فقيل هو بحر من البلاغة،

وهو بدر يسكن الأرض، وهو شمس لا تغيب،

وكقوله:

شَمْسٌ تألَّقُ والفِرَاقُ غُروبُها عَنَّا وبَدْرٌ والصُّدُودُ كُسوفُهُ


فهو أقرب إلى أن نسمّيه استعارةً، لأنه قد غمضَ تقدير حرف التشبيه فيه،

إذ لا تصلُ إلى الكاف حتى تُبطل بِنْيةَ الكلام وتُبدِّل صورته فتقول:

هو كالشمس المتألِّقة، إلا أن فراقَها هو الغروب،

وكالبدرِ إلا أن صدودَه الكسوف. وقد يكون في الصفات

التي تجيء في هذا النحو، والصِّلات التي تُوصَل بها،

ما يختلّ به تقدير التشبيه، فيقرب حينئذ من القبيل الذي

تُطلَق عليه الاستعارة من بعض الوجوه، وذلك مِثل قوله:

أَسدٌ دمُ الأَسَدِ الهِزَبْرِ خِضابُـهُ مَوْتٌ فَرِيصُ الموتِ منه ترْعَدُ


لا سبيل لك إلى أن تقول: هو كالأسد وهو كالموت،

لما يكون في ذلك من التناقض، لأنك إذا قلت هو كالأسد

فقد شبّهته بجنس السبعُ المعروف، ومُحالٌ أن تجعله


محمولاً في الشَّبه على هذا الجنس أوَّلاً، ثم تجعل دَمَ الهزَبْرِ

الذي هو أقوى الجنس، خضابَ يده، لأنّ حملك له عليه

في الشَّبه دليل على أنه دونه، وقولك بَعْدُ دمُ الهزبر من الأسود خضابه،

دليل على أنه فوقها، وكذلك محالٌ أن تشبَّهه بالموت المعروف،

ثم تجعله يخافه، وترتعد منه أكتافه، وكذا قوله:

سَحَابٌ عَدَاني سَيْلُه وهو مُسبـلٌ وبَحْرٌ عَدَاني فيْضُه وَهْو مُفْعَـمُ

وبَدرٌ أضاءَ الأَرضَ شرقاً ومغرِباً ومَوْضِعُ رَحْلِي منه أسْوَدُ مُظلمُ


إن رجعت فيه إلى التشبيه الساذَج فقلت هو كالبدر،

ثم جئت تقول أضاء الأَرض شرقاً ومغرباً ومَوْضِع رحلي

مظلمٌ لم يضيء به، كنتَ كأنك تجعل البدر المعروف يُلبس

الأرضَ الضياءَ ويمنعه رحلَك، وذلك مُحَالٌ، وإنما أردت

أن تُثبت من الممدوح بدراً مفرداً له هذه الخاصية العجيبة

التي لم تُعرَف للبدر، وهذا إنما يَتَأتَّى بكلام بعيدٍ من هذا النظم،

وهو أن يقال: هل سمعت بأن البَدْر يطلع في أُفُقٍ،

ثم يمنع ضوءه موضعاً من المواضع التي هي مُعرَّضة

له وكائنة في مقابلته، حتى ترى الأرض الفضاء قد

أضاءَت بنوره البيت، فهذا النحو موضوع على تخييلِ أنه

زاد في جنس البدر واحدٌ له حُكمٌ وخاصّةٌ لم تُعرَف.


وإذا كان الأمر كذلك صار كلامُك موضوعاً لا لإثبات الشبه

بينه وبين البدر، ولكن لإثبات الصِّفة في واحد متجدّدٍ حادثٍ

من جنس البدر، لم تُعرَف تلك الصفة للبدر، فيصير بمنزلة

قولك زيد رجل يقري الضيوفَ ويفعل كيت وكيت، فلا يكون

قصدك إثباتَ زيدٍ رجلاً، ولكن إثباتُ الصفة التي ذكرتَها له،

فإذا خرج الاسم الذي يتعلق به التشبيه من أن يكون مقصوداً

بالإثبات، تبيَّن أنه خارج عن الأصل الذي تقدّم، من كون الاسم

لإثبات الشبه، فالبحتري في قوله: "وَبَدْرٌ أضاءَ الأَرْضَ" قد بَنَى

كلامه على أن كونَ الممدوح بدراً، أمرٌ قد استقرَّ وثَبت، وإنما يعمل

في إثبات الصفة الغريبة، والحالةِ التي هي موضع التعجّب،

وكما يمتنع دخول الكاف في هذا النحو، كذلك يمتَنِعُ

دخولُ كأَن وتحسب وتخال، فلو قلت كأنه بدر أضاء

الأرض شرقاً ومغرباً وموضع رحلي منه مظلم كان خَلْفاً من القول.



وكذلك إن قلت: تحسبه بدراً أضاء الأرض ورحلي منه مظلم،

كان كالأوّل في الضعف، ووجه بُعده من القبول بيِّنٌ،

وهو أنّ كأن وحسبت وخلت وظننت تدخل إذا كان الخبر

والمفعول الثاني أمراً معقولاً ثابتاً في الجملة،

إلا أنه في كونه متعلقاً بما هو اسم كأن أو المفعول الأوّل م

ن حسبت مشكوك فيه، كقولنا كأن زيداً منطلق،

أو مجازٌ يُقصَد به خلاف ظاهره، نحوُ كأنّ زيداً أسدٌ،

فالأسد على الجملة ثابت معروف، والغريب هو كون زيدٍ إياه

ومن جنسه، والنكرة في نحو هذه الأبيات موصوفةٌ

بأوصاف تدلُّ على أنك تُخبر بظهور شيءٍ لا يُعرَف ولا يُتصوَّر،


وإذا كان كذلك، كان إدخال كأن وحسبت عليه كالقياس

على المجهول.



وتأّمّلْ هذه النكتة فإنه يَضْعُفُ ثانياً إطلاق الاستعارة

على هذا النحو أيضاً، لأن موضوع الاستعارة - كيف دارت القضيةُ -

على التشبه، وإذا بانَ بما ذكرتُ أن هذا الجنس إذا فَلَيتَهُ عن سِرّه،

ونقَّرتَ عن خبيئه، فمحصوله أنك تدّعي حدوثَ شيء هو من

الجنس المذكور، إلا أنه اختُصَّ بصفة غريبة وخاصية بديعة،

لم يكن يُتوهَّم جوازُها على ذلك الجنس، كأنك تقول:

ما كنّا نعلم أن هاهنا بدراً هذه صفته كان تقدير التشبيه

فيه نقضاً لهذا الغرض، لأنه لا معنى لقولك: أشبّهه ببدرٍ حَدَثٍ خلافِ

البدور ما كان يُعرَف. وهذا موضع لطيف جدّاً لا تنتصف منه

إلاّ باستعانة الطبع عليه، ولا يمكن توفيةُ الكشف فيه حقَّه بالعبارة،

لدقَّة مسلكه. ويتصل به أن في الاستعارة الصحيحة ما لا يحسن

دخول كَلِمِ التشبيه عليه، وذلك إذا قوي التشَّبَهُ بين الأصل والفرع،

حتى يتمكن الفرعُ في النفس بمداخلة ذلك الأصل والاتحاد به،

وكونِه إياه، وذلك في نحو النور إذا استعير للعلم والإيمان،

والظلمة للكفر والجهل، فهذا النحو لتمكُّنه وقوَّةِ شَبهه ومَتانة سببه،

قد صار كأنه حقيقة، ولا يحسن لذلك أن تقول في العلم كأنه نور،

وفي الجهل كأنه ظلمة، ولا تكاد تقول للرجل في هذا الجنس كأنَّك

قد أوقعتني في ظلمة بل تقول: أوقعتني في ظلمة، وكذلك الأكثرُ

على الألسُن والأسبقُ إلى القلوب أن تقول: فهمت المسألة

فانشرح صدري وحصل في قلبي نور، ولا تقول:

كأنّ نُوراً حصل في قلبي، ولكن إذا تجاوزتَ هذا النوع إلى نحو قولك:

سللتُ منه سيفاً على الأعداء، وجدتَ كأن حسنةً هناك كثيرةً، كقولك:

بعثته إلى العدوّ فكأني سللت سيفاً وكذلك في نحو: زيدٌ أسد


وكأن زيداً أسد، وهكذا يتدرج الحُكْمُ فيه، حتى كلَّما كان مكان

الشَبَه بين الشيئين أخفى وأغمضَ وأبعدَ من العُرْف،

كان الإتيان بكلمة التشبيه أبين وأحسنَ وأكثرَ في الاستعمال.




ومما يجب أن تجعله على ذكر منك أبداً، وفيه البيان الشافي

أنّ بين القسمين تبايُناً شديداً أعني بين قولك زيد أسد وقولك

رأيت أسداً وهو ما قدّمته لك من أنك قد تجدُ الشيءَ

يصلح في نحو زيد أسدٌ حيث تذكُرُ المشبَّه باسمه أَوّلاً،


ثم تُجري اسم المشبَّه به عليه، ولا يصلح في القسم

الآخر الذي لا تذر فيه المشبَّه أصلاً وتطْرحُه.


ومن الأمثلة البيّنة في ذلك قولُ أبي تمام:لقسمين تبايُناً

شديداً أعني بين قولك زيد أسد وقولك رأيت أسداً وهو

ما قدّمته لك من أنك قد تجدُ الشيءَ يصلح في نحو زيد أسدٌ

حيث تذكُرُ المشبَّه باسمه أَوّلاً، ثم تُجري اسم المشبَّه به عليه،

ولا يصلح في القسم الآخر الذي لا تذر فيه المشبَّه أصلاً وتطْرحُه.



ومن الأمثلة البيّنة في ذلك قولُ أبي تمام:

وكَانَ المَطْلُ في بَدْءٍ وعَوْدٍ دُخاناً للصَّنِيعةِ وهي نـارُ


قد شبَّه المطل بالدُّخان، والصنيعة بالنار، ولكنه صرّح بذكر المشبَّه

، وأوقع المشبَّه به خبراً عنه، وهو كلام مستقيم. ولو سلكت

بهِ طريقةَ ما يسقط فيه ذكر المشبَّه فقلت مثلاً:

أقْبَسْتَني ناراً لها دخان، كان ساقطاً، ولو قلت أقبستَني

نوراً أضاء أُفُقي به، تريد علماً، كان حَسَناً، حُسْنَه إذا قلت

عِلْمُك نور في أُفقي، والسبب في ذلك أنّ اطِّراحَ ذكر المشبَّه

والاقتصارَ على اسم المشبَّه به، وتنزيلَهُ منزلته،

وإعطاءَه الخلافة على المقصود، إنما يصحّ إذا تقرَّر الشَّبه

بين المقصود وبين ما تستعير اسمه له، وتستبينه في الدِّلالة،

وقد تَقرَّر في العُرف الشبه بين النور والعلم وظهرَ وَاشْتُهِر،

كما تقرر الشَّبه بين المرأة والظبية، وبينَها وبينَ الشمس

ولم يتقرر في العُرْف شَبَهٌ بين الصَّنيعة والنار، وإنما

هو شيءٌ يضعه الآن أبو تمام ويتمحّله، ويعمل في تصويره،

فلا بُدّ له من ذكر المشبَّه والمشبَّه به جميعاً حتى يُعقَلَ

عنه ما يريده، ويَبِينَ الغرض الذي يقصده، وإلاّ كان بمنزلة

من يريد في إعلام السامع أنّ عنده رجلاً هو مثل زيد في العلم



مثلاً، فيقول له: عندي زيد، ويَسُومه أن يَعْقِل من

كلامه أنه أراد أن يقول: عندي رجل مثل زيد، أو غيره من المعاني،

وذلك تكليفُ علم الغيب. فاعرف هذا الأصل وتبيَّنْه،

فإنك تزداد به بصيرةً في وجوب الفَرْق بين الضربين،

وذلك أنهما لو كانا يَجْرِيان مجرىً واحداً في حقيقة الاستعارة،

لوجب أن يَسْتَويَا في القضيّة، حتى إذا استقامَ وَضْعُ الاسم في

أحدهما استقام وَضْعه في الآخر فاعرفه. فإن قلت فما

تقول في نحو قولهم لقيتُ به أسداً ورأيت منه ليثاً.


فإنه مما لا وجه لتسميته استعارةً، ألا تراهم قالوا:

لئن لقيتُ فلاناً لَيلْقَيَنَّك منه الأسَدُ، فأتوا به معرفةً على

حدِّه إذا قالوا: احذرِ الأسد، وقد جاء على هذه الطريقة

ما لا يُتَصوَّر فيه التشبيه، فُظَنَّ أنّه استعارة، وهو قوله عز وجل:

"لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ" "فصلت: 28"، والمعنى - واللَّه أعلم -

أنّ النَّار هي دار الخلد، وأنت تعلم أن لا معنى هاهنا لأن

يقال إن النار شُبّهت بدارِ الخلد، إذ ليس المعنى على تشبيه

النَّار بشيء يسمَّى دار الخلد، كما تقول في زيد إنه مثل الأسد،

ثم تقول: هو الأسد، وإنما هو كقولك: النار منزلهم ومسكنهم،

نعوذ باللَّه منها. وكذا قوله:

يَأبَى الظُلاَمَةَ مِنْهُ النَّوْفَلُ الزُّفَرُ


المعنى على أنه النَّوفل الزُّفَر، وليس الزفر باسمٍ لجنسٍ غير

جنس الممدوح كالأسد، فيقالَ إنه شبّه الممدوح به،

وإنما هو صفة كقولك هو الشجاع وهو السيّد وهو

النهَّاض بأعباء السيادة، وكذلك قولُه:

يَا خَيْرَ مَن يَرْكَبُ المطيَّ وَلاَ يَشْرَبُ كأسَاً بكَفِّ مَن بَخِلا


لا يتصور فيه التشبيه، وإنما المعنى أنه ليس ببخيل، هذا

وإنما يُتصوَّر الحكمُ على الاسم بالاستعارة، إذا جرى بوجهٍ

على ما يُدَّعَى أنه مستعارٌ له، والاسمُ في قولك لقيتُ به أسداً

أو لقيني منه أسداً، لا يُتصوَّر جَرْيه على المذكور بوجه،

لأنه ليس بخبرٍ عنه، ولا صفةٍ له، ولا حالٍ، وإنما هو بنفسه

مفعولُ لقيتُ وفاعل لقيني، ولو جاز أن يجري الاسم،

هاهنا مجرى المستعارِ المتناوِل المستعارَ له،

لوجب أن نقول في قوله:

حتَّى إذا جَنَّ الظَّلامُ وَاخـتـلـطْ جَاءُوا بمَذْقٍ هل رَأَيتَ الذئبَ قَطّْ

إنه استعار اسم الذئب للمَذْق، وذلك بَيِّنُ الفساد. وكذا نحو قوله:

نُبِّئْتُ أنّ أبا قَابُوسَ أَوْعَـدَنـي ولا قَرَارَ على زَأْرٍ من الأَسَدِ


لا يكون استعارة، وإن كنت تجد من يفهم البيت قد يقول:

أراد بالأسد النُّعمان، أو شبَّهه بالأسد، لأن ذلك بيانٌ للغَرَض،

فأمَّا القضيةُ الصحيحةُ وما يَقَع في نفس العارف،

ويوجِبُه نقد الصَّيْرَف، فإنّ الأسد واقع على حقيقته حتى كأنه قال:

ولا قَرَار على زَأْر هذا الأسد، وأشار إلى الأسد خارجاً

من عَرِينه مُهدِّداً مُوعداً بزئيره، وأيُّ وجْهٍ للشكِّ في ذلك،

وهو يؤدّي إلى أن يكون الكلام على حدّ قولك:

ولا قَرَار على زَأْرِ مَن هُو كالأسد? وفيه من العِيِّ والفَجَاجة

شيءٌ غير قليل. هذا ومن حقّ غالطٍ غَلِطَ في نحو ما ذكرتُ

- على قلَّة عُذْرِه - أن لا يغلط في قول الفرزدق:

قِيَاماً يَنْظُرون إلى سَعيدٍ كأنَّهُمُ يَرَون به هلالاَ

ولا يُتَوَهَّم أن هلالاً استعارة لسعيد، لأن الحكم على الاسم

بالاستعارة مع وجود التشبيه الصريح، محالٌ جارٍ مجرى

أن يكون كُلّ اسم دخل عليه كافُ التشبيه مستعاراً،

وإذا لم يغلط في هذا فالباقي بمنزلته فاعرفه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 8:19 pm

فصل في الاتّفاق في الأَخْذ والسَّرقة والاستمداد والاستعانَة




اعلم أنّ الشاعرين إذَا اتفقَا، لم يخلُ ذلك من أن يكون

في الغَرَض على الجملة والعموم، أو في وجه الدلالة

على ذلك الغَرض، والاشتراك في الغَرَض على العموم

أن يقصد كلُّ واحد منهما وصفَ ممدوحه بالشجاعة والسخاء،

أو حُسن الوجه والبهاء، أو وصفَ فرسه بالسرعة،

أو ما جرى هذا المجرى.


وأمّا وجه الدِّلاَلة على الغرض،

فهو أن يَذْكر ما يُستدلّ به على إثباته له الشجاعةَ والسخاء مثلاً،

وذلك ينقسم أقساماً:

1- منها التشبيهُ بما يوجَد هذا الوصف فيه على

الوجهِ البليغ والغاية البعيدةِ، كالتشبيه بالأسد،

وبالبحر في البأس والجود،

والبَدْر والشَّمسِ في الحسن والبهاء والإنارة والإشراق،

2- ومنها ذكر هَيْئاتٍ تدلّ على الصِّفة من حيث

كانت لا تكون إلا فيمن له الصِّفة،

كوصف الرَّجل في حال الحرب بالابتسام

وسكون الجوارح وقلَّة الفكر، كقوله:

كأنّ دَنَانِيراً عَلى قَسماتِـهـم ** وإنْ كان قَدْ شفَّ الوُجُوهَ لِقاءُ


وكذلك الجوادُ يوصف بالتَّهَلُّل عند وُرود العُفاة،

والارتياح لرؤية المُجتَدين، والبخيلُ بالعبوس

والقُطوب وقلّة البشر، مع سَعَة ذات اليد ومُساعدة الدهر.


فأما الاتفاق في عموم الغَرض،

فما لا يكون الاشتراك فيه داخلاً في الأَخذ والسرقة

والاستمداد والاستعانة،

لا ترى مَنْ به حِسٌّ يدَّعي ذلك،

ويأبَى الحكمَ بأنه لا يدخل في باب الأخذ،

وإنما يقع الغلط من بعض مَن لا يُحسن التحصيل،

ولا يُنْعم التأمُّل، فيما يؤدِّي إلى ذلك،

حتى يُدّعَى عليه في المُحَاجّة أنه بما قاله قد دخل في

حكم من يجعل أحد الشاعرَين عِيالاً على الآخر في

تصوُّر معنى الشجاعة، وأنّها مما يُمدَح به،

وأن الجهل مما يُذَمُّ به، فأمّا أن يقوله صريحاً ويرتكبه قَصْداً فلا،

وأمَّا الاتفاق في وجه الدِّلالة على الغرض،

فيجب أنْ يُنظَر، فإن كان مما اشترك الناس في معرفته،

وكان مستقرّاً في العقول والعادات، فإنَّ حُكْمَ ذلك،

وإن كان خصوصاً في المعنى، حُكْمُ العموم الذي تقدَّم ذكره.


من ذلك التشبيه بالأسد في الشجاعة، وبالبحر في السخاء،

وبالبدر في النور والبهاء، وبالصبح في الظهور

والجلاء ونَفْي الالتباسِ عنه والخفاء، وكذلك قياس

الواحدِ في خَصْلة من الخِصال على المذكور بذلك

والمشهورِ به والمشار إليه، سواءٌ كان ذلك ممن

حضرك في زمانِك،

أو كان ممن سَبق في الأزمنة الماضية والقرون الخالية،

لأن هذا مما لا يُخْتَص بمعرفته قومٌ دون قوم،

ولا يحتاج في العلم به إلى رَوِيّةٍ واستنباط وتدبُّر وتأمُّل،

وإنما هو في حكم الغرائز المركوزَةِ في النفوس،

والقضايا التي وُضع العلم بها في القلوب،

وإن كان مما ينتهي إليه المُتَكلِّم بنظرٍ وتدبُّر،

وَيَنَالُه بطلبٍ واجتهاد، ولم يكن كالأوّل في حضوره إياه،

وكونه في حكم ما يقابله الذي لا معاناةَ عليه فيه،

ولا حاجةً به إلى المحاولة والمزاولةِ والقياس

والمباحثة والاستنباط والاستثارة،

بل كان من دُونه حجابٌ يحتاج إلى خَرْقِه بالنظر،

وعليه كِمٌّ يفتقر إلى شَقَّه بالتفكير، وكان دُرّاً في قَعر

بحر لا بدّ لهُ من تكلُّف الغَوَص عليه ،

وممتنعاً في شاهقٍ لا ينالُه إلاّ بتجشّم الصعود إليه

وكامناً كالنار في الزَّند، لا يظهر حتى تقتدحه،

ومُشابكاً لغيره كعُرُوق الذهب التي لا تُبدِي صَفْحتها بالهُوَيْنَا،

بل تُنال بالحَفْرِ عنها وتعرِيقِ الجبين في طلب التمكن منها.


نعم إذا كان هذا شأنُه،

وهاهنا مكانه وبهذا الشرط يكون إمكانه،

فهو الذي يجوز أن يُدَّعى فيه الاختصاصُ والسَّبق والتقدُّم والأوَّلية،

وأن يُجعَل فيه سَلَفٌ وخَلَفٌ، ومُفيد ومستفيد،

وأَن يُقضَى بين القائلَين فيه بالتفاضُل والتبايُن،

وأنّ أحدَهما فيه أكملُ من الآخر، وأنّ الثاني زاد على

الأوَّل أو نَقَص عنه، وترقَّى إلى غايةٍ أبعد من غايته،

أو انحطّ إلى منزلةٍ هي دون منزلته.


واعلم أن ذلك الأوّل الذي هو المشتَرك العاميّ،

والظاهر الجليّ، والذي قلتُ إنّ التفاضلَ لا يدخله،

والتفاوتَ لا يصحّ فيه، إنما يكون كذلك ما كان صريحاً

ظاهراً لم تلحقه صنعة، وساذَجاً لم يُعمَل فيه نقش

فأَمَّا إذا رُكِّب عليه معنًى، ووُصل به لطيفة،

ودُخل إليه من باب الكناية والتعريض،

والرَّمز والتلويح، فقد صار بماغَيّر من طريقته،

واستُؤْنِف من صورته، واستُجدَّ له من المِعرَض،

وكُسي من دَلّ التعرض، داخلاً في قبيل الخاصّ

الذي يُتملَّك بالفكرة والتعمُّل، ويُتوصَّل إليه بالتدبُّر والتأمُّل،

وذلك كقولهم، وهم يريدون التشبيه: سلبْن الظِّباء العيونَ،

كقول بعض العَرَب:

سَلَبْنَ ظباءَ ذي نَفَرٍ طُلاهـا ** ونُجْلَ الأَعيُن البَقَرَ الصِّوارا

وكقوله:

إنَّ السحابَ لَتَسْتَحيى إذا نَظَرت ** إلى نَداك فقاسته بما فِـيهـا

وكقوله:

لم تَلْقَ هذا الوَجْهَ شمسُ نهارنا ** إلاّ بوَجْهٍ لـيس فـيه حَـيَاء

وَكقوله:

وَاهتَزَّ في وَرَقِ النَّدَى فتحيَّرَتْ ** حَرَكاتُ غصْنِ البَانَة المُتـأوِّدِ

وكقوله:

فَأفْضيتُ من قُرْبٍ إلى ذِي مَهَابةٍ ** أُقابِلُ بَدْرَ الأُفْق حِين أقـابـلُـهْ

إلى مُسْرفٍ في الجود لو أنّ حاتماً ** لَدَيْه لأَمْسَى حاتمٌ وهو عـاذِلُـهْ


فهذا كله في أصله ومغزاه وحقيقة معناه تشبيهٌ،

ولكن كَنَى لك عنه، وخُودِعتَ فيه،

وأُتِيتَ به من طريق الخِلابة في مسلك السحر ومذهب التَّخييل،

فصار لذلك غريبَ الشكل، بديع الفن، منيعَ الجانب،

لا يدينُ لكل أحد،

وأَبيَّ العِطْف لا يدين به إلاّ للمُروِّي المجتهد،

وإذا حقّقت النظر، فالخصوصُ الذي تراه، والحالةُ التي تراها،

تنفي الاشتراك وتأباه،

إنما هُما من أجل أنهم جعلوا التشبيه مدلولاً عليه بأمرٍ

آخرَ ليس هو من قبيل الظاهر المعروف، بل هو في

حدِّ لحن القول والتعمية اللَّذَين يُتعمَّد فيهما إلى إخفاء

المقصود حتى يصير المعلومُ اضطراراً،

يُعرف امتحاناً واختياراً، كقوله:

مررتُ بباب هِنْدَ فَكَلَّمَتْنِـي ** فلا واللَّه ما نَطَقَتْ بحَرْفِ


فكما يوهمك بإتقان اللفظ أنه أراد الكلام،

وأن الميم موصولة باللام، كذلك المشبِّه

إذا قال سرقن الظباءَ العيونَ،

فقد أوهم أن ثَمَّ سرقةً وأنّ العيون منقولةٌ إليها من الظباء،

وإن كنت تعلم إذا نظرتَ أنّه يريد أن يقول

إن عيونها كعيون الظباء في الحسن والهيئة وفَتْرةِ النظر،

وكذلك يوهمك بقوله: إن السحاب لتسْتَحيى،

أن السحاب حيٌّ يعرف ويعقل، وأنه يقيس فيضه

بفيض كفّ الممدوح فَيَخْزَى ويخجَل.


فالاحتفال والصَّنعة في التصويرات التي تروق الساميعن وتَرُوعهم،

والتخييلات التي تهزُّ الممدوحين وتُحرّكهم،

وتفعل فعلاً شبيهاً بما يقع في نفس النَّاظر إلى التصاوير

التي يشكِّلها الحُذَّاق بالتَّخطيط والنقش، أو بالنَّحت والنقر،

فكما أن تلك تُعجب وتَخْلب، وتَروقُ وتُؤْنِق،

وتَدْخُل النفسَ من مشاهدتها حالةٌ غريبة لم تكن قَبْلِ رؤيتها،

ويغشاها ضربٌ من الفتنة لا يُنكَر مكانه ولا يخفى شأنه.


فقد عَرَفْت قضيَّة الأصنام وما عليه أصحابها من

الافتتان بها والإعظام لها، كذلك حكم الشعر فيما

يصنعه من الصُوَر، ويُشكّله من البِدَع،

ويوقعه في النفوس من المعاني التي يُتوَّهم بها الجماد

الصامتُ في صورة الحيّ الناطق، والمواتُ الأَخرس

في قضية الفصيح المُعرب والمُبيّن المميِّز،

والمعدومُ المفقود في حكم الموجود المشاهَد،

كما قدَّمتُ القول عليه في باب التمثيل، حتى يكسب الدنيُّ رفعةً،

والغامضُ القدرِ نباهةً، وعلى العكس يغضُّ

من شرف الشريف، ويطأُ من قَدْرِ ذي العِزَّة المنيف،

ويظلم الفضل ويَتَهضَّمُه، ويَخْدِش وجه الجمال ويَتَخَوَّنُه،

ويُعطي الشبهةَ سُلطانَ الحجّة، ويردُّ الحجَّة إلى صيغة الشبهة،

ويصنع من المادة الخسيسة بِدَعاً تغلو في القيمة وتعْلو،

ويفعل من قلب الجواهر وتبديل الطبائع

ما ترى به الكيمياء وقد صَحَّت، ودعوى الإكْسِير وقد وَضَحت،

إلاّ أنها روحانية تتلبّس بالأوهام والأفهام،

دون الأجسام والأجرام، و لذلك قال:

يُرِي حِكْمةً ما فيه وَهْوَ فُكـاهةٌ ** ويَقْضِي بما يَقْضِي به وهو ظالمُ

وقال:

عَليمٌ بإبْدالِ الحروف وقامـعٌ ** لكلِّ خطيبٍ يَقْمَع الحقَّ باطلُهْ

وقال ابن سُكّرة فأحسن:

والشعر نارٌ بـلا دُخـانٍ ** وللقوافِي رُقىً لَطـيفـهْ

لو هُجِيَ المِسْك وهْو أهلٌ ** لكل مدحٍ لصار جِيفَـهْ

كَمْ من ثقيلِ المحلِّ سـامٍ ** هَوت به أحْرُفٌ خَفيفـهْ


وقد عرفتَ ما كان من أمر القبيلة الَّذين كانوا

يعيَّرون بأَنْف الناقة، حتى قال الحطيئة:

قومٌ هُم الأَنْفُ والأذْنَابُ غيرُهُم ** ومَن يُسَوّي بأَنْف النَّاقة الذَّنَبا


فنَفَى العار، وصحّح الافتخار، وجعل ما كان نَقْصاً وشَيْناً،

فضلاً وزَيْناً، وما كان لقباً ونَبْزًا يسوءُ السمع،

شَرَفاً وعزّاً يرفع الطرف، وما ذاك إلا بحسن الانتزاع،

ولُطف القريحة الصَّناع،

والذِّهن الناقد في دقائق الإحسان والإبداع،

كما كساهم الجمالَ من حي كانوا عُرُوا منه،

وأثبتهم في نِصَاب الفضل من حيث نُفُوا عنه،

فَلرُبَّ أنفٍ سَليم قد وَضع الشعرُ عليه حَدَّه فجدَعَه،

واسمٍ رفيع قَلَب معناه حتى حطّ به صاحبَه ووَضَعه،

كما قال:

يا حاجبَ الوزراء إنّك عندَهم ** سَعْدٌ ولكن أنتَ سَعْدُ الذابـحُ

ومن العجيب في ذلك قول القائل في كثير بن أحمد:

لَوْ عَلِمَ اللَّه فِـيه خَـيْراً ** ما قال لا خَيْرَ في كَثير


فانظر من أي مدخل دخل عليه،

وكيف بالهوينا هَدَى البلاءَ إليه?

وكَثِير هذا هو الذي يقول فيه الصاحب:

"ومِثْلُ كَثِير في الزَّمَان قَلِيلُ"

فقد صار الاسم الواحد وسيلةً إلى الهَدْم والبناء،

والمدح والهجاء، وذريعةً إلى التزيين والتهَجين.



ومن عجيب ما اتفق في هذا الباب قولُ ابن المعتزّ في ذمّ القمر،

واجتراؤُه بقدرة البيان على تقبيحه،

وهو الأصْل والمثل وعليه الاعتماد والمعوَّل في تحسين كل حَسَن،

وتزيين كلِّ مزيَّن، وأوَّلُ ما يقع في النفوس إذا أريد

المبالغة في الوصف بالجمال، والبلوغُ فيه غايةَ الكمال،

فيقال وجهٌ كأنه القمر، وكأَنه فِلْقَةُ قمر،

ذلك لثقته بأنّ هذا القول إذا شَاء سَحَر، وقَلَبَ الصُورَ،

وأنه لا يَهاب أن يخرق الإجماع،

ويسحَر العقولَ ويَقْتَسر الطباع، وهو:

يا سارقَ الأنوار من شَمْس الضُّحَى ** يا مُثْكِلي طيبَ الكَرَى ومُنَغِّصِـي

أمّا ضياء الشمسِ فيك فنـاقـصٌ ** وأرَى حَرَارةَ نارِها لم تَنْـقُـصِ

لم يَظْفَرِ التشبيهُ مـنـك بـطـائِل ** مُتسَلِّخٌ بَهَقـاً كـلَـوْنِ الأَبْـرصِ



وقد عُلِم أنْ ليس في الدنيا مُثْلَة أخزَى وأشنعُ،

ونكالٌ أبلغ وأفظع،

ومَنْظرٌ أحق بأن يملأ النفوس إنكاراً،

ويُزْعج القلوبَ استفظاعاً له واستنكاراً،

ويُغْري الألسنةَ بالاستعاذة من سُوء القضاء،

ودَرَكِ الشقاء، من أن يُصلَب المقتول ويشبَّح في الجِذع،

ثم قَدْ تَرَى مَرثيةَ أبي الحسن الأنباري لابن بقيّة حين صُلب،

وما صَنَع فيها من السّحر،

حتى قَلَبَ جُملةَ ما يُستنكر من أحوال المصلوب إلى خِلافها،

وتأَوّلَ فيها تأويلات أراك فيها وبها ما تقضي منْه العجَب:

عُلوٌّ في الحياةِ وفي المـمـاتِ ** بحَقٍّ أَنت إحدى المعـجـزاتِ

كأنّ الناسَ حَوْلَك حينَ قـامـوا ** وُفودُ نـداك أيّامَ الـصِّـلاتِ

كأنك قائمٌ فـيهـم خـطـيبـاً ** وكلُّـهُـمُ قـيامٌ لـلـصَّـلاةِ

مددتَ يَدَيْك نحوهُمُ احـتـفـاءً ** كمدِّهما إليهـم بِـالـهِـبَـاتِ

ولما ضاق بطنُ الأرض عن أنْ ** يَضُمَّ عُلاكَ من بعد المـمـاتِ

أصَاروا الجوَّ قبرَك واستَنَابُـوا ** عن الأكفانِ ثوبَ السَّـافـياتِ

لعُظْمك في النفوس تبيتُ تُرعَى ** بحُـرَّاس وحُـفَّـاظٍ ِثِـقـاتِ

وتُشعَلُ عندك الـنـيرانُ لـيلاً ** كذلـك كـنـتَ أيامَ الـحـياةِ

ركبتَ مَطِيَّة، مـن قَـبـلُ زيدٌ ** عَلاَها في السِّنين الماضـياتِ

وتلك فـضـيلةٌ فـيهـا تَـأسّ ** تُباعد عنك تَـعـييرَ الـعُـداةِ

أسأتَ إلى الحوادث فاستثـارت ** فأنت قتيلُ ثَـأْرِ الـنـائبـاتِ

ولَوْ أنّي قَدَرتُ على قِـيامـي ** بفَرْضك والحقوق الواجبـاتِ

مَلأْتُ الأَرض من نَظْم القوافي ** ونُحْتُ بها خِلال الـنـائحـاتِ

ولكنّي أُصَبِّر عنك نـفـسـي ** مخافةَ أن أُعَدَّ من الـجُـنَـاةِ

وما لك تُرْبةٌ فأقول تُـسْـقَـى ** لأنّك نُصْبُ هَطْلِ الهاطـلات

عليك تحيّةُ الرَّحمـن تَـتْـرَى ** برَحْـمَـاتٍ غـوادٍ رائحـاتِ



ومما هو من هذا الباب، إلاّ أنه مع ذلك احتجاج عَقْلي صحيح، قولُ المتنبي:

وَمَا التأنيثُ لاسم الشمسِ عَيْبٌ ** ولا التذكيرُ فخرٌ للـهـلال


فحقّ هذا أن يكون عنوانَ هذا الجنس، وفي صدر صحيفته،

وطِرازًا لديباجته، لأنه دفعٌ لنقص، وإبطالٌ له،

من حيث يَشْهَدُ العقل للحجّة التي نطق بها بالصّحة،

وذلك أن الصِّفات الشريفةَ شريفةٌ بأنفُسها،

وليس شرفُها من حيث الموصوف،

وكيف والأوصاف سبب التفاضُل بين الموصوفات،

فكان الموصوفُ شريفاً أوغيرَ شريف من حيث الصفة،

ولم تكن الصفة شريفةً أو خسيسةً من حيث الموصوف،

وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا يعترض على الصفات الشريفة

بشيءٍ إن كان نقصاً، فهو في خارج منها،

وفيما لا يرجع إليها أنفُسِها ولا حقيقتها،

وذلك الخارج هاهنا هو كون الشخص على صورةٍ دون صورة،

وإذا كان كذلك، كان الأمر: مقدارُ ضَرَر التأنيث إذا وُجد في

الخلقة على الأوصاف الشريفة،

مقدارُه إذا وُجد في الاسم الموضوع للشيء الشريف،

لأنه في أَنْ لا تأثير له من طريق العقل في تلك الأوصاف في الحالين

على صورة واحدة، لأن الفضائل التي بها فُضِّل الرجل على المرأة،

لم تكن فضائلَ لأنها قارنت صورة التذكير وخِلْقته،

ولا أوجبت ما أوجبت من التعظيم لاقترانها بهذه الخلقة دون تلك،

بل إنماأوجبته لأنفُسِها ومن حيث هي،

كما أنّ الشيء لم يكن شريفاً أو غير شريف من حيث أُنِّث اسمُه أو ذُكِّر،

بل يثبُت الشرفُ وغيرُ الشرف للمسمَّيات من حيث أنفُسُها وأوصافُها،

لا من حيث أسماؤها، لاستحالة أن يتعدَّى من لفظٍ، هو صوتٌ مسموع،

نقصٌ أو فضلٌ إلى ما جُعل علامةً له فاعرفه.



واعلم أن هذا هو الصحيح في تفسير هذا البيت،

والطريقة المستقيمة في الموازنة بين تأنيث الخِلقة وتأنيث الاسم،

لا أن يقال إنّ المعنى أن المرأة إذا كانت في كمال الرجل

من حيث العقل والفضل وسائر الخلال الممدوحة،

كانت من حيث المعنى رجلاً، وإن عُدَّت في الظاهر امرأةً،

لأجل أنه يفسُد من وجهين: أحدهما أنه قال ولا التذكير فخر للهلال،

ومعلومٌ أنه لا يريد أن يقول إن الهلال وإن ذكِّر في لفظه

فهو مؤنَّث في المعنى، لفساد ذلك، ولأجل أنه إن كان يريد

أن يضربَ تأنيث اسم الشمس مثلاً لتأنيث المرأة،

على معنى أنها في المعنى رجلٌ، وأن يُثبت لها تذكيراً،

فأيُّ معنىً لأن يعود فَيُنْحِيَ على التذكير،

ويُغضَّ منه ويقول ليس هو بفخر للهلال هذا بَيِّن التناقض.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 8:22 pm

فصل في حَدّي الحقيقة والمجاز



واعلم أن حدَّ كل واحد من وصفى المجاز والحقيقة إذا كان

الموصوف به المفرد، غيرُ حدّه إذا كان الموصوف به الجملة،

وأنا أبدأ بحدّهما في المفرد،

كلُّ كلمة أريد بها ما وقعتْ له في وَضّْع واضع،

وإن شئت قلت: في مُواضعة، وقوعاً لا تستند فيه إلى غيره فهي حقيقة،

وهذه عبارةٌ تنتظم الوضعَ الأوّل وما تأخَّر عنه،

كلُغةٍ تحدث في قبيلة من العرب، أو في جميع العرب،

أو في جميع الناسَ مثلاً، أو تحدُثُ اليوم ويدخل فيها الأعلام

منقولة كانت كزيد وعمرو،

أو مرتجلَةً كغَطفان وكلِّ كلمة استُؤْنِف لها على الجملة مواضعةٌ،

أو ادُّعِيَ الاستئناف فيها. وإنما اشترطتُ هذا كلَّه،

لأنّ وصف اللَّفظة بأنها حقيقة أو مجازٌ،

حُكمٌ فيها من حيث إنّ لها دِلالةً على الجملة،

لا من حيث هي عربية أو فارسية، أو سابقة في الوضع،

أو مُحدَثة، مولَّدة، فمن حقّ الحدِّ أن يكون بحيث يجري

في جميع الألفاظ الدالَّةِ، ونظيرُ هذا نظيرُ أن تضع حدّاً للاسم والصفة،

في أنك تضعه بحيث لو اعتبرتَ به لغةً غير لغة العرب،

وجدته يجري فيها جَرَيانه في العربية،

لأنك تَحُدُّ من جهةٍ لا اختصاصَ لها بلُغةٍ دون لغة،

ألا تَرَى أن حدَّك الخبر بأنه ما احتمل الصدق والكذب مما

لا يخُصُّ لساناً دون لسان؛ ونظائر ذلك كثيرةٌ،

وهو أحدُ ما غَفَل عنه الناس، ودخل عليهم اللبس فيه،

حتى ظنُّوا أنه ليس لهذا العلم قوانينُ عقليةٌ،

وأنَّ مسائلَه مُشبَّهة باللغة، في كونها اصطلاحاً يُتوهَّم عليه النقل ،

والتبديل، ولقد فَحُش غلَطُهم فيه، وليس هذا موضعُ القولِ في ذلك.


وإن أردت أن تمتحن هذا الحدَّ، فانظر إلى قولك الأسد،

تريد به السَّبُعَ، فإنك تراه يؤدِّي جميعَ شرائطه،

لأنَّك قد أردت به ما تَعلم أنّه وقع له في وضع واضع اللغة،

وكذلك تعلم أنه غير مستند في هذا الوقوع إلى شيء غير السَّبُعِ،

أي: لا يحتاج أن يُتصوَّر له أصلٌ أدّاه إلى السبع من أجل

التباسِ بينهما وملاحظة، وهذا الحكمُ إذا كانت الكلمة حادثةً،

ولو وُضعت اليوم،متى كان وضعُها كذلك، وكذلك الأعلام،

وذلك أنّي قلت ما وقعتْ له في وضع واضعٍ أو مواضعةٍ على التنكير،

ولم أقل في وَضْع الواضع الذي ابتدأَ اللغة، أو في المواضعة اللغوية،

فيُتَوهَّمَ أن الأعلام أو غيرهما مما تأخّر وَضْعُه

عن أصل اللغة يخرج عنه، ومعلومٌ أن الرجل يُواضع قومَه في اسم ابنه،

فإذا سمّاه زيداً، فحاله الآن فيه كحال واضع اللغة

حين جعله مصدراً لزاد يزيدُ، وسَبْقُ وَاضع اللغة له

في وضعه للمصدر المعلوم، لا يقدَحُ في اعتبارنا،

لأنه يقع عند تسميته به ابنه وقوعاً باتّاً،

ولا تستند حاله هذه إلى السابق من حاله بوجه من الوجوه،

وأمّا المجاز فكلُّ كلمة أريد بها غيرُ ماوقت له في وَضْع واضعها،

لملاحظةٍ بين الثاني والأوّل، فهي مجاز وإن شئت قلت:

كلُّ كلمة جُزْتَ بها ما وقعتْ به في وَضْع الواضع إلى ما لم توضع له،

من غير أن تستأنف فيها وضعاً، لملاحظةٍ بين ما تُجُوّز بها إليه،

وبين أصلها الذي وُضعتْ له فيوضع واضعها، فهي مجاز.


ومعنى الملاحظة هو أنها تستند في الجملة إلى غير

هذا الذي تريده بها الآن، إلا أنّ هذا الاستنادَ يَقْوَى ويَضْعُف،

بَيَانُه ما مضى من أنّك إذا قلت: رأيت أسداً،

تريد رجلاً شبيهاً بالأسد،

لم يشتبه عليك الأمر في حاجة الثاني إلى الأوّل،

إذ لا يُتصَوَّر أن يقع الأسدُ للرجل على هذا المعنى الذي أردته على

التشبيه على حدّ المبالغة، وإيهامِ أنّ معنى من الأسدحصل فيه إلا

بعدأن تجعل كونَهُ اسماً للسبع إزاء عينيك، فهذا إسنادٌ تعلمه ضرورةً،

ولو حاولتَ دَفْعَه عن وَهْمك حاولت محالاً،

فمتى عُقِل فرعٌ من غير أصل، ومشبَّهٌ من غير مشبَّه به?

وكلُّ ما طريقه التشبيه فهذا سبيله أعني:

كل اسم جرى على الشيء للاستعارة، فالاستناد فيه قائمٌ ضرورةً.


وأما ما عَدا ذلك، فلا يَقْوَى استنادُه هذه القوةَ،

حتى لو حاول محاولٌ أن ينكره أمكنه في ظاهر الحال،

ولم يلزمه به خروجٌ إلى المحال، وذلك كاليد للنعمة لو

تكلَّفَ متكلّفٌ فزعم أنه وضعٌ مستأنَفٌ أو في حُكم لغةٍ مفردٍةٍ،

لم يمكن دفعُه إلاً برفقٍ وباعتبارٍ خفيٍّ،

وهو ما قدّمتُ من أنّا رأيناهم لا يوقعُون هذه اللفظة على

ما ليس بينه وبين هذه الجارحة التباسٌ واختصاصٌ.


ودليل آخر وهو أن اليد لا تكاد تقع للنعمة إلا وفي الكلام إشارةُ

إلى مَصْدَر تلك النعمة، وإلى المُولِي، لها،

ولا تصلح حيث تراد النعمة مجرَّدةً من إضافةٍ لها إلى المُنعِم

أو تلويحٌ به. بيان ذلك أنك تقول اتسعت النعمةُ في البلد،

ولا تقول اتّسعت اليد في البلد، وتقول: أَقتَني نعمةً،

ولا تقول اقتني يداً، وأمثال ذلك تكثر إذا تأمّلت وإنما يقال:

جلَّت يدُه عندي، وكُثرت أياديه لدَيَّ، فتعلم أن الأصل صنائعُ يده

وفوائدُه الصادرةُ عن يده وآثارِ يده، ومحالٌ أن تكون اليد

اسماً للنعمة هكذا على الإطلاق، ثم لا تقع موقع النعمة،

لو جاز ذلك، لجاز أن يكون المترجم للنعمة باسم لها في لغة أخرى،

واضعاً اسمَها من تلك اللغة في مواضعَ لا تقع النعمة

فيها من لغة العرب، وذلك محالٌ. ونظير هذا قولهم في صفة

راعي الإبل إّن له عليه إصبْعاً، أي أثراً َحسَناً،

وأنشدوا:كلام إشارةُ إلى مَصْدَر تلك النعمة، وإلى المُولِي، لها،

ولا تصلح حيث تراد النعمة مجرَّدةً من إضافةٍ لها إلى المُنعِم

أو تلويحٌ به. بيان ذلك أنك تقول اتسعت النعمةُ في البلد،

ولا تقول اتّسعت اليد في البلد، وتقول: أَقتَني نعمةً،

ولا تقول اقتني يداً، وأمثال ذلك تكثر إذا تأمّلت وإنما يقال:

جلَّت يدُه عندي، وكُثرت أياديه لدَيَّ، فتعلم أن الأصل

صنائعُ يده وفوائدُه الصادرةُ عن يده وآثارِ يده،

ومحالٌ أن تكون اليد اسماً للنعمة هكذا على الإطلاق،

ثم لا تقع موقع النعمة، لو جاز ذلك، لجاز أن يكون

المترجم للنعمة باسم لها في لغة أخرى، واضعاً اسمَها

من تلك اللغة في مواضعَ لا تقع النعمة فيها من لغة العرب،

وذلك محالٌ. ونظير هذا قولهم في صفة راعي الإبل إّن له عليه إصبْعاً،

أي أثراً َحسَناً، وأنشدوا:

ضَعِيفُ العَصَا بادي العروقِ ترى له ** عليها إذا ما أجدبَ الناسُ إصبَـعَـا


وأنشد شَيخنا رحمه اللَّه مع هذا البيت قولَ الآخر:

"صُلْبُ العَصا بالضَّرب قد دَمَّاها"

أي جعلها كالدُّمَى في الحُسن، وكأن قولَهُ صُلْب العَصا،

وإن كان ضِدَّ قول الآخر ضَعيفُ العَصا،

فإنهما يرجعان إلى غرض واحد، وهوحُسن الرِّعْية،

والعملُ بما يُصلحها ويحسُنُ أثره عليها،

فأراد الأول بجعله ضَعيف العصا أنه رفيقٌ بها مُشفقٌ عليها،

لا يقصِد من حمل العصا أن يُوجعَها بالضرب من غير فائدة،

فهو يتخيَّر ما لانَ من العِصيّ، وأراد الثاني أنه جيّد الضَّبط لها

عارفٌ بسياستها في الرَّعي، ويزجُرها عن المراعي التي لا تُحمَد،

ويتوخَّى بها ما تسمَنُ عليه، ويتضمّن أيضاً أنه يمنعها

عن التشرُّد والتبدُّد وأنها، لِمَاعَرَفت من شدّة شكيمته وقوة عزيمته،

وتنساق وتَستوسق في الجهة التي يريدها،

من غير أن يجدّد لها في كل حال ضرباً، وقال آخر:

"صُلْبُ العَصَا جَافٍ عن التَّغَزُّلِ" فهذا لم يبيّن ما بيّنه الآخر

وأعود إلى الغرض فأنت الآن لا تشكُّ أن الإصبع مشارٌ بها

إلى إصبع اليد، وأن وقوعها بمعنى الأثر الحسن،

ليس على أنه وضعٌ مستأنَفٌ في إحدى اللغتين،

ألا تراهم لا يقولون رأيت أصَابع الدار، بمعنى آثارَ الدار،

وله إصبع حسنة، وإصبع قبيحة، على معنى أَثرٍ حسن وأَثرٍ قبيح ونحو ذلك،

وإنّما أرادوا أن يقولوا له عليها أِثَرُ حذْقٍ، فدلُّوا عليه بالإصبع،

لأن الأْعمال الدقيقة له اختصاص بالأصابع،

وما من حِذْقٍ في عمل يَدٍ إلا وهو مستفاد من حسن تصريف الأصابع،

واللُّطْف في رفعها ووضعها، كما تعلم في الخطّ

والنقش وكُلِّ عمل دقيق،

وعلى ذلك قالوا في تفسير قوله عزَّ وجلّ:

"بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوّيَ بَنَانَهُ" "القيامة: 4"،

أي نجعلَها كخُفِّ البعير فلا تتمكّن من الأعمال اللَّطيفة.



فكما علمتَ ملاحظةَ الإصبع لأصلها،

وامتناعَ أن تكون مستأنفةً بأنك رأيتها لا يصحُّ استعمالها

حيث يراد الأثر على الإطلاق، ولا يُقصد الإشارة إلى حِذْق في الصنعة،

وأن يُجعل أَثر الإصبع إصبعاً كذلك ينبغي أن تعلم

ذلك في اليد لقيام هذه العلّة فيها، أعني أن لم يُجْعَل أثرُ اليد يداً،

لم تقع للنعمة مجرَّدةً من هذه الإشارات،

وحيثُ لا يُتَصوَّر ذلك كقولنا أقتني نعمة فاعرفه.



ويُشبه هذا في أن عُبَّر عن أثر اليد والإصبع باسمهما،

وضعُهم الخاتَم موضع الخَتْم كقولهم عليه خاتمُ الملك،

وعليه طابَعٌ من الكرم، والمحصول أثَر الخاتَم والطابَع،

قال:

وقُلْنَ حَرَامٌ قد أُخِلَّ بربِّنـا**وتُتْرَكُ أمْوالٌ عليها الخواتِمُ

وكذا قولُ الآخر:

إذا قُضَّت خَواتِمُها وفُكَّت** يقال لها دمُ الوَدَجِ الذبيحُ


وأما تقدير الشيخ أبو عليٍّ في هذين البيتين حَذْفَ المضاف،

وتأويلُه على معنى وتترك أموالٌ عليها نقشُ الخواتم،

وإذا فُضَّ خَتْمُ خواتمها، فبيانٌ لما يقتضيه الكلام من أصله،

دون أن يكون الأمر على خلاف ما ذكرتُ من جعلِ أثر الخاتم خاتَماً،

وأنت إذا نظرت إلى الشعر من جهته الخاصّة به،

وذُقته بالحاسّة المهيَّأة لمعرفة طَعْمه،

لم تشكَّ في أن الأمر على ما أشرتُ لك إليه ويدلّ على

أن المضاف قد وقع في المَنسَأة، وصار كالشَّريعة المنسوخة،

تأنيُث الفعل في قوله إذا فَضَّتْ خواتمها، ولو كان حكمه باقياً

لذكَّرت الفعل كما تُذكّره مع الإظهار، ولاستقصاء هذا موضع آخر.



وينظُر إلى هذا المكان قولهم: ضربتُه سوطاً، لأنهم عَبَّروا

عن الضربة التي هي واقعة بالسَّوط باسمه،

وجعلوا أثر السَّوط سوطاً، وتعلم على ذلك أن تفسيرهم له

بقولهم إن المعنى ضربته ضربةً بسوطٍ، بيانٌ لما كان

عليه الكلام في أصله، وأنّ ذلك قد نُسي ونُسخ،

وجُعل كأن لم يَكُن فاعرفه. وأمَّا إذا أريد باليد القدرة،

فهي إذَنْ أحَنُّ إلى موضعها الذي بُدئت منه، وأَصَبُّ بأصلها،

لأنك لا تكاد تجدها تُراد معها القدرةُ، إلا والكلام مَثَلٌ صريحٌ،

ومعنى القدرة منتزع من اليد مع غيرها، أو هناك تلويحٌ بالمَثَل.



فمن الصريح قولهم: فلان طويلُ اليَد، يراد: فَضْلُ القُدْرة،

فأنت لو وضعتَ القدرة هاهنا في موضع اليد أحَلْتَ،

كما أنك لو حاولت في قول النبي صلى الله عليه وسلم

وقد قالت له نساؤه صلى الله عليه وسلم:

أَيَّتُّهَا أسرعُ لحاقاً بك يا رسول اللَّه? فقال:

"أَطْوَلكُنَّ يداً"، يريد السخاءَ والجُود وبَسْط اليَدِ بالبَذْل

أن تضع موضع اليد شيئاً مما أريد بهذا الكلام،

خرجتَ من المعقول، وذلك أن الشَّبه مأخوذٌ من مجموع

الطويلِ واليَدِ مضافاً ذاك إلى هذه، فطلبُه من اليد وحدها طلبُ

الشيء على غير وجهه، ومن الظاهر في كون الشبه مأخوذاً

ما بين اليد، وغيرها قوله تعالى:

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولهِ"

"الحجرات:1"، المعنى على أنهم أُمِروا باتِّباع الأمر،

فلما كان المتقدِّم بين يدي الرَّجُل خارجاً عن صفة المتابع له،

ضَرَب جملة هذا الكلام مَثَلاً للاتباع في الأمر،

فصار النَّهي عن التقدُّم متعلّقاً باليد نهياً عن تَرْكِ الاتباع،

فهذا مما لا يخفي على ذي عقل أنه لا تكون فيه

اليد بانفرادها عبارة عن شيء، كما قد يُتوهَّم أنها عبارة

عن النعمة ومتناولةٌ لها، كالوضع المسْتأنَف،

حتى كأنْ لم تكن قَطُّ اسم جارحة.


وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم:

"المؤمنون تَتَكافأُ دِماؤُهم، ويَسْعَى بذِمَّتهم أَدناهم،

وهم يدٌ على من سواهم"،

المعنى وإن كان على قولك وهُم عونٌ على من سواهم،

فلا تقول إن اليد بمعنى العون حقيقةٌ، بل المعنى أن مَثَلَهم

مع كثرتهم في وجوب الاتِّفاق بينهم، مَثَلُ اليد الواحدة فكما

لا يُتصوَّر أن يخذل بعضُ أجزاء اليد بعضاً،

وأن تختلف بها الجهة في التصرف، كذلك سبيل المؤمنين

في تعاضُدهم على المشركين، لأن كلمةَ التوحيد جامعةٌ لهم،

فلذلك كانوا كنفس واحدة، فهذا كله مما يعترف لك كل أحد فيه،

بأنّ اليد على انفرادها لا تقع على شيء،

فيُتوهَّمُ لها نقلٌ من معنى إلى معنى على حدّ وضع الاسم واستئنافه.



فأمَّا ما تكون اليد فيه للقدرة على سبيل التلويح بالمثَل دون التصريح،

حتى ترى كثيراً من الناس يُطلق القول إنها بمعنى

القدرة ويُجريها مَجرَى اللفظ يقع لمعنيين، فكقوله تعالى:

"وَالسَّمَوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ" "الزمر: 67"،

تراهم يُطلقون اليمين بمعنى القدرة،

ويصِلون إليه قولَ الشمّاخ:

إذَا مَا رَايةٌ رُفِعَتْ لمَجْدٍ** تَلَقَّاهَا عَرابةُ باليمـينِ


كما فعل أبو العباس في الكامل، فإنه أنشد البيت ثم قال:

قال أصحاب المعاني معناه بالقوة، وقالُوا مِثْل ذلك في قوله تعالى:

"وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه"، وهذا منهم تفسيرٌ على الجملة،

وقصدٌ إلى نَفْي الجارحة بسرعةٍ، خوفاً على السامع

من خَطَراتٍ تقع للجُهَّال وأهلِ التشبيه جلّ اللَّه وتعالى

عن شبه المخلوقين ولم يقصدوا إلى بيان الطريقة

والجهة التي منها يُحصَل على القُدرة والقوة،

وإذا تأمّلت علمت أنه على طريقة المَثَلَ،

وكما أنّا نعلم في صَدْر هذه الآية وهو قوله عز وجل:

"وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَة" "الزمر: 67"،

أن محصول المعنى على القدرة،

ثم لا نستجيز أن نجعل القبضةَ اسماً للقدرة،

بل نَصير إلى القدرة من طريق التأويل والمَثَل،

فنقول إنّ المعنى واللَّه أعلم أن مَثَل الأرض في تصرُّفها

تحت أمر اللَّه وقدرته، وأنه لا يشذّ شيءٌ مما فيها من سلطانه عزّ وجلّ،

مَثَلُ الشيء يكون في قبضة الآخذِ له مِنّاً والجامع يده عليه،

كذلك حقُّنا أن نسلك بقوله تعالى: "مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ"

هذا المسلَك، فكأنّ المعنى - واللَّه أعلم -

أنه عزّ وجلّ يخلق فيها صفةَ الطيّ حتى تُرَى كالكتاب

المطويِّ بيمين الواحد منكم، وخصَّ اليمين لتكون

أعلى وأفخمَ للمثل، وإذا كنت تقول الأمرُ كُلُّه للَّه،

فتعلم أنه على سبيل أنْ لا سلطان لأحد دونه ولا استبداد

وكذلك إذا قلت للمخلوق الأمر بيدك، أردت المَثَل،

وأنَّ الأمر كالشيء يَحصُل في يده من حيث لا يمتنع عليه،

فما معنى التوقُّف في أن اليمين مَثَلٌ، وليست باسم للقُدْرة،

وكاللغة المستأنَفة، ومن أين يُتصوَّر ذلك وأنت لا تراها

تصلُح حيث لا وجه للمَثَل والتشبيه فلا يقال: هو عظيم اليمين،

بمعنى عَظِيم القدرة، وقد عرفتُ يمينَك على هذا

كما تقول عرفتُ قدرتك. وهكذا شأن البَيْت،

إذا أحسنت النَّظر وجدتَه إذا لم تأخذه من طريق المثل،

ولم تأخذ المعنى من مجموع التلقّي واليمين على

حدّ قولهم تقبَّلته بكلتا اليدين، وكقوله:

ولكن باليَدَيْنِ ضَمَانَـتَـي** ومَلَّ بفَلْجٍ فالقنافِذ عُوَّدي

وقبل هذا البيت:

لَعَمْرُكَ مَا مَلَّت ثَواءَ ثَوِيِّهـا** حَلِيمَةُ إذْ ألقَى مَراسِيَ مُقْعَدِ


وهو يشكوك إلى طبع الشعر، ورأيت المعنى يتألَّم وَيَتظلَّم،

وإن أردت أن تختبرَ ذلك فقل:

إذا ما رايةٌ رُفعت لمجد** تلقَّاها عَرابةُ باقتـدارِ


ثم انظر، هل تَجِدُ ما كنت تجد، إن كنت ممَّن يعرف طعمَ الشعر،

ويُفَرِّق بين التَّفِه الذي لا يكون له طعمٌ وبين الحلو اللذيذ.


وممّا يبيَّن ذلك من جهة العبارة:

أنّ الشعر كما تعلم لمدحِ الرَّجل بالجود والسخاء،

لأنه سألَ الشمّاخَ عمَّا أَقدَمه؛ فقال: جئتُ لأمْتار،

فأوْقَرَ راحله تمراً وأتْحفه بغير ذلك، وإذا كان كذلك،

كان المجدُ الذي تطاوَل له ومدَّ إليه يده،

من المجد الذي أراده أبو تمام بقوله:

تَوَجَّعُ أَن رأَتْ جِسْمي نحيفاً** كأنَّ المَجْدَ يُدرَكُ بالصِّراعِ


ولو كان في ذكرالبأس والبطش وحيث تراد القوة والشدة،

لكان حَمْلُ اليمين على صريح القُوّة أشبه،

وبأن يقع منه في القلب معنىً يتماسَكُ أجدر،

فإن قال أراد تلقّاها بجدّ وقوّةِ رغبةٍ،

قيل فينبغي أن يضع اليمين في مثل هذه المواضع،

ومن التزم ذَلك فالسكوت عنه أحسن،

وما زال الناسُ يقولون للرجل إذا أرادوا حثَّه على الأمر،

وأَن يأخذ فيه بالجِدّ أخرج يدك اليُمْنَى وذاك أنها أشرف اليدين وأقواهما،

والتي لا غناء للأخرى دونها،

فلا عُني إنسان بشيء إلا بدأ بيمينه فهيّأها لنَيْله،

ومتى ما قصدوا جعل الشيء في جهة العناية،

جعلوه في اليد اليمنى،

وعلى ذلك قول البحتري:

وإنَّ يدي وَقَد أسْنَدتَ أمري** إليه اليومَ في يَدِك اليمينِ


إليه يعني إلى يونس بن بُغا، وكان حَظِيّاً عند الممدوح،

وهو المعتز باللهَ، ولو أن قائلاً قَال:

إذَا ما رايةٌ رُفعت لمَجـدٍ** ومَكْرُمةٍ مددتُ لها اليَمِينا

لم تره عادلاً باليمين عن الموضع الذي وَضَعها الشمّاخ فيه،

ولو أن هذا التأويل منهم كان في قول سُلَيْمان بن قَتّة العَدَوِيّ:

بَنَي تَيْم بـن مُـرَّةَ إنّ ربّـي ** كَفَاني أمْرَكم وكَفاكُمُـونـي

فَحَيُّوا ما بَداَ لـكُـمُ فـإنِّـي** شديدُ الفَرْسِ للضَغِنِ الَحَرُونِ

يُعاني فَقْـدَكُـم أَسَـدٌ مُـدِلٌّ ** شديدُ الأسر يَضْبِثُ باليمـينِ


لكان أعذرَ فيه، لأن المدح مدحٌ بالقوة والشدة،

وعلى ذلك فإنّ اعتبار الأصل الذي قدّمتُ،

وهو أنك لا ترى اليمين حيث لا معنى لليد،

يقف بنا على الظاهر، كأنه قال إذا ضَبَث ضَبَثَ باليمين،

ومما يبيِّن موضوعَ بيت الشمّاخ، إذا اعتبرتَ به،

قولُ الخنساء:

إذَا القومُ مَـدُّوا بـأَيْديهـمُ ** إلى المَجْـد مَـدَّ إلـيه يَدَا

فنالَ الـذي فَـوْق أَيْديهـم ** من المجد ثم مَضى مُصعِدَا


إذا رجعت إلى نفسك، لم تجد فرقاً بين أن يمُدَّ إلى المجد يداً،

وبين أن يتلقَّى رايته باليمين،

وهذا إن أردت الحقَّ أبينُ من أن تحتاج فيه إلى فَضْلِ قَوْلٍ،

إلاّ أنّ هذا الضرب من الغلط، كالداء الدَّوِيّ،

حقُّه أن يُستقصَى في الكيِّ عليه والعلاج منه،

فجنايتَه على معاني ما شَرُف من الكلام عظيمة،

وهو مادَّةٌ للمتكلفين في التأويلات البعيدة والأقوال الشَّنِيعة،

ومَثَلُ من تَوقَّف في التفات هذه الأسامي إلى معانيها الأُوَل،

وظَنَّ أنها مقطوعةٌ عنها قطعاً يرفع الصلةَ بينها وبين ما جازت إليه،

مَثَلُ مَنْ إذا نَظر في قوله تعالى:

"إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ" "ق: 37"،

فرأى المعنى على الفهم والعقل أخذه ساذجاً وقَبِله غُفْلاً،

وقال القلب، هاهنا بمعنى العقل وترك أن يأخُذه من جهتِه،

ويدخُلَ إلى المعنى من طريق المَثَل فيقولَ إنّه حين لم ينتفع بقلبه،

ولم يفهم بعد أن كان القلب للفهم، جُعِلَ كأنه قد عدِم القلبَ

جملةً وخُلع من صدره خَلْعاً،

كما جُعل الذي لا يَعِي الحكمة ولا يُعمل الفِكْر فيما تُدركه عَيْنه وتسمَعُه أُذُنه،

كأنه عادمٌ للسمع والبصر، وداخلٌ في العَمَى والصمم

ويذهبُ عن أنّ الرجل إذا قال قد غاب عني قلبي،

وليس يحضُرني قلبي فإنه يريد أن يُخيِّل إلى السامع أنه قد فقد قلبه،

دون أن يقول غابَ عني علمي وعَزَب عقلي،

وإن كان المرجع عند التحصيل إلى ذلك، كما أنه إذا قال لم أكن هاهنا،

يريد شدّة غفلته عن الشيء، فهو يضع كلامه على

تخييل أنه كان غاب هكذا بجملته وبذاته،

دون أن يريد الإخبار بأنّ علمه لم يكن هناك،

وغرضي بهذا أنْ أُعْلِمك أنّ مَن عَدَل عن الطريقة في الخَفِيِّ،

أفضى به الأمرُ إلى أن يُنكر الجليّ، وصار من دَقيق الخطأ إلى الجليل،

ومن بعض الانحرافات إلى ترك السبيل،

والذي جلب التَّخليط والخَبْطَ الذي تراه في هذا الفنّ،

أَنَّ الفَرْق بين أن يُؤْخذ ما بين شيئين، ويُنْتَزع من مجموع كلام،

هو كما عرّفتُك في الفرق بين الاستعارة والتمثيل بابٌ

من القول تدخل فيه الشُّبهة على الإنسان من حيث لا يعلم،

وهو من السَّهل الممتنع، يُريك أن قد انقاد وبه إباءٌ،

ويُوهمك أنْ قد أَثَّرَتْ فيه رياضتُك وبه بَقيّة شِمَاسٍ.



ومن خاصّيته أنك لا تفرق فيه بين الموافق والمخالف،

والمعترِف به والمُنكِر له، فإنك ترى الرجل يُوافقك في الشيء منه،

ويُقِرُّ بأنه مَثَلٌ، حتى إذا صار إلى نظيرٍ له خَلَّط إمَّا في أصل المعنى،

وإمَا في العبارة، فالتخليط في المعنى كما مضى،

من تأوُّل اليمين على القوة، وكذِكْرهم أن القلب في الآية بمعنى العقل،

ثم عَدِّهم ذلك وجهاً ثانياً. والتخليط في العبارة،

كنحو ما ذكره بعضهم في قوله:

"هوِّن عليكَ فإنّ الأُمورَ بكفِّ الإلهِ مقاديرُها"

فإنه استشهد به في تأويل خبرٍ جاء في عِظَم الثواب

على الزكاة إذا كانت من الطّيب ثم قال الكفُّ هاهنا بمعنى

السلطان والمُلك والقدرة، قال وقيل الكف هاهنا بمعنى النعمة،

والخبر هو ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:

إنّ أحدكم إذا تصدّق بالتمرة من الطَّيِّب - ولا يقبل اللَّه إلاّ الطيب -

جعل اللَّه ذلك في كفّه، فيُربّيها كما يربّي أحدُكم فَلُوَّه

حتى يبلغ بالتمرة مثل أُحُد، مايظَنُّ بمن نَظَر في العربية يوماً

أن يَتَوهَّم أن الكفّ يكون على هذا الإطلاق، وعلى الانفراد،

بمعنى السلطان والقدرة والنعمة، ولكنه أراد المَثل فأساء العبارة،

إلاّ أنّ من سُوء العبارة ما أَثَرُ التقصير فيه أظهر،

وضررُه على الكلام أبين.



واستقصاءُ هذا الباب لا يتمّ حتى يُفرَد بكلام،

والوجهُ الرجوع إلى الغرض، ويجب أن تَعلم قبل ذلك أنّ خِلاف

مَن خالف في اليد واليمين، وسائر ما هو مجاز لا

من طريق التشبيه الصريح أو التمثيل، لا يقدح فيما

قدّمتُ من حدَّث الحقيقة والمجاز، لأنه لا يخرج في خِلافه

عن واحدٍ من الاعتبارين، فمتى جَعَل اليمين على انفرادها تُفيد القوة،

فقد جعلها حقيقةً، وأغناها عن أن تستند في دلالتها إلى

شيء وإن اعترف بضَربٍ من الحاجة إلى الجارحة والنظر إليها،

فقد وافق في أنها مجاز، وكذا القياس في الباب كله فاعرفه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 8:26 pm

فصل في المجاز العقلي والمجاز اللغوي والفرق بينهما:



والذي ينبغي أن يُذكر الآن حدُّ الجملة في الحقيقة والمجاز،

إلاَّ أنك تحتاج أن تعرف في صدر القول عليها ومقدّمته أصلاً،

وهو المعنى الذي من أجله اختُصّت الفائدة بالجملة،

ولم يجز حصولها بالكلمة الواحدة، كالاسم الواحد،

والفعل من غير اسم يُضَمّ إليه،

والعلّة في ذلك أن مَدَارَ الفائدة في الحقيقة على الإثبات والنفي،

ألا ترى أن الخبر أوّل معاني الكلام وأقدمُها،

والذي تستند سائر المعاني إليه وتترتّب عليه وهو ينقسم إلى هذين الحكمين،

وإذا ثبت ذلك، فإن الإثبات يقتضي مُثبِتاً ومُثبَتاً له،

نحو أنك إذا قلت ضَربَ زيدٌ أؤ زيدٌ ضاربٌ،

فقد أثبتَّ الضرب فعلاً أو وصفاً لزيد وكذلك النفي

يقتضي مَنْفيّاً ومنفيّاً عنه، فإذا قلت ما ضربَ زيدٌ وما زيدٌ ضاربٌ،

فقد نفيت الضرب عن زيد وأخرجته عن أن يكون فعلاً له،

فلما كان الأمر كذلك احتيج إلى شيئين يتعلّق الإثباتُ والنفي بهما،

فيكون أحدهما مُثبتاً والآخر مثبتاً له وكذلك يكون أحدهما

منفيّاً والآخر منفيّاً عنه،

فكان ذانك الشيئان المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل،

وقيل للمثَبت وللمنفي مُسنَدٌ وحديثٌ، وللمثبَت له والمنفيِّ عنه

مُسنَدٌ إليه ومحدَّثٌ عنه، وإذا رُمْتَ الفائدة أن تحصل لك

من الاسم الواحد أو الفعل وحده،

صرت كأنّك تطلُب أن يكون الشيء الواحد مُثْبِتاً ومثبَتاً له،

ومنفيّاً ومنفيّاً عنه، وذلك محال، فقد حصل من هذا أنّ لكل واحدٍ

من حكمي الإثبات والنفي حاجةً إلى أن تُقيِّده مرّتين،

وتُعلّقه بشيئين، تفسير ذلك أنك إذا قلت ضربَ زيدٌ،

فقد قصدت إثبات الضرب لزيد، فقولك إثباتُ الضربِ،

تقييدٌ للإثبات بإضافته إلى الضرب ثم لا يكفيك هذا التقييد

حتى تُقيّده مرّةً أخرى فتقول إثبات الضرب لزيد،

فقولك: لزيد، تقييدٌ ثانٍ وفي حكم إضافة ثانية،

وكما لا يُتصوَّر أن يكون هاهنا إثباتٌ مطلقٌ غيرُ مقيَّد بوجه

أعني أن يكون إثباتٌ ولا مُثْبَتٌ له ولا شيءٌ يُقصَد بذلك الإثبات إليه،

لا صفةٌ ولا حكمٌ ولا موهومٌ بوجه من الوجوه

كذلك لا يُتصوَّر أن يكون هاهنا إثباتٌ مقيّدٌ تقييداً واحداً،

نحوُ إثبات شيء فقط، دون أن تقول إثبات شيءٍ لشيء،

كما مضى من إثبات الضرب لزيد، والنفيُ بهذه المنزلة،

فلا يتصوَّر نفيٌ مطلقٌ، ولا نَفْيُ شيءٍ فقط ،

بل تحتاج إلى قيدين كقولك نفيُ شيء عَنْ شيء، فهذه هي

القضية المُبْرمة الثابتةُ التي تزول الرَّاسيات ولا تزول،

ولا تنظر إلى قولهم فلان يُثْبت كذا، أي يدَّعي أنه موجود،

وينفي كذا، أي يقضي بعَدَمه كقولنا أبو الحسن يثبت مِثَال

جُخْدَب بفتح الدال، وصاحب الكتاب ينفيه، لأنّ الذي قصدتَهُ

هو الإثباتُ والنفيُ في الكلام. ثم اعلم أن في الإثبات والنفي

بعد هذين التقييدين حكماً آخر: هو كتقييد ثالث،

وذلك أنّ للإثبات جهةً، وكذلك النفي،

ومعنى ذلك أنك تُثبت الشيء للشيء مرَّةً من جهة،

وأخرى من جهة غير تلك الأولى، وتفسيره أنّك تقول ضرب زيد،

فتثبت الضرب فعلاً لزيد وتقول مَرض زيد فتُثبت المَرض وصفاً له،

وهكذا سائر ما كان من أفعال الغرائز والطباع،

وذلك في الجملة على ما لا يوصف الإنسان بالقدرة عليه،

نحو كَرُم وظَرُف وحَسُن وقَبُح وطَال وقَصُر،

وقد يُتصوَّر في الشيء الواحد أن تُثبته من الجهتين جميعاً،

وذلك في كل فعلٍ دَلَّ على معنًى يفعله الإنسان في نفسه نحو قام وقعد،

إذا قلت قام زيد، فقد أثبتَّ القيام فعلاً له من حيث تقول فَعَلَ

القيام وأمرتُه بأن يفعل القيام، وأثبتَّه أيضاً وصفاً له

من حيث أن تلك الهيئة موجودة فيه، وهو في اكتسابه

لها كالشخص المنتصب، والشجرة القائمة على ساقها

التي توصف بالقِيام، لا من حيث كانت فاعلةً له،

بل من حيث كان وصفاً موجوداً فيها، وإذ قد عرفتَ هذا الأصل،

فهاهنا أصل آخر يدخل في غرضنا وهو أن الأفعال على ضربين:

متعدّ وغير متعدّ،

فالمتعدّي على ضربين: ضربٌ يتعدَّى إلى شيءٍ هو مفعول به،

كقولك: ضربتُ زيداً، زيداَ مفعولٌ به،

لأنك فعلت به الضرب ولم يفعله بنفسه.

وضربٌ يتعدَّى إلى شيءٍ هو مفعول على الإطلاق،

وهو في الحقيقة كفَعَلَ وكلِّ ما كان مِثْلَه في كونه عامّاً

غيرَ مشتقّ من معنًى خاصّ كصَنَعَ، وعَمِلَ، وأَوْجَدَ، وأَنْشَأَ،

ومعنى قولي من معنًى خاصّ أنه ليس كضَرَبَ الذي هو مشتقّ

من الضرب أو أَعلَمَ الذي هو مأخوذ من العلم،

وهكذا كل ما له مصدرٌ، ذلك المصدرُ في حُكم جنس من المعاني،

فهذا الضَّربُ إذا أُسند إلى شيءٍ كان المنصوبُ له

مفعولاً لذلك الشيء على الإطلاق، كقولك: فعل زيدٌ القيامَ،

فالقيام مفعولٌ في نفسه وليس بمفعول به،ن العلم، وهكذا كل ما له مصدرٌ،

ذلك المصدرُ في حُكم جنس من المعاني،

فهذا الضَّربُ إذا أُسند إلى شيءٍ كان المنصوبُ له مفعولاً

لذلك الشيء على الإطلاق، كقولك: فعل زيدٌ القيامَ،

فالقيام مفعولٌ في نفسه وليس بمفعول به،

وأحقُّ من ذلك أن تقول خَلق اللَّه الأنَاسِيَّ، وأنشأ العالم،

وخلق الموتَ والحياة، والمنصوب في هذا كله مفعول مطلق لا تقييد فيه،

إذ من المحال أن يكون معنى خلق العالم فَعَلَ الخلق به،

كما تقول في ضربت زيداً فعلتُ الضرب بزيد،

لأن الخَلْق من خَلَق كالفعل من فَعَلَ، فلو جاز أن يكون المخلوق كالمضروب،

لجاز أن يكون المفعول في نفسه كذلك، حتى يكون معنى

فَعَلَ القيام فعل شيئاً بالقيام، وذلك من شنيع المُحال،

وإذ قد عرفت هذا فاعلم أن الإثبات في جميع هذا الضرب

أعني فيما منصوبُه مفعولٌ، وليس مفعولاً به يتعلق بنفس المفعول،

فإذا قلت فعل زيدٌ الضرب، كنت أثبتَّ الضرب فعلاً لزيد،

وكذلك تُثبت العالم في قولك خلق اللَّه العالم، خَلْقاً للَّه تعالى،

ولا يصحُّ في شيء من هذا الباب أن تُثبت المفعول وصفاً ألبتة،

وتوهُّم ذلك خطاً عظيم وجهلٌ نعوذُ باللَّه منه،

وأما الضرب الآخر وهو الذي منصوبه مفعولٌ به،

فإنك تُثبت فيه المعنى الذي اشتُقَّ منه فعَلَ فعلاً للشيء،

كإثباتك الضرب لنفسك في قولك ضربتُ زيداً،

فلا يُتَصَوَّر أن يلحَق الإثبات مفعولَه، لأنه إذا كان مفعولاً به،

ولم يكن فعلاً لك، استحال أن تُثبته فِعْلاً، وإثباتُه وصفاً أبعدُ في الإحالة.


فأما قولُنا في نحو ضربتُ زيداً، إنك أثبتَّ زيداً مضروباً،

فإنّ ذلك يرجع إلى أنك تُثبت الضربَ واقعاً به منك،

فأمّا أن تُثبِت ذاتَ زيد لك، فلا يُتصَوَّر،

لأن الإثبات كما مضى لا بدّ له من جهة، ولا جهةَ هاهنا،

وهكذا إذا قلت أحْيا اللَّه زيداً، كنت في هذا الكلام مُثبِتاً الحياةَ

فِعلاً للَّه تعالى في زيد، فأما ذات زَيد، فلم تُثبتها فعلاً للَّه بهذا الكلام،

وإنما يتأتَّى لك ذلك بكلام آخر، نحو أن تقول خلق اللَّه

زيداً ووأوجده وما شاكله، مما لا يُشتقّ من معنًى خاصّ

كالحياة والموت ونحوهما من المعاني،

وإذ قد تقرَّرتْ هذه المسائل، فينبغي أن تعلم أن من حقك إذا أردت

أن تقضي في الجملة بمجاز أو حقيقة، أن تنظر إليها من جهتين:

إحداهما أن تنظر إلى ما وقع بها من الإثبات،

أهو في حقه وموضعه، أم قد زال عن الموضع الذي ينبغي

أن يكون فيه

والثانية أن تنظر إلى المعنى المُثْبَت أعني ما وقع عليه

الإثبات كالحياة في قولك أحيا اللَّه زيداً،

والشيب في قولك أشابَ اللَّه رأسِي، أثابتٌ هو على الحقيقة،

أم قد عُدِل به عنها.


وإذا مُثِّل لك دخول المجاز على الجملة من الطريقين،

عرفت ثَبَاتُها على الحقيقة منهما، فمثالُ ما دخله المجاز

من جهة الإثبات دون المُثْبَت قوله:

"وَشَيَّبَ أيّامُ الفِرَاق مَفارِقِي وأَنْشَزْنَ نَفْسي فوق حَيْثُ تكونُ"

وقوله: "أَشَابَ الصغيرَ وأَفْنَى الكبي رَ كَرُّ الغَدَاةِ ومَرُّ العَشِي"

المجاز واقعٌ في إثبات الشيب فعلاً للأيام ولكرّ الليالي،

وهو الذي أُزيل عن موضعه الذي ينبغي أن يكون فيه،

لأن من حق هذا الإثبات، أعني إثبات الشَّيب فعلاً،

أن لا يكون إلا مع أسماء اللّه تعالى،

فليس يصحّ وجود الشيب فعلاً لغير القديم سبحانه،

وقد وُجٍّه في البيتين كما ترى إلى الأيام وكرّ الليالي،

وذلك ما لا يُثَبت له فعلٌ بوجهٍ، لا الشيبُ ولا غيرُ الشيب،

وأما المُثْبَت فلم يقع فيه مجاز، لأنه الشيب وهو موجود كما ترى،

وهكذا إذا قلت سرَّنى الخبر وسرَّنى لقاؤك،

فالمجاز في الإثبات دون المثبَت، لأن المثبَت هو السرور،

وهو حاصل على حقيقته، ومثال ما دخل المجازُ في مُثبته دون إثباته،

قوله عز وجل:

"أوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ" "الأنعام: 221"،

وذلك أن المعنى - واللّه أعلم - على أن جُعل العلمُ والهُدَى

والحكمة حياة للقلوب، على حدِّ قوله عز وجل:

"وَكَذَلِكَ أوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحاً مِنْ أمْرِنَا" "الشورى: 25"،

فالمجاز في المُثْبَت وهو الحياة، فأما الإثبات فواقع على حقيقته،

لأنه ينصرف إلى أن الهدى والعلم والحكمة فَضْلٌ من اللّه

وكائنٌ من عنده، ومن الواضح في ذلك قوله عز وجل:

"فَأحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا" "فاطر:9"،

وقوله: "إنَّ الَّذِي أحْيَاهَا لَمُحْيِي المَوْتَى" "فصلت: 39"،

جعل خُضرة الأَرْض ونَضْرتها وبَهْجتها بما يُظهره اللَّه تعالى

فيها من النَّبات والأَنْوار والأَزْهار وعجائب الصنع، حياةً لها،

فكان ذلك مجازاً في المُثبَت، من حيث جعل ما ليس بحياةٍ حياةً على التشبيه،

فأَما نفس الإثبات فمحضُ الحقيقة،

لأنه إثباتٌ لما ضرب الحياة مثلاً له فعلاً للَّه تعالى،

لا حقيقةَ أحقّ من ذلك، وقد يُتَصوَّر أن يدخل المجاز الجملةَ

من الطريقين جميعاً، وذلك أنْ يُشبَّه معنًى بمعنًى وصفةٌ بصفةٍ،

فيستعار لهذه اسمُ تلك، ثم تُثبَت فعلاً لما لا يصحّ الفِعْل منه،

أو فعلُ تلك الصفة، فيكون أيضاً في كل واحد من الإثبات والمثبَت مجازٌ،

كقول الرجل لصاحبه أحيَتْني رؤيتُك، يريد آنسَتْني وسَرَّتْنِي ونحوه،

فقد جعل الأُنس والمسرَّة الحاصلةَ بالرؤية حياةً أوَّلاً،

ثم جعل الرؤية فاعلةً لتلك الحياة، وشبيهٌ به قول المتنبي:

وتُحيى لَهُ المالَ الصَّوارِمُ والقَنَا ** ويقتلُ ما تُحيي التَّبسُّمُ والجَـدَا


جعل الزيادة والوفور حياةً في المال، وتفريقه في العطاء قتلاً،

ثم أثبتَ الحياة فعلاً للصوارم، والقتل فعلاً للتبسم،

مع العلم بأنَّ الفعل لا يصحُّ منهما،

ونوع منه أهْلَكَ النَّاسَ الدينارُ والدرهمُ، جعل الفتنة هلاكاً على المجاز،

ثم أثبت الهلاك فعلاً للدينار والدرهم، وليسا مما يفعلان فاعرفه.



وإذ قد تبيّن لك المنهاج في الفرق بين دخول المجاز في الإثبات،

وبين دخوله في المثبَت، وبين أن ينتظمهما عرفتَ الصورة في الجميع،

فاعلم أنه إذا وقع في الإثبات فهو متلقى من العقل،

وإذا عرض في المُثْبَت فهو متلقّى من اللغة،

فإن طلبتَ الحجّةَ على صحة هذه الدَّعوى،

فإنَّ فيما قدّمتُ من القول ما يُبيّنها لك،

ويختصر لك الطريق إلى معرفتها،

وذلك أن الإثبات إذا كان من شرطه أن يقيَّد مرَّتين كقولك:

إثبات شيء لشيء، ولزم من ذلك أن لا يحصل إلا بالجملة

التي هي تأليف بين حديث ومحدَّث عنه، ومسنَد ومُسنَد إليه،

علمتَ أن مأخذَه العقل، وأنه القاضي فيه دون اللغة،

لأن اللغة لم تأت لتحكُمَ بحُكم أو لتُثْبت وتنفي، وتَنْقُض وتُبرم،

فالحكم بأَن الضَّرب فعل لزيد، أو ليس بفعل له،

وأن المرضَ صفةٌ له، أو ليس بصفة له،

شيءٌ يضعه المتكلم ودَعْوى يدَّعيها،

ومَا يعترض على هذه الدعوى من تصديق أو تكذيب،

واعتراف أو إنكار، وتصحيح أو إفساد،

فهو اعتراض على المتكلِّم، وليس اللغة من ذلك بسبيل،

ولا منه في قليلٍ ولا كثيرٍ.


وإذا كان كذلك كان كلُّ وصف يستحقُّه هذا الحكمُ من صحة وفَساد،

وحقيقة ومجاز، واحتمال واستحالة،

فالمرجع فيه والوجهُ إلى العقل المحض وليس للغة فيه حظٌّ،

فلا تُحْلَى ولا تُمِرُّ، والعربيّ فيه كالعجميّ،

والعجميّ كالتركيّ،

لأن قضايا العقول هي القواعدُ والأُسُس التي يُبنى غيرها عليها،

والأصولُ التي يُرَدُّ ماسواها إليها،

فأما إذا كان المجاز في المُثْبَت كنحو قوله تعالى:

"فَأحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ" "سورة فاطر: 9"،

فإنما كان مأخذُه اللغة،

لأجل أنّ طريقةَ المجاز بأنْ أُجْرِيَ اسمُ الحياة على ما ليس بحياة،

تشبيهاً وتمثيلاً،

ثم اشتُقّ منها - وهي في هذا التقدير - الفِعْلُ الذي هو أحيا،

واللغة هي التي اقتضتْ أن تكون الحياة

اسماً للصِّفة التي هي ضدُّ الموت،

فإذا تُجُوّز في الاسم فأُجري على غيرها، فالحديثُ مع اللغة فاعرفه.



إن قال قائلٌ في أصل الكلام الذي وضعتُه على

أن المجاز يقع تارة في الإثبات، وتارة في المُثْبَت،

وأنه إذا وقع في الإثبات فهو طالع عليك من جهة العقل،

وبادٍ لك من أُفُقِهِ وإذا عرض في المُثَبت فهو آتيك من ناحية اللغة:

ما قولكم إن سَوَّيتُ بين المسألتين،

وادَّعيت أن المجاز بينهما جميعاً في المثبَت وأُنزِّل هكذا فأقول:

الفِعْل الذي هو مصدر فَعَلَ قد وُضع في اللغة للتأثير في وجود الحادث،

كما أن الحياة موضوعة للصفة المعلومة،

فإذا قيل فَعَلَ الرَّبيع النّوْرَ،

جُعِلَ تعلُّقُ النَّور في الوجود بالربيع من طريق السَّبب والعادة فعلاً،

كما تجعَل خُضرة الأرض وبهجتها حياةً،

والعلم في قلب المؤمن نُوراً وحياة، وإذا كان كذلك،

كان المجاز في أن جعل ما ليس بفعل فعلاً،

وأُطلق اسم الفعل على غير ما وُضع له في اللغة،

كما جعل ماليس بحياة حياةً وأجري اسمها عليه،

فإذا كان ذلك مجازاً لغويّاً فينبغي أن يكون هذا كذلك.


فالجواب إنّ الذي يدفع هذه الشبهة،

أن تنظر إلى مدخل المجاز في المسألتين،

فإن كان مدخلهما من جانب واحدٍ، فالأمر كما ظننتَ،

وإن لم يكن كذلك استبان لك الخطأ في ظنّك،

والذي بيّن اختلاف دخوله فيهما، أنك تحصُل على المجاز

في مسألة الفعل بالإضافة لا بنفس الاسم،

فلو قلت: أثبتُّ النَّوْرَ فعلاً لم تقع في مجاز،

لأنه فعلٌ للَّه تعالى،

وإنما تصير إلى المجاز إذا قلت: أثبتُّ النَّوْرَ فعلاً للربيع،

وأما في مسألة الحياة، فإنك تحصل على المجاز بإطلاق

الاسم فحَسْبُ من غير إضافة،

وذلك قولك أثبتَ بهجةَ الأرض حياةً أو جعلها حياةً،

أفلا ترى المجاز قد ظهر لك في الحياة من غير أن أضفتها

إلى شيء، أي من غير أن قلت لكذا.


وهكذا إذا عبَّرت بالنفس، تقول في مسألة الفعل:

جعل ما ليس بفعلٍ للربيع فعلاً له، وتقول في هذه:

جعل ما ليس بحياة حياةً وتسكت، ولا تحتاج أن تقول:

جعل ما ليس بحياةٍ للأرض حياة للأرض، بل لا معنى لهذا الكلام،

لأن يقتضي أنك أضفت حياةً حقيقةً إلى الأرض،

وجعلتها مثلاً تحيا بحياة غيرها، وذلك بيّنُ الإحالة،

ومن حقِّ المسائل الدقيقة أن تُتأمَّل فيها العباراتُ

التي تجري بين السائل والمجيب، وتُحَقَّق،

فإنّ ذلك يكشف عن الغَرض، ويبيّن جهة الغلط،

وقولك جعل ما ليس بفعل فعلاً احتذاءً لقولنا جعل

ما ليس بحياة حياة لا يصحّ - لأن معنى هذه العبارة

أن يراد بالاسم غير معناه لشَبَهٍ يُدَّعَى أو شيءٍ كالشبه،

لا أن يعطَّل الاسم من الفائدة، فَيُرَاد بها ما ليس بمعقول .



فنحن إذاتجوّزنا في الحياة، فأردنا بها العلم،

فقد أَوْدَعْنا الاسم معنىً، وأردنا به صفةً معقولةً

كالحياة نفسها ولا يمكنك أن تشير في قولك:

فعل الربيع النَّوْرَ، إلى معنًى تزعُم أن لفظ الفعل يُنقَل

عن معناه إليه، فيرادُ به، حتى يكون ذلك المعنى معقولاً منه،

كما عُقل التأثير في الوجود،

وحتى تقول لم أرد به التأثير في الوجود،

ولكن أردت المعنى الفلانيّ الذي هو شبيهٌ به أو كالشبيه،

أو ليس بشبيه مثلاً، إلا أنه معنًى خَلَفَ معنى آخر على الاسم،

إذ ليس وجود النور بعقب المطر، أو في زمان دون زمان،

مما يعطيك معنًى في المطر أو في الزمان،

فتُريدُه بلفظ الفعل، فليس إلا أن تقول:

لما كان النَّوْر لا يوجد إلا بوجود الربيع،

تُوُهّم للربيع تأثيرٌ في وجوده، فأَثبتُّ له ذلك،

وإثبات الحكم أو الوصف لما ليس له قضيّةٌ عقلية،

لا تعلُّق لها في صحّةٍ وفسادٍ باللغة فاعرفه.


ومما يجب ضبطُه في هذا الباب أن كل حكم يجب في العقل

وجوباً حتى لا يجوز خلافه،

فإضافتُه إلى دِلالة اللَّغة وجعلُه مشروطاً فيها،

محالٌ لأن اللغة تجري مجرى العلامات والسِّمات،

ولا معنى للعلامة والسِّمة حتى يحتمل الشيءُ ما جعلت

العلامة دليلاً عليه وخلافَه، فإنما كانت ما مثلاً عَلماً للنفس،

لأن هاهنا نقيضاً له وهو الإثبات،

وهكذا إنما كانت مَنْ لما يعقل، لأن هاهنا ما لا يعقل،

فمن ذهب يدَّعي أن في قولنا: فَعَلَ وصَنَعَ ونحوه دلالةً

من جهة اللغة على القادر، فقد أساء من حيث قصد الإحسان،

لأنه - والعياذُ باللَّه - يقتضي جوازَ أن يكون هاهنا تأثيرٌ

في وجود الحادث لغير القادر، حتى يُحتاج إلى تضمين

اللفظِ الدلالةَ على اختصاصه بالقادر، وذلك خطأٌ عظيم،

فالواجب أن يقال الفعل موضوع للتأثير في وجود الحادث في اللغة،

والعقلُ قد قضى وبَتَّ الحكم بأنْ لا حظَّ في هذا التأثير لغير القادر،

وما يقوله أهلُ النظر من أنّ من لم يعلم الحادث موجوداً

من جهة القادر عليه، فهو لم يعلمه فعلاً لا يخالف هذه الجملة،

بل لا يصحّ حَقّ صحّتِه إلا مع اعتبارها،

وذلك أن الفعل إذا كان موضوعاً للتأثير في وجود الحادث،

وكان العقل قد بيّن بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة

استحالةَ أن يكون لغير القادر تأثير في وجود الحادث،

وأن يقع شيء مما ليس له صفة القادر،

فمن ظَنَّ الشيء واقعاً من غير القادر، فهو لم يعلمه فعلاً،

لأنه لا يكون مستحقّاً هذا الاسم حتى يكون واقعاً من غيره،

ومن نَسَبَ وقوعَه إلى ما لا يصح وقوعه منه،

ولا يُتَصوَّر أن يكون له تأثير في وجوده وخروجه من العدم،

فلم يعلمه واقعاً من شيء ألبتة،

وإذا لم يعلمه واقعاً من شيء، لم يعلمه فعلاً،

كما أنه إذا لم يعلمه كائناً بعد أن لم يكن،

لم يعلمه واقعاً ولا حادثاً فاعرفه.



واعلم أنك إن أردت أن ترى المجاز وقد وقع في نفس الفعل والخلق،

ولحقهما من حيثُ هما لا إثباتُهما، وإضافتُهما،

فالمثال في ذلك قولهم في الرجل يُشْفِي على هلَكة

ثم يتخلّص منها هو إنما خُلِق الآن وإنما أُنشئ اليوم

وقد عُدِم ثم أُنشئ نشأةً ثانية، وذلك أنك تُثبت هاهنا خلقاً وإنشاءً،

من غير أن يُعقَل ثابتاً على الحقيقة، بل على تأويل وتنزيلٍ،

وهو أنْ جعلتَ حالة إشفائه على الهلكة عدماً وفناءً

وخروجاً من الوجود،

حتى أنتج هذا التقديرُ أن يكون خلاصه منها ابتداءَ وجودٍ وخلقاً وإنشاءً،

أفيمكنك أن تقول في نحو: فعل الربيع النَّوْر بمثل هذا التأويل،

فتزعُمَ أنك أثبتَّ فعلاً وقع على النَّوْر من غير أن كان ثَمَّ فعلٌ،

ومن غير أن يكون النَّور مفعولاً?

أو هو مما يَتَعَوَّذ باللَّه منه،

وتقول الفعل واقعٌ على النَّور حقيقةً، وهو مفعولُ مجهولٍ على الصِّحة،

إلا أن حقّ الفعل فيه أن يُثْبَتَ للَّه تعالى، وقد تُجُوِّزَ بإثباته للربيع؛

أفليس قد بان أن التجوُّز هاهنا في إثبات الفعل للربيع

لا في الفعل نفسه، فإن التجوُّز في مسألة المتخلِّص

من الهلكة حيث قلت: إنه خُلق مرةً ثانية في الفعل نفسه،

لا في إثباته?

فلكَ كيف نظرتَ فرقٌ بين المجاز في الإثبات، وبينه في المثبَت،

وينبغي أن تعلم أن قولي في المثبَت مجازٌ،

ليس مرادي أن فيه مجازاً من حيث هو مُثبَت،

ولكن المعنى أن المجاز في نفس الشيء الذي تَناوَله الإثبات

نحو أنك أثبتَّ الحياة صفةً للأرض في قوله تعالى:

"يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا" "سورة الحديد: 17"،

والمراد غيرها، فكان المجازُ في نفس الحياة لا في إثباتها

هذا وإذا كان لا يُتصوَّر إثبات شيء لا لشيء،

استحال أن يوصف المُثْبَت من حيث هو مُثْبَت بأنه مجاز أو حقيقة.



ومما ينتهي في البيان إلى الغاية أن يقال للسائل

هَبْك تُغالطنا بأن مصدر فَعَلَ نُقل أوَّلاً من موضعه في اللغة،

ثم اشتُقَّ منه، فقلْ لنا ما نصنع بالأفعال المشتقَّة من معانٍ خاصّة،

كَنَسَجَ، وصَاغ، ووَشَّى،

ونَقَشَ أتقول إذا قيل نَسَجَ الربيعُ وصاغ الربيعُ ووَشَّى:

إن المجاز في مصادر هذه الأفعال التي هي النَّسج والوَشْي والصّوْغ،

أم تعترف أنه في إثباتها فعلاً للربيع،

وكيف تقول إن في أنفُسِها مجازاً، وهي موجودةُ بحقيقتها،

بل ماذا يُغني عنك دَعوى المجاز فيها، لو أمكنك،

ولا يمكنك أن تقتصر عليها في كونِ الكلام مجازاً

- أعني لا يمكنك أن تقول:

إن الكلاممجازٌ من حيث لم يكن ائتلاف تلك الأنوار نسجاً ووشياً،

وتدَعَ حديثَ نسبتها إلى الربيع جانباً.



هذا وهاهنا مالا وجه لك لدعوى المجاز في مصدر الفعل

منه كقولك: سَرَّني الخبر، فإن السرور بحقيقته موجود،

والكلام مع ذلك مجازٌ، وإذا كان كذلك،

علمتَ ضرورةً ليس المجاز إلاّ في إثبات السرور فعلاً للخبر،

وإيهامِ أنه أثّر في حدوثه وحصوله،

ويَعلم كلّ عاقلٍ أن المجاز لو كان من طريق اللغة،

لجُعِل ما ليس بالسرور سروراً، فأمّا الحكم بأنه فعل للخبر،

فلا يجري في وَهْمٍ أنه يكون من اللغة بسبيل فاعرفه.


فإن قال النسجُ فعلُ معنًى، وهو المضامّة بين أشياء،

وكذلك الصَّوْغُ فعلُ الصورة في الفضّة ونحوها،

وإذا كان كذلك، قدّرتُ أن لفظ الصَّوغ مجازٌ من حيث دلَّ

على الفعل والتأثير في الوجود، حقيقةٌ من حيث دلَّ على الصُّورة،

كما قدّرتَ أنت في أحيا اللَّه الأرض،

أنّ أحيا من حيث دلّ على معنى فَعَلَ حقيقةٌ،

ومن حيث دلّ على الحياة مجازٌ،

قيل ليس لك أن تجِىء إلى لفظِ أمرين،

فتفرِّق دلالته وتجعله منقولاً عن أصله في أحدهما دون الآخر،

لو جاز هذا لجاز أن تقول في اللطم الذي هو ضرب باليد،

أنه يُجعلُ مجازاً من حيث هو ضربٌ، وحقيقةً من حيث هو باليد،

وذلك محالٌ - لأن كون الضرب باليد لا ينفصل عن الضرب،

فكذلك كون الفعل فعلاً للصورة لا ينفصل عن الصورة،

وليس الأمر كذلك في قولنا أحيا اللَّه الأرض،



فصل


قال أبو القاسم الآمدي في قول البحتري:

فَصَاغَ ما صاغ من تِبْرٍ ومن وَرِقٍ ** وحَاكَ ما حاكَ من وَشْي وديبـاجٍ


صوغُ الغيثِ النبتَ وحَوْكُه النباتَ، ليسَ باستعارة بل هو حقيقة،

ولذلك لا يقال هو صائغ ولا كأنه صائغ وكذلك لا يقال:

حائك وكأنه حائك، على أن لفظة حائك خاصَّةً في غاية الركاكة،

إذا أُخرج على ما أخرجه عليه أبو تمام في قوله:

إذا الغَيْثُ غَادَى نَسْجَهُ خِلْتَ أنّـه ** خَلَتْ حِقَبٌ حَرْسٌ له وهو حائكُ


وهذا قبيح جدّاً، والذي قاله البحتري: وحاك ما حاك،

حَسَنٌ مستعمل، فانظر ما بين الكلامين لتعلم ما بين الرَّجُلين.


قد كتبت هذا الفصل على وجهه،

والمقصود منه منعُه أن تُطلَق الاستعارة على الصوغ والحوك،

وقد جُعلا فعلاً للربيع، واستدلالُه على ذلك بامتناع أن يقال:

كأنه صائغ وكأنه حائك. اعلم أن هذا الاستدلال كأحسن ما يكون،

إلا أن الفائدة تَتِمُّ بأَن تُبيَّن جهته، ومن أين كان كذلك?

والقول فيه: إن التشبيه كما لا يخفى يقتضي شيئين مشبَّهاً ومشبَّهاً به،

ثم ينقسم إلى الصريح وغير الصريح، فالصريح أن تقول:

كأنّ زيداً الأسد، فتذكر كل واحد من المشبَّه والمشبهَه به باسمه

- وغيرُ الصريح أن تُسقطَ المشبَّه به من الذكر،

وتُجرِيَ اسمه على المشبَّه كقولك: رأيتُ أسداً،

تريد رجلاً شبيهاً بالأسد، إلا أنك تُعيره اسمه مبالغةً وإيهاماً

أنْ لا فصلَ بينه وبين الأسد، وأنه قد استحال إلى الأسدية،

فإذا كان الأمر كذلك وأنت تشبّه شخصاً بشخص،

فإنك إذا شبّهت فعلاً بفعل كان هذا حكمه،

فأنت تقول مرة كأن تزيينَه لِكلامه نظْمُ درّ، فتصرّح بالمشبَّه والمشبَّه به،

وتقول أخرى: إنما يَنْظِم دُرّاً، تجعله كأنه ناظمٌ دُرّاً على الحقيقة.



وتقول في وصف الفرس كأن سيرَهُ سِباحة،

وكأن جريه طيرانُ طائر، هذا إذا صرّحتَ،

وإذا أخفيتَ واستعرتَ قلت: يسبح براكبه، ويطير بفارسه،

فتجعل حركته سباحةً وطيراناً.



ومن لَطيف ذلك ما كان كقول أبي دُلامة يصف بغلته:

أرَى الشهباءَ تَعْجِنُ إذْ غَدْونا ** برِجلَيها وتخبِزُ بالـيمـينِ

شبّه حركة رجليها حين لم تُثبتهما على موضع تعتمد بهما

عليه وَهَوَتَا ذاهبتين نحو يديها، بحركة يدي العاجن،

فإنه لا يُثبت اليد في موضع، بل يُزِلّها إلى قُدّام،

وتَزِلّ من عند نفسها لرَخَاوة العجين -

وشبَّه حركة يديها بحركة يد الخابز،

من حيث كان الخابزُ يثني يدَه نحو بَطْنه، ويُحدث فيها ضرباً من التقويس،

كما تجد في يد الدابّة إذا اضطربت في سيرها،

ولم تَقِفْ على ضبط يديها، ولن ترمي بها إلى قُدّام،

ولن تشدَّ اعتمادها، حتى تثبُت في الموضع الذي تقع

عليه فلا تزول عنه ولا تنثني وأعود إلى المقصود،

فإذا كان لا تشبيهَ حتى يكون معك شيئان،

وكان معنى الاستعارة أن تُعِير المشبَّه لفظ المشبَّه به،

ولم يكن معنا في صاغ الربيعُ أو حاك الربيعُ إلا شيء واحدٌ،

وهو الصَّوْغ أو الحَوْك،

كان تقدير الاستعارة فيه محالاً جارياً مجرى أن تشبّه الشيء بنفسه،

وتجعل اسمَهُ عاريَّة فيه، وذلك بيّنُ الفساد،

فإن قلت: أليس الكلام على الجملة معقوداً على تشبيهِ الربيع بالقادر،

في تعلُّق وجود الصوغ والنسج به?

فكيف لم يَجُزْ دخول كأنّ في الكلام من هذه الجهة.



فإن هذا التشبيه ليس هو التشبيه الذي يُعقَد في الكلام

ويُفادُ بكأن والكاف ونحوهما، وإنما هو عبارة عن الجهة

التي راعاها المتكلم حين أَعْطَى الربيع حكم القادر في إسناد الفعل إليه،

وِزَانُه وِزَانُ قولنا: إنهم يشبّهون ما بليس،

فيرفعون بها المبتدأ وينصبون بها الخبر فيقولون:

ما زيدٌ منطلقاً، كما يقولون: ليس زيد منطلقاً،

فنُخبر عن تقديرٍ قدّروه في نفوسهم، وجهةٍ راعَوْها

في إعطاء ما حكم ليس في العمل، فكما لا يُتصوَّر أن يكون قولنا:

ما زيد منطلقاً، تشبيهاً على حدّ كأَنَّ زيداً الأسد،

كذلك لا يكون صاغ الربيعُ من التشبيه،

فكلامنا إذَن في تشبيه مَقُولٍ منطوقٍ به،

وأنت في تشبيه معقولٍ غيرِ داخلٍ في النطق،

هذا وإن يكن هاهنا تشبيهٌ، فهو في الربيع لا في الفعل المُسْنَد إليه،

واختلافنا في صاغ وحاك هل يكون تشبيهاً واستعارة أم لا؛

فلا يلتقي التشبيهان، أو يلتقي المُشئِم والمُعرِقُ.



وهذا هو القولُ علي الجملة إذا كانت حقيقةً أو مجازاً،

وكيف وَجْهُ الحدِّ فيها فكلُّ جملة وضعتَها على أن

الحكمَ المُفادَ بها على ما هو عليه في العقل،

وواقعٌ موقعَه منه، فهي حقيقةٌ،

ولن تكون كذلك حتى تَعْرَى من التأوُّل،

ولا فصل بين أن تكون مصيباً فيما أفدتَ بها من الحكم

أو مخطئاً وصادقاً أو غير صادقٍ، فمثال وقوع الحكم

المفادِ موقعه من العقل على الصحة واليقين والقطع قولنا:

خلق اللَّه تعالى الخلق، وأَنشأَ العالم، وأوجدَ كل موجودٍ سواه،

فهذه من أحقّ الحقائق وأرسخها في العقول،

وأقعدِها نسباً في العقول،

والتي إن رُمْتَ أن تغيب عنها غِبتَ عن عقلك،

ومتى هَمَمْتَ بالتوقُّف في ثبوتها استولى النَّفْي على معقولك،

ووَجَدْتَك كالمرميِّ به من حالق إلى حيث لا مقرّ لقَدَم،

ولامساغ لتأخُّر وتقدُّم، كما قال أصدق القائلين جَلَّت أسماؤه،

وعظمت كبرياؤه:

"وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ

الطَّيْرُ أْو تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ" "الحج: 31"،

وأمَّا مثالُ أن توضع الجملة على أن الحكم المُفَاد

بها واقعٌ موقعَه من العقل، وليس كذلك،

إلا أنه صادِرٌ من اعتقادٍ فاسدٍ وظنّ كاذب،

فمثلُ ما يجيء في التنزيل من الحكاية عن الكفار نحو:

"وَمَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ" "الجاثية: 24"،

فهذا ونحوه من حيث لم يتكلم به قائله على أنَّه متأوّلٌ،

بل أطلقه بجهله وعماه إطلاقَ مَنْ يضع الصِّفة في موضعها،

لا يُوصف بالمجاز، ولكن يقال عند قائله أنه حقيقة،

وهو كذبٌ وباطلٌ، وإثباتٌ لما ليس بثابت،

أو نَفْيٌ لما ليس بمنتفٍ، وحكمٌ لا يصحّحه العقل في الجملة،

بل يردُّه ويدفعُه، إلاّ أن قائله جَهِلَ مكان الكذبِ والبطلانِ فيه،

أو جَحَد وباهَتَ، ولا يتخلَّص لك الفصلُ بين الباطل وبين المجاز،

حتى تعرف حدَّ المجاز،

وحدُّه أنّ كلّ جملة أَخرجتَ الحكم المُفَادَ بها عن موضعه

من العقل لضربٍ من التأوُّل، فهي مجاز،

ومثاله ما مضى من قولهم: فَعَلَ الربيع،

وكما جاء في الخبر إنّ ممَّا يُنبِتُ الربيعُ ما يَقْتلُ حَبَطاً أو يُلِمُّ،

قد أثبت الإنبات للربيع، وذلك خارج عن موضعه من العقل،

لأن إثبات الفعل لغير القادر لا يصحُّ في قضايا العقول،

إلاّ أن ذلك على سبيل التأوُّل، وعلى العُرْف الجاري بين الناس،

أن يجعلوا الشيء،

إذا كان سبباً أو كالسبب في وجود الفعل من فاعله،

كأنه فاعل، فلما أجرى اللّه سبحانه العادةَ وأنفذَ القضِيَّة

أن تُورق الأشجارُ، وتظهر الأنْوار، وتلبس

الأرض ثوب شبَابِها في زمان الربيع،

صار يُتوهَّم في ظاهر الأمرِ ومجرى العادة،

كأنّ لوجود هذه الأشياء حاجةً إلى الربيع،

فأسند الفِعلَ إليه على هذا التأوُّل والتنزيل.



وهذا الضرب من المجاز كثير في القرآن،

فمنه قوله تعالى: "تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّهَا" "إبْرَاهيم: 25"،

وقوله عزَّ اسمه: "وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَاناً" "الأنفال: 2"،

وفي الأخرى: "فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذِهِ إيمَاناً" "التوبة: 124"،

وقوله: "وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا" "الزلزلة: 2"،

وقوله عز وجل: "حَتَّى إذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّت" "الأعراف: 57"،

أثبتَ الفعلَ في جميع ذلك لما لا يثبُت له فعلٌ إذا رجعْنَا إلى المعقول،

على مَعْنى السَّبب، وإلاّ فمعلومٌ أن النخلة ليست تُحدث الأُكُل،

ولا الآياتُ تُوجد العلم في قلب السامع لها،

ولا الأرضُ تُخرج الكامن في بطنها من الأثقال،

ولكن إذا حَدَثت فيها الحركةُ بقدرة اللَّه، ظهر ما كُنِزَ فيها وأُودِع جوفهَا،

وإذا ثبت ذلك فالمبطِلُ والكاذبُ لايتأوَّل في إخراج الحكم

عن موضعه وإعطائه غير المستحق،

ولا يشبه كونَ المقصود سبباً بكَوْن الفاعل فاعلاً،

بل يُثبت القضية من غير أن ينظرَ فيها من شيءٍ إلى شيءٍ،

ويردَّ فرعاً إلى أصل، وتراه أعمى أكمهَ يظنّ ما لا يصحُّ صحيحاً،

وما لا يثبُت ثابتاً، وما ليس في موضعه من الحكم موضوعاً موضعه،

وهكذا المتعمِّد للكذب يدّعي أن الأمر على

ما وضعه تلبيساَ وتمويهاً، وليس هو من التأوُّيل في شيء.



والنكتةُ أن المجاز لم يكن مجازاً لأنه إثبات الحكم لغير مستحقّه

، بل لأنه أثبت لما لا يستحق، تشبيهاً وردّاً له إلى ما يستحقّ ،

وأنه ينظر من هذا إلى ذاك، وإثباتُه ما أثبت للفرع

الذي ليس بمستحقّ، ويتضمَّن الإثباتَ للأصل الذي هو المستحقّ،

فلا يُتصَوَّر الجمع بين شيئين في وصفٍ أو حكم من طريق التشبيه والتأويل،

حتى يُبْدَأ بالأصل في إثبات ذلك الوصف والحكم له،

ألا تراك لا تقدِرُ على أن تشبّهَ الرجل بالأسد في الشجاعة،

ما لم تجعل كونَها من أخصّ أوصاف الأسد وأغلبها عليه

نَصْبَ عينيك وكذلك لا يُتَصوَّر أن يُثبت المثبتُ الفعلَ للشىء

على أنه سببٌ، ما لم ينظر إلى ما هو راسخ في العَقْل

من أن لا فِعْل على الحقيقة إلا للقادر، لأنه لو كان نَسَبَ

الفعلَ إلى هذا السبب نسبةً مطلقةً - لا يرجع فيها إلى الحكم القادر،

والجمع بينهما من حيث تعلّق وجوده بهذا السبب من طريق العادة،

كما يتعلق بالقادر من طريق الوجوب

- لما اعترف بأنه سببٌ، ولادّعى أنه أصلٌ بنفسه،

مؤثّر في وجود الحادث كالقادر،

وإن تجَاهَلَ متجاهلٌ فقال بذلك - على ظهور الفضيحة

وإسراعها إلى مدَّعيه - كان الكلام عنده حقيقةً،

ولم يكن من مسألتنا في شيء، ولحقَ بنحو قول الكُفَار:

"وَمَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ" "الجاثية: 24"،

وليس ذلك المقصودَ في مسألتنا، لأن الغرض هاهنا

ما وَضَعَ فيه الحكمَ واضعُه على طريق التأوُّل فاعرفه.



ومن أوضح ما يدّل على أنّ إثبات الفعل للشيء

على أنه سببٌ يتضمّن إثباتَه للمسبِّب،

من حيث لا يُتصوَّر دون تصوُّره،

أن تنظر إلى الأفعال المسنَدة إلى الأدوات والآلات،

كقولك قطع السكِّين وقَتل السيف،

فإنك تعلم أنه لا يقع في النفس من هذا الإثبات صورةٌ،

ما لم تنظر إلى إثبات الفعل للمُعْمِل الأدَاة والفاعِل بها،

فلو فرضت أن لا يكون هاهنا قاطع بالسكِّين ومصرِّفٌ لها،

أعياك أن تعقل من قولك قطع السكين معنى بوجه من الوجوه،

وهذا من الوضوح، بحيث لا يشكّ عاقل فيه.



وهذه الأفعال المسنَدة إلى من تقع تلك الأفعال بأمره،

كقولك: ضَرَبَ الأمير الدرهم وبَنَى السُّور،

لا تقوم في نفسك صورةٌ لإثبات الضّرْب والبِناء فعلاً للأمير،

بمعنى الأمرِ به، حتى تنظر إلى ثبوتهما للمباشر لهما على الحقيقة،

والأمثلة في هذا المعنى كثيرة تتلّقاك من كل جهة،

وتجدها أنَّى شئتَ.

واعلم أنه لا يجوز الحكم على الجملة

بأنها مجازٌ إلا بأحدِ أمرين: فإمَّا أنه يكون الشيء

الذي أُثبت له الفعل مما لا يدّعي أحدٌ من المحقِّين

والمبطلين أن مما يصحّ أن يكون له تأثيرٌ في وجود

المعنى الذي أُثبت له، وذلك نحو قول الرجل:

محبَّتُك جاءَتْ بي إليك، وكقول عمرو بن العاص

في ذكر الكلمات التي استحسنها: هُنَّ مُخْرِجاتي من الشأم،

فهذا ما لا يشتبه على أحد أنّه مجاز.



وإمَّا أنه يكون قد عُلم من اعتقاد المتكلِّم أنه لا يُثبت الفعل

إلا للقادر، وأنه ممن لا يعتقد الاعتقادات الفاسدة،

كنحو ما قاله المشركون وظَنّوه من ثُبوت الهلاكِ فعلاً للدهر،

فإذا سمعنا نحو قوله:

أشاب الصغيرَ وأَفْنَى الكبيـ ** ـرَ كرُّ الغَداة ومرُّ العَشِي

وقولِ ذي الإِصبع:

أهْلَكَنَا الليلُ والنهارُ مَـعًـا ** والدَّهْرُ يَعْدُو مُصمِّماً جَذَعَا


كان طريق الحكم عليه بالمجاز، أن تعلم اعتقادَهم التوحيدَ،

إما بمعرفة أحوالهم السابقة،

أو بأن تجد في كلامهم من بَعْدِ إطلاق هذا النحو،

ما يكشف عن قصد المجاز فيه، كنحو ما صَنَع أبو النجم،

فإنه قال أوّلاً:

قَدْ أصبحَتْ أمُّ الخِـيارِ تَـدَّعـي عليَّ ذَنْباً كـلُّـه لـم أَصْـنـعِ

مِن أنْ رأت رأسِي كرأسِ الأصْلِع مَيَّزَ عنه قُنْزُعًـا عـن قُـنْـزُعِ

مرُّ الليالي أبْطئي أو أسـرعِـي

فهذا على المجاز وجعلِ الفعل للَّيالي ومرورها،

إلاّ أنه خفيٌّ غير بادي الصفحة،

ثم فَسّر وكشَف عن وجه التأوُّل وأفاد أنه بنى أول

كلامه على التخيُّل فقال:

أَفْنَاه قِيلُ اللّه للشمس اطلُعي ** حَتَّى إذا واراكِ أُفْقٌ فارجعي


فبيَّن أن الفعل للَّه تعالى، وأنه المعيد والمبدي، والمنشئ والمفني،

لأنّ المعنى في قِيل اللَّه، أمر اللَّه،

وإذا جعل الفناءَ بأمره فقد صرّح بالحقيقة وبيّن ما كان

عليه من الطريقة. واعلم أنه لا يصحّ أن يكون قول الكُفَّار:

"وَمَا يُهْلِكُنَا إلاّ الدَّهرُ"، ومن باب التأويل والمجاز،

وأن يكون الإنكار عليهم من جهة ظاهر اللفظ،

وأنّ فيه إيهامًا للخطأ، كيف وقد قال تعالى بعقب الحكاية عنهم:

"وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إنْ هُمْ إلاَ يَظُنُّونَ" "سورة الجاثية: 24"،

والمتجوِّز أو المخطئ في العبارة لا يوصف بالظن،

إنّما الظانّ من يعتقد أن الأمر على ما قاله وكما

يوجبه ظاهر كلامه، وكيف يجوز أن يكون الإنكار

من طريق إطلاق اللفظ دون إثبات الدهر فاعلاً للهلاك،

وأنت ترى في نصّ القرآن ما جرى فيه اللفظ على

إضافة فعل الهلاكِ إلى الريح مع استحالة أن تكون فاعلةً،

وذلك قوله عز وجل: "مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا

كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ"

"آل عمران:117"،

وأمثال ذلك كثير ومَن قدح في المجاز،

وهمَّ أن يصفَه بغير الصدق، فقد خَبَط خَبْطاً عظيماً،

ويَهْرِفُ بما لا يخفى، ولو لم يجب البحث عن حقيقة المجاز والعناية به،

حتى تُحصَّل ضروبه، وتُضبَط أقسامه، إلا للسلامة من مثل هذه المقالة،

والخلاص ممَّا نحا نحوَ هذه الشُّبْهة،

لكان من حقّ العاقل أن يَتَوفَّر عليه، ويصرف العناية إليه،

فكيف وبطالبِ الدِّين حاجةٌ مَاسَّةٌ إليه من جهات يطول عدُّها،

وللشيطان من جانب الجهلِ به مداخلُ خفَّيةٌ يأتيهم منها،

فيسرق دِينَهُم من حيث لا يشعرون،

ويُلقيهم في الضلالة من حيث ظنّوا أنهم يهتدون?

وقد اقتسمهم البلاء فيه من جانبى الإفراط والتفريط،

فمن مغرورٍ مُغرىً بَنَفْيِه دَفعة، والبراءة منه جملة،

يشمئزُّ من ذكره، وينبُو عن اسمه، يرى أن لزوم الظواهر فرضٌ لازمٌ،

وضرب الخِيام حولَهَا حَتْمٌ واجب، وآخرُ يغلُو فيه ويُفرط،

ويتجاوز حدَّه وَيخبط، فيعدل عن الظاهر والمعنى عليه،

ويَسُوم نفسه التعمُّق في التأويل ولا سببَ يدعو إليه.



أمَّا التفريط فما تجد عليه قوماً في نحو قوله تعالى:

"هَلْ يَنْظُرُون إلاَّ أنْ يَأتِيَهُمُ اللّه" "البقرة: 12"،

وقوله: "وَجَاءَ رَبُّك" "الفجر: 22"،

و: "الرَّحْمن عَلَى العَرْش اسْتَوَى" "طه: 5"،

وأشباه ذلك من النُّبُوِّ عن أقوال أهل التحقيق،

فإذا قيل لهم: الإتيان والمجيء انتقال من مكان إلى مكان،

وصفةٌ من صفات الأجسام، وأن الاستواء

إن حُمل على ظاهره لم يصحّ إلاّ في جسم يشغَل حيِّزاً

ويأخذُ مكاناً، واللَّه عز وجل خالق الأماكن والأزمنة،

ومنشئ كل ما تصحّ عليه الحركة والنُّقلة،

والتمكن والسكون، والانفصال والاتصال،

والمماسَّة والمحاذَاة، وأن المعنى على إلاَّ أن يأتيه

م أمرً اللَّه وجاءَ أمْرُ ربك، وأنّ حقَه أن يعبَّر بقوله تعالى:

"فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَم يَحْتَسِبُوا" "الحشر: 2"،

وقول الرجل: آتيك من حيث لا تشعرُ، يريد أُنزلُ بك المكروه،

وأفعلُ ما يكون جزاءً لسوء صنيعِك، في حال غَفْلةٍ منك،

ومن حيث تأمن حُلولَه بك، وعلى ذلك قوله:

أَتَيْنَاهُم مِن أَيْمَنِ الشِّقِّ عندهُم ** ويَأتِي الشقيَّ الحَيْنُ من حَيْثُ لا يَدْرِي

نعم، إذا قلت ذلك للواحد منهم، رأيته إن أعطاك الوِفاق بلسانه،

فبين جنبيه قلبٌ يترددّ في الحيرة ويتقلّب،

ونفسٌ تَفِرُّ من الصواب وتَهْرُب، وفكرٌ واقف لا يجيء ولا يذهب،

يُحْضِره الطبيبُ بما يُبرئه من دائه،

ويُريه المرشدُ وجه الخلاص من عميائه،

ويأبَى إلا نِفاراً عن العقل، ورجوعاً إلى الجهل،

لا يحضره التوفيق بقَدْر ما يعلم به أنه إذا كان لا يجري

في قوله تعالى: "وَاسْئلِ القَرْيَةَ" "يوسف: 82"،

على الظاهر لأجل علمه أن الجماد لا يُسأَل مع

أنه لو تجاهل متجاهلٌ فادَّعى أن اللَّه تعالى خَلق

الحياة في تلك القرية حتى عَقَلت السؤال، وأجابت عنه ونطقت،

لم يكن قال قولاً يكفر به،

ولم يزِد على شيء يُعلَم كذبه فيه فمن حقّه

أن لا يَجْثِمَ هاهنا على الظاهر، ولا يضرب الحجاب

دون سمعه وبصره حتى لا يعي ولا يُراعى، مع ما فيه،

إذا أُخذ على ظاهره، من التعرض للهلاك والوقوع في الشرك.



فأمَّا الإفراطُ، فما يتعاطاه قوم يُحبُّون الإغراب في التأويل،

ويَحْرِصون على تكثير الوجوه،

وينسَوْن أن احتمال اللفظ شرطٌ في كل ما يُعدَل به عن الظاهر،

فهم يستكرهون الألفاظ على ما لا تُقِلُّه من المعاني،

يَدَعون السليم من المعنى إلى السقيم، ويرون الفائدة

حاضرةً قد أبدت صفحتَها وكشفت قِناعَها، فيُعرضون عنها حُبّاً للتشوُّف،

أو قصداً إلى التمويه وذهاباً في الضلالة.


وليس القصد هاهنا بيان ذلك فأذكر أمثلتَه،

على أن كثيراً من هذا الفنّ مما يُرغَب عن ذكره لسخفه،

وإنما غرضى بما ذكرتُ أن أُرِيَكَ عِظَم الآفة في الجهل

بحقيقة المجاز وتحصيله، وأن الخطأ فيه مُورِّطٌ صاحبَه،

،وفاضحٌ له، ومُسقطٌ قَدْرَه، وجاعله ضُحْكةً يُتفَكَّهُ به،

وكاسِيهِ عاراً يبقى على وجه الدهر،

وفي مثل هذا قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:

"يَحْمِلُ هذا العلمَ من كل خَلَف عُدُولُه،

يَنفون عنه تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين،

وتأويل الجاهلين، وليس حَمْلُه روايتَه وسَرْدَ ألفاظه،

بل العلمُ بمعانيه ومخارجه، وطرقِه ومناهجه،

والفرق بين الجائز منه والممتنع، والمنقاد المُصْحِب،

والنَّابي النافر.



وأقلُّ ما كان ينبغي أن تعرفه الطائفةُ الأولى،

وهم المنكرون للمجاز،

أن التنزيل كما لم يقلب اللغة في أوضاعها المفردة عن أصولها،

ولم يُخرج الألفاظ عن دلالتها، وأنَّ شيئاً من ذلك

إن زيد إليه ما لم يكن قبل الشرع يدلُّ عليه،

أو ضُمِّن ما لم يتضمّنه أُتبعْ ببيانٍ من عند النبي صلى الله عليه وسلم،

وذلك كبيانه للصلاة والحج والزكاة والصوم،

كذلك لم يقضِ بتبديل عاداتِ أهلها، ولم ينقلهم

عن أساليبهم وطرقهم، ولم يمنعهم ما يتعارفونه

من التشبيه والتمثيل والحذف، والاتساع،

وكذلك كان من حق الطائفة الأخرى أن تعلم،

أنه عزّ وجلّ لم يرضَ لنظم كتابه الذي سمّاه هُدىً وشفاء،

ونوراً وضياءً، وحياةً تحيا بها القلوب،

ورُوحاً تنشرح عنه الصدور ما هو عند القوم الذين خوطبوا

به خلافُ البيان، وفي حدّ الإغلاق والبُعد من التبيان،

وأنه تعالى لم يكن ليُعْجِزَ بكتابه من طريق الإلباس والتعمية،

كما يتعاطاه المُلغز من الشعراء والمُحاجي من الناس،

كيف وقد وصفه بأنه عربيٌّ مبينٌ.



هذا وليس التعسُّف الذي يرتكبه بعض من يجهل التأويلَ

من جنس ما يقصده أولو الألغاز وأصحاب الأحاجي،

بل هو شيء يخرج عن كلِّ طريق، ويُباين كلَّ مذهب،

وإنما هو سوء نظر منهم، ووضعٌ للشيء في غيرِ موضعه،

وإخلالٌ بالشريطة، وخروجٌ عن القانون،

وتوهُّمُ أن المعنى إذا دار في نفوسهم، وعُقِل من تفسيرهم،

فقد فُهِم من لفظ المفسَّر، وحتى كأنّ الألفاظ تنقلب عن سجيّتها،

وتزول عن موضوعها، فتحتمل ما ليس من شأنها أن تحتمله،

وتؤدِّي ما لا يوجب حكمها أن تؤدِّيَهُ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4003
نقاط : 16959
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: رد: أسرار البلاغة   الخميس نوفمبر 12, 2009 8:28 pm

هذا كلام في ذكر المجاز وفي بيان معناه وحقيقته



المجاز مَفْعَلٌ من جازَ الشيءَ يَجُوزه، إذا تعدَّاه،

وإذا عُدل باللفظ عما يوجبه أصل اللغة، وُصف بأنه مجاز،

على معنى أنهم جازوا به موضعَه الأصليَّ،

أو جاز هو مكانه الذي وُضع فيه أوَّلاً، ثُمَّ اعلم بَعْدُ أنَّ

في إطلاق المجاز على اللفظ المنقول عن أصله شرطاً،

وهو أن يقع نَقْلُه علي وجهٍ لا يَعْرَى معه من ملاحظة الأصل،

ومعنى الملاحظة، أن الاسم يقع لما تقول إنه مجاز فيه،

بسببٍ بينه وبين الذين تجعله حقيقةً فيه، نحو أن اليد تقع للنعمة،

وأصلها الجارحة، لأجل أن الاعتبارات اللغوية

تتبع أحوال المخلوقين وعاداتهم، وما يقتضيه

ظاهر البِنْيَة وموضوع الجِبِلّة، ومن شأن النعمة أن تصدُر عن اليد،

ومنها تصل إلى المقصودِ بها،

وفي ذكر اليد إشارةٌ إلى مَصْدَرِ تلك النعمةِ الواصلةِ إلى المقصود بها،

والموهوبةِ هي منه، وكذلك الحكم إذا أريد باليد القوة والقدرة،

لأن القدرة أثر ما يظهر سُلطانها في اليد،

وبها يكون البطش والأَخذُ والدفعُ والمنعُ والجذبُ والضربُ والقطعُ،

وغيرِ ذلك من الأفاعيل التي تُخبر فَضْلَ إخبارٍ عن وجوه القُدْرة،

وتُنبئ عن مكانها، ولذلك تجدهم لا يريدون باليد شيئاً لا ملابسة

بينه وبين هذه الجارحة بوجهٍ. ولوجوب اعتبار هذه النكتة

في وصف اللَّفْظ بأنه مجاز،

لم يَجُز استعماله في الألفاظ التي يقع فيها اشتراك من غير

سبب يكون بين المشترِكَيْن، كبعض الأسماء المجموعة في المَلاحن،

مِثْلُ أن الثَّوْرَ يكون اسما للقطعة الكبيرة من الأَقِطِ،

والنهار اسمٌ لفرخ الحُبَارَى، والليل، لولد الكَرَوان، كما قال:

أكَلْتُ النَّهار بِنِصْفِ النَّهارِ ** ولَيْلاً أكلتُ بلَيْلٍ بَـهِـيم


وذلك أن اسم الثور لم يقع على الأقط لأمرٍ بينه وبين الحيوان المعلم،

ولا النهار على الفرخ لأمْرٍ بينه وبين ضوء الشمس،

أدّاه إليه وساقه نحوه، والغرضُ المقصود بهذِه العبارة

- أعني قولَنا: المجازُ - أن نبيّن أن للَّفظ أَصلاً مبدوءاً به

في الوضع ومقصوداً،

وأنَّ جريه على الثاني إنما هو على سبيل الحُكْم يتأدَّى إلى الشيء من غيره،

وكما يعبَق الشيءُ برائحةِ مايجاورُه،

وَينْصَبغ بلونِ ما يدانيه، ولذلك لم ترهم يُطلقون المجاز في الأعلام،

إطلاقَهم لفظ النَّقل فيها حيث قالوا:

العَلَمُ على ضربين منقولٌ ومرتجلٌ،

وأن المنقول منها يكون منقولاً عن اسم جنسٍ، كأسد وثور وزيد وعمرو،

أو صفةٍ، كعاصم وحارث، أو فعل، كيزيد ويشكر أو صَوْتٍ كبَبَّة،

فأثبتوا لهذا كله النَّقل من غير العَلَمية إلى العلمية،

ولم يروا أن يصِفُوه بالمجاز فيقولوا مثلاً:

إن يشكر حقيقة في مضارع شَكَرَ،

ومجاز في كونه اسم رجل وأن حَجَراً حقيقة في الجماد،

ومجازٌ في اسم الرجل، وذلك أن الحجر لم يقع اسماً للرجل

لالتباسٍ كان بينه وبين الصخر، على حسب ما كان بين اليد والنعمة،

وبينها وبين القدرة ولا كما كان بين الظَّهر الكامل وبين المحمول

في نحو تسميتهم المزادة راوية، وهي اسم للبعير الذي

يحملها في الأصل وكتسميتهم البعير حَفَضاً،

وهو اسم لمتاع البيت الذي حُمَل عليه ولا كنحو

ما بين الجزء من الشخص وبين جملة الشخص،

كتسميتهم الرجل عَيْناً، إذا كان ربيئةً،

والناقةَ ناباً ولا كما بين النَّبت والغيث، وبين السماء والمطر،

حيث قالوا: رعينا الغيثَ، يريدون النبتَ الذي الغيث

سببٌ في كونه وقالوا: أصابنا السماء، يريدون المطر،

وقال "تَلُفُّهُ الأَرْوَاحُ والسُمِيُّ"

وذلك أن في هذا كله تأوُّلاً،

وهو الذي أفضى بالاسم إلى ما ليس بأصل فيه فالعين

لما كانت المقصودة في كون الرجل ربيئةً،

صارت كأنها الشخص كلُّه، إذْ كان ما عداها لا يُغنى شيئاً

مع فقدها و الغيث، لمَّا كان النبت يكون عنه،

صار كأنه هو والمطر لما كان ينزل من السماء،

عبروا عنه باسمها.




واعلم أن هذه الأسباب الكائنةَ

بين المنقول والمنقول عنه، تختلف في القوة والضعف

والظهور وخلافه، فهذه الأسماء التي ذكرتها،

إذا نظرتَ إلى المعاني التي وصلت بين ما هي له،

وبين ما رُدَّت إليه، وجدتها أقوى من نحو ما تراه في

تسميتهم الشاةَ التي تُذبَح عن الصبيِّ إذا حُلِقَتْ عقيقتُه،

عقيقةً وتجد حالها بعدُ أقوى من حال العَقِيرة،

في وقوعها للصوت في قولهم: رَفع عقِيرته،

وذلك أنَّه شيء جرى اتفاقاً، ولا معنَى يصل بين الصَّوت

وبين الرِجْل المعقورة، على أن القياس يقتضي أن لا يسمَّى مجازاً،

ولكن يُجرَى مُجْرَى الشيء يُحكَى بعد وُقُوعه،

كالمَثَل إذا حُكَي فيه كلامٌ صَدَر عن قائله من غير قَصْدٍ

إلى قياس وتشبيه، بل للإخبار عن أمر مَن قَصَده بالخطاب

كقولهم: الصَّيْفَ ضَيَّعَتِ اللَّبن،

ولهذا الموضع تحقيق لا يتمّ إلاّ بأن يوضع له فصل مُفْرَدٌ.


والمقصود الآن غير ذلك، لأن قصدي في هذا الفَصْل

أن أبيّن أن المجازَ أعمُّ من الاستعارة،

وأن الصحيح من القضيّة في ذلك:

أن كلَّ استعارةٍ مجازٌ، وليس كلُّ مجازٍ استعارة،

وذلك أنّا نرى كلامَ العارفين بهذا الشأن أعني علم الخطابة ونَقْدِ الشعر،

والذين وضعوا الكتب في أقسام البديع،

يجري على أن الاستعارة نقلُ الاسم من أصله إلى غيره

للتشبيه على حدِّ المبالغة،

قال القاضي أبو الحسن في أثناء فَصْلٍ يذكرها فيه:

ومِلاكُ الاستعارة، تقريب الشَّبه، ومناسبة المستعار للمستعار منه،

وهكذا تراهم يعدّونها في أقسام البديع،

حيث يُذكر التجنيس والتطبيق والترشيح وردُّ العجز على الصدر

وغير ذلك، من غير أن يشترطوا شرطاً،

ويُعقِبُوا ذِكرَها بتقييد فيقولوا:

ومن البديع الاستعارةُ التي من شأنها كذا،

فلولا أنها عندهم لنَقْل الاسم بشرط التشبيه على المبالغة،

وإمَّا قَطْعاً وإمَّا قريباً من المقطوع عليه، لما استجازوا ذكرها،

مطلقةً غير مقيّدة،

يبيِّن ذلك أنها إن كانت تُساوِقُ المجازَ وتجري مَجْراه

حتى تصلح لكل ما يصلح له، فذِكْرُها في أقسام البديع يقتضي

أن كل موصوف بأنه مجازٌ، فهو بديع عندهم،

حتى يكون إجراءُ اليد على النعمة بديعاً، وتسمية البعير حَفَضاً،

والناقةِ ناباً، والربيئةِ عيناً، والشاةِ عقيقةً، بديعاً كله، وذلك بيّن الفساد.



وأمَّا ما تجده في كتب اللغة من إدخال ما ليس طريقُ نقله

التشبيه في الاستعارة، كما صنع أبو بكر بن دريد في الجمهرة،

فإنه ابتدأ بَاباً فقال: باب الاستعارات ثم ذكر فيه أن الوغَى اختلاط

الأصوات في الحرب، ثم كَثُر وصارت الحرب وَغىً،

وأنشد: بديعاً كله، وذلك بيّن الفساد.



وأمَّا ما تجده في كتب اللغة من إدخال ما ليس طريقُ

نقله التشبيه في الاستعارة، كما صنع أبو بكر بن دريد في الجمهرة،

فإنه ابتدأ بَاباً فقال: باب الاستعارات ثم ذكر فيه أن الوغَى

اختلاط الأصوات في الحرب، ثم كَثُر وصارت الحرب وَغىً،

وأنشد:

إضْمَامَةٌ مِن ذَوْدِها الثَّلاثينْ ** لَهَا وغًى مِثْل وَغَى الثَّمانينْ


يعني اختلاط أصواتها وذكر قولهم:

رعَيْنَا الغيث والسَّماء، يعني المطر وذكر ما هو أبعد من ذلك

فقال: الخُرْس، ما تُطْعَمُه النُّفَساء،

ثم صارت الدَّعوة للولادة خُرْساً والإعذار الختان،

وسُمّي الطعام للختان إعْذَاراً وأن الظعينة أصلها المرأة في الهَوْدَج،

ثم صار البعير والهودج ظَعِينَةً والخَطْرُ ضرب البعير بذنبه جانبي وَرِكيه،

ثم صار مالصِق من البول بالوركين خَطْراً،

وذكر أيضاً الرَّاوية بمعنى المزادة، والعقيقةَ،

وذكر فيما بين ذِكْرِه لهذه الكلم أشياءَ هي استعارةٌ على الحقيقة،

على طريقة أهل الخطابة ونقد الشعر،

لأنه قال: الظمأ، العطشُ وشهوةُ الماء،

ثم كثر ذلك حتى قالوا: ظمِئتُ إلى لقائك،

وقال: الوَجُورُ ما أوجرته الإنسان من دَواءِ أو غيره،

ثم قالوا: أَوْجَره الرمحَ، إذا طعنه في فيه.



فالوجه في هذا الذي رأوه من إطلاق الاستعارة على

ما هو تشبيه، كما هو شرط أهل العلم بالشعر،

وعلى ما ليس من التشبيه في شيءٍ،

ولكنه نقلُ اللفظ عن الشيء إلى الشيء بسبب اختصاصٍ

وضربٍ من الملابسة بينهما، وخَلْطِ أحدهما بالآخر

أنهم كانوا نظروا إلى ما يتعارفه الناس في معنى العاريَّة،

وأنها شيءٌ حُوِّل عن مالكه ونُقل عن مقرّه الذي هو

أصلٌ في استحقاقه، إلى ما ليس بأصل، ولم يُراعوا عُرْف القوم،

ووِزانهم في ذلك وِزَانُ من يترك عُرف النحويين في التمييز،

واختصاصهم له بما احتمل أجناساً مختلفةً كالمقادير

والأعداد وما شاركهما، في أن الإبهام الذي يراد كشْفُه

منه هو احتماله الأجناس، فيُسمِّي الحالَ مثلاً تمييزاً،

من حيث أنك إذا قلت: راكباً، فقد ميَّزت المقصود وبيّنته،

كما فعلت ذلك في قولك:

عشرون درهماً ومَنَوَانِ سمناً وقَفِيزان بُرّاً ولي مثلُهُ رجلاً وللَّه درَّه رجلاً.




وليس هذا المذهب بالمذهب المرضيّ،

بل الصواب أن تُقصَر الاستعارة على ما نقْلُه نَقْلُ التشبيه للمبالغة،

لأن هذا نقلٌ يَطّرد على حدٍّ واحد، وله فوائد عظيمة ونتائج شريفة،

فالتطفُلُ به على غيره في الذكر،

وتركُه مغموراً فيما بين أشياءَ ليس لها في نقلها مِثْلُ نظامه

ولا أمثالُ فوائده، ضعفٌ من الرأي وتقصيرٌ في النظر.



وربما وَقع في كلام العلماء بهذا الشأن الاستعارةُ

على تلك الطريقة العامّية، إلا أنه لا يكون عند ذكر القوانين

وحيث تُقرَّرُ الأصول،

ومثاله أن أبا القاسم الآمدي قال في أثناء فصل يُجيب فيه

عن شيءٍ اعتُرض به على البحتري في قوله:

فكأَنَّ مَجْلِسَهُ المُحجَّبَ مَحْفِلٌ ** وكأَنَّ خَلْوَتَه الخفيَّةَ مَشْهَـدُ


أن المكانَ لا يسمَّى مجلساً إلاَّ وفيه قوم،

ثم قال: ألا ترى إلى قول المُهَلْهل "واستَبَّ بَعْدَك يا كُلَيْبُ المجلس"

على الاستعارة، فأطلق لفظ الاستعارة على وقوع المجلس هنا،

بمعنى القوم الذين يجتمعون في الأمور،

وليس المجلس إذا وقع على القوم من طريق التشبيه،

بل على حدِّ وقوع الشيء على ما يتَّصلُ به، وتكثُر ملابَستُه إياه،

وأيُّ شبه يكون بين القوم ومكانهم الذي يجتعون فيه?

إلاّ أنه لا يُعتدُّ بمثل هذا فإنَّ ذلك قد يتَّفق حيث تُرسَل العبارة،

وقال الآدميُّ نفسه: ثم قد يأتي في الشعر ثلاثة أنواع أُخَر،

يكتسي المعنى العامّ بِها بهاءً وحسناً، حتى يخرج بعد

عمومه إلى أن يصير مخصوصاً ثم قال:

وهذه الأنواع هي التي وقع عليها اسم البَديع،

وهي الاستعارة والطباق والتجنيس.



فهذا نصٌّ في وضع القوانين على أن الاستعارة من أقسام البديع،

ولن يكون النَّقلُ بديعاً حتى يكون من أجل الشبيه

على المبالغة كما بيَّنتُ لك، وإذا كان كذلك،

ثم جعل الاستعارة على الإطلاق بديعاً، فقد أعلمك أنها

اسم للضرب المخصص من النَّقل دون كُلِّ نَقْل فاعرف.



واعلم أنَّا إذا أنعمنا النظر، وجدنا المنقول من أجل التشبيه

على المبالغة، أحقَّ بأن يوصف بالاستعارة من طريق المعنى،

بيان ذلك أن مِلك المُعِير لا يزول عن المستعار،

واستحقاقُه إيّاه لايرتفع، فالعاريّة إنما كانت عاريّةً،

لأن يَدَ المستعير يدٌ عليها، ما دامت يدُ المعير باقية،

ومِلْكه غيرُ زائل، فلا يُتصوَّر أن يكون للمستعير تصرُّفٌ

لم يستفده من المالك الذي أعاره، ولا أنْ تستقرّ يدُه

مع زوالِ اليد المنقول عنها، وهذه جملةٌ لا تراها إلاّ

في المنقول نقلَ التشبيه، لأنك لا تستطيع أن تتصوَّر جَرْيَ

الاسم على الفَرْع من غير أن تُحوِجَه إلى الأصل،

كيف ولا يُعقَل تشبيهٌ حتى يكون هاهنا مشبّه ومشبَّه به،

هذا والتشبيه ساذَجٌ مُرْسل، فكيف إذا كان على معنى المبالغة،

على أن يُجعل الثاني أنه انقلب مثلاً إلى جنس الأوَّل،

فصار الرجلُ أسداً وبَحراً وبدراً، والعلم نُوراً، والجهلُ ظلمةً،

لأنّه إذا كان على هذا الوجه، كانت حاجتُك إلى أن تنظر به

إلى الأصل أَمَسَّ، لأنه إذا لم يُتصوَّر أنْ يكون هاهنا

سبعٌ من شأنه الجرأة العظيمةُ والبطشُ الشديد،

كان تقديرك شيئاً آخر تَحوَّلَ إلى صفته وصار

في حكمه من أبعد المُحال.



وأمَّا ما كان منقولاً لا لأجل التشبيه، كاليد في نقلها إلى النعمة،

فلا يوجد ذلك فيه، لأنك لا تُثبت للنعمة بإجراء اسم اليد

عليها شيئاً من صفات الجارحة المعلومة، ولا تروم تشبيهاً بها ألبتة،

لا مبالغاً ولا غير مبالغ، فلو فرضنا أن تكون اليد اسماً

وضع للنعمة ابتداءً، ثم نُقلت إلى الجارحة، لم يكن ذلك مستحيلاً،

وكذلك لو ادّعَى مدَّعٍ أنّ جَرْيَ اليدِ على النعمة أصلٌ ولغةٌ على حِدَتها،

وليست مجازاً، لم يكن مدَّعياً شيئاً يحيله العقلُ،

ولو حاول مُحاولٌ أن يقول في مسألتنا قولاً شبيهاً بهذا

فرام تقدير شيءٍ يجري عليه اسم الأسد على المعنى

الذي يريده بالاستعارة، مع فقد السبُعِ المعلوم،

ومن غير أن يسبقَ استحقاقه لهذا الاسم في وضع اللغة،

رام شيئاً في غاية البعد.


وعبارةٌ أخرى العاريّة من شأنها أن تكون عند المستعير

على صفةٍ شبيهةٍ بصفتها وهي عند المالك،

ولسنا نجد هذه الصورة إلا فيما نُقل نَقْلَ التشبيه للمبالغة

دون ما سواه، ألا ترى أن الاسم المستعار يتناول المستعارَ له،

ليدلَّ على مشاركته المستعار منه في صفةٍ هي أخصُّ الصفات

التي من أجلها وُضع الاسم الأول?

أعني أن الشجاعة أقوى المعاني التي من أجلها سُمّي الأسد أسداً،

وأنت تستعير الاسم للشيء على معنى إثباتها له على حدّها في الأسد.


فأما اليد ونقلُها إلى النعمة، فليست من هذا في شيءٍ،

لأنها لم تتناول النعمةَ لتدلَّ على صفة من صفات اليد بحال،

ويحرِّر ذلك نكتةٌ: وهي أنك تريد بقولك: رأيت أسداً،

أن تُثبِتَ للرجل الأسدية، ولست تريد بقولك: له عندي يَدٌ،

أن تُثبت للنعمة اليديّة، وهذا واضحٌ جدّاً.


واعلم أنَّ الواجب كان أن لا أَعُدَّ وضع الشفةِ موضع الجحفلة،

والجحفلة في مكان المِشْفَر، ونظائره التي قدَّمتُ ذكرها في الاستعارة،

وأضَنَّ باسمها أن يقع عليه،

ولكني رأيتُهم قد خَلَطوه بالاستعارات وعَدُّوه مَعَدَّها،

فكرِهتُ التشدّد في الخلاف، واعتددت به في الجملة،

ونبَّهت على ضعف أمره بأن سمّيتُه استعارةً غير مُفيدة،

وكان وزان ذلك وِزان أن يقال:

المفعول على ضربين مفعول صحيح، ومشبّه بالمفعول،

فيُتجوَّز باعتداد المشبَّه بالمفعول في الجملة،

ثم يفصل بالوصف، ووجهُ شَبَهِ هذا النحو الذي

هو نَقْلُ الشفة إلى موضع الجحفلة بالاستعارة الحقيقية،

لأنك تنقل الاسم إلى مجانسٍ له،

ألا ترى أنّ المراد بالشفة والجحفلة عضوٌ واحد،

وإنما الفرق أنّ هذا من الفَرَس، وذاك من الإنسان،

والمجانسة والمشابهة من وادٍ واحد?

فأنت تقول: أعير الشيءُ اسمَه الموضوعَ له هنالك أي في الإنسان

- هاهنا - أي في الفرس -، لأن أحدهما مثل صاحبه وشريكه في جنسه،

كما أعرت الرجلَ اسم الأسد، لأنه شاركه في صفته الخاصّة به،

وهي الشجاعة البليغة، وليس لليد مع النعمة هذا الشبه،

إذ لا مجانسة بين الجارحة وبين النعمة،

وكذا لا شَبَهَ ولا جنسيةَ بين البعير ومَتَاعِ البيت،

وبين المزادة وبين البعير، ولا بين العين وبين جملة

الشخص فإطلاق اسم الاستعارة عليه بعيدٌ.



ولو كان اللفظ يستحقّ الوَصْف بالاستعارة بمجرَّد النقل،

لجاز أن توصف الأسماء المنقولة من الأجناس إلى الأعلام بأنها مستعارة،

فيقال: حَجَرٌ، مستعار في اسم الرجل،

ولزم كذلك في الفعل المنقول نحو: يزيد ويشكر وفي الصوت نحو:

بَبَّة في قوله:لأُنْكِحَـنَّ بَـبّـهْ ** جَارِيةً خِــدَبَّة

مُكْرَمَةً مُحـبَّـهْ ** تُجبُّ أهْلَ الكعبَهْ


وذلك ارتكابٌ قبيح، وفَرْطُ تعصُّبٍ على الصواب،

ويلوح هاهنا شيء،

هو أنّا وإنْ جعلنا الاستعارة من صفة اللفظ فقلنا:

اسم مستعارٌ، وهذا اللفظ استعارةٌ هاهنا وحقيقةٌ هناك،

فإنّا على ذلك نُشير بها إلى المعنى،

من حيث قصدنا باستعارة الاسم،

أنْ نُثبِتَ أخصَّ معانيه للمستعار له،

يدلّك على ذلك قولنا: جعله أسداً وجعله بدراً وجعل للشمال يداً،

فلولا أنّ استعارةَ الاسم للشيء تتضمّن استعارةَ معناه له،

لما كان هذا الكلام معنًى، لأن جَعَلَ،

لا يصلح إلا حيث يُرَاد إثبات صفة للشيء، كقولنا:

جعله أميراً، وجعله لِصّاً، نريد أنه أثبت له الإمارة واللصوصية،

وحكمُ جَعَلَ إذا تعدَّى إلى مفعولين، حكم صَيَّرَ،

فكما لا تقول: صيَّرتُه أميراً إلا على معنى أنك أثبتَّ

له صفة الإمارة،

وكذلك لم تقل: جعله أسداً إلا على أنه أثبت له معنًى

من معاني الأسود،

ولا يقال: جعلته زيداً، بمعنى سمّيته زيداً،

ولا يقال للرجل: اجعل ابنك زيداً بمعنى سَمِّهِ،

ولا يقال: وُلد لفلانٍ ابنٌ فجعله زيداً أي: سمّاه زيداً،

وإنما يدخل الغلط في ذلك على من لا يُحصِّل هذا الشأن،

فأما قوله تعالى: "وَجَعَلُوا المَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمنِ إنَاثاً"

"الزخرف: 19"، فإنما جاء على الحقيقة التي وصفتُها،

وذلك أنهم أثبتوا للملائكة صفة الإناث،

واعتقدوا وجودها فيهم، وعن هذا الاعتقاد صَدَر عنهم ما صدَر من الاسم

- أعني إطلاقَ اسم البنات، وليس المعنى أنهم وضعوا لها لفظَ الإناث،

أو لفظَ البناتِ، اسماً من غير اعتقادِ معنًى، وإثباتِ صفةِ،

هذا محالٌ لا يقوله عاقل - أوَ ما يسمعون قول اللَّه عز وجل:

"أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْئَلُون" "الزخرف: 19"،

فإن كانوا لم يزيدوا على إجراء الاسم على الملائكة

ولم يعتقدوا إثبات صفة ومعنًى،

فأيُّ معنى لأن يقال: أَشهدوا خلقهم هذا ولو كانوا

لمَ يقصدوا إثبات صفةٍ، ولم يفعلوا أكثر من أن وَضَعُوا اسماً،

لَمَا استحقُّوا إلاّ اليسيرَ من الذمّ، ولما كان هذا القولُ كُفْراً منهم،

والأَمرُ في ذلك أظهر من أن يخفى ولكن قَدْ يكون للشيء

المستحيل وجوهٌ في الاستحالة فتُذكَر كلُّها،

وإن كان في الواحِد منها ما يُزيل الشُبْهة ويُتمُّ الحُجَّةَ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
 
أسرار البلاغة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الكلمـــــة الحـــــرّة :: منتدى اللغات-
انتقل الى: