الكلمـــــة الحـــــرّة

الكلمـــــة الحـــــرّة

منتدى ثقافي عام
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الغموض والأدب

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المعتز بالله
مشرف على المنتدى السياسي


عدد المساهمات : 178
نقاط : 9669
تاريخ التسجيل : 14/03/2010

مُساهمةموضوع: الغموض والأدب   الأحد أبريل 04, 2010 3:22 pm


الغموض والأدب


كتب / عبد الباقي يوسف
يقول :


نقع في التراث الأدبي الإنساني من مختلف العصور والبقاع الجغرافية على الجنوح شطر الغموض في التعبير الأدبي، وهو جنوح يحمل دلالات متعددة القراءات، بحيث يأتي هذا الجنوح أحياناً من أئمة الحكمة والنبوغ.
كان اللجوء إلى ظاهرة الغموض حالة يحاول من خلالها الأدباء التعبير عن المآسي التي تصيب العالم بصفة عامة، أو تصيبهم بصفة خاصة. ‏
شهد التراث الأدبي العربي ألواناً مختلفة من الغموض، وهي ظاهرة تستحق الوقوف معها ودراستها. ‏
جاء الغموض إلى الأدب العالمي من خلال الحروب والكوارث التي أصابت الناس، وكذلك من خلال المآسي والأهوال الفردية الشخصية التي واجهت الأدباء الذين تعرضوا لأشكال المعاناة سواء كانت نفسية، أو جسدية. ‏

وفي هذا التشاؤم يرى صاموئيل بيكيت: يولد الإنسان من ظلام الرحم، إلى ظلام القبر ماراً بظلام الحياة. ‏

وتحضرني من أندريه بريتون الحادثة التالية (لا يزال لويس آراغون يذكر معي مرور صبي جاء يبيع زهوراً في مقهى كنا فيه ذات مساء برفقة شريكو، يولي ظهره للباب، فلم يبصر الصبي داخلاً، وكان علي أن أسأل آراغون، وقد أخذته مشيئة الوافد إن لم يكن شبحاً، فأخرج شريكو دون أن يلتفت إلى الباب مرآة صغيرة من جيبه، وأجابا بعد تفرس في وجه الصبي الصغير، إنه شبح بالتأكيد). ‏

إنها المعاناة التي تدفع إلى التعبير عن هولها من خلال اللجوء إلى الغموض، وهنا علينا ألا ننسى تلك المعاناة الشديدة، وتلك الأهوال التي وقفت خلف كل تلك الإبداعات الأدبية الكبرى التي تقدمت للبشرية.

أبولينير كان يعاني طوال حياته من عقدة أنه ابن غير شرعي، حتى أنه كان يرغب في أن يخرج عن جلده، كما لم يسبق لرامبو أن تلقى قبلة حنان واحدة، من فم أمه، فاضطر إلى كل تلك الأسفار بحثاً عن قبلة تعوضه عن تلك القبلة، وأمضى المركيز دي ساد خمساً وعشرين سنة في السجن ما أكسب إبداعه النزعة السادية، وانتهى نيتشه بالجنون، وسويفت بالوهن العقلي، بينما فقد أبو لينير القدرة على الكلام.

أما دستويفسكي فكان يقول: لدي مشروع، أن أفقد عقلي، ويسطر إلى أخيه قائلاً: وما تبقى لي سوى هذا القلم، والدم واللحم، هذا الذي يعاني ويشفق ويتذكر، ويبدع الحياة رغم كل شيء لم أشعر مطلقاً بهذه الخواص الملأى بالقوى، والغنى الفكري من قبل كما أشعر بها الآن.

وبلغت المعاناة بأدغارآلن بو مرحلة لم يعد فيها قادراً على المشي في الشارع، وانعزل كلايست عن العالم والأهل قائلاً: «لقد أصاب الجرح روحي حتى لأكاد أقول حين أخرج أنفي من النافذة يؤلمني ضوء النهار الذي يلتمع في وجهي» الغموض ظاهرة عامة لدى الإنسان، وفي شتى وقائع حياته، فأحياناً يستعين بالغموض لتجنب الإحراج، وفي موضوعات معينة قد يجنح إلى الغموض عندما يدرك أن الوضوح أمسى بلا جدوى. ‏

يمكن اعتبار الغموض في بعض المواضع حالة نفسية تعبر بصدق لاشعوري وغير مباشر عن غموض الحدث، أو غموض المواقف المتمثلة في الحال، فيقابل الغموض بالغموض.

هناك لون آخر من ألوان الغموض، وهو الميل إلى السخرية من خلال أحاديث مبهمة ونقع في التراث العربي على ألوان متعددة من وسائل التعبير عن طريق اللجوء إلى الغموض، للتعبير عما يجيش في الصدر، ولا يقدر الكاتب التعبير الواضح عنه، فيميل إلى الإبهام، والغموض معبراً عن تلك الحالة. وهذا ما قام به أبو العبر الهاشمي.

ومن المفيد هنا ذكر حادثة يرويها أبو العبر نفسه، يمكننا من خلالها التعرف على شيء من هذا النزوع لديه. يقول: كنا نختلف ونحن أحداث إلى رجل يعلمنا الهزل، فكان يقول أول ما تريدون رفع وقلب الأشياء، فكنا نقول: إذا أصبح، كيف أمسيت، وإذا أمسى كيف أصبحت؟ ‏
وإذا قال: تعال. نتأخر إلى الخلف وكانت له أرزاق تعمل كتابتها في كل سنة، فعمل مرة وأنا معه الكتاب، فلما فرغ من التوقيع، وبقي الختم، قال: أتربه. وجئتني به، فصببت عليه الماء، فبطل فقال: ويحك لا تصحبني، فأنت أستاذ الأستاذين.

يتجول أبو العبر في الناس وينشر أفكاره فيهم عن قرب حتى غدا شخصية شعبية شبيهة بالمهرج الذي يبطن المعاني العميقة خلف عباراته الساخرة الهزلية. ‏

قال له شخص ذات مرة: يا أبا العبر لم صار دجلة أعرض من الفرات؟ والقطن أبيض من الكمأة؟ فقال: لأن الشاة ليس لها منقار، وذنب الطاووس أربعة أشبار. ‏

ومن مواقفه الغامضة الطريفة أنه يجيب على سؤال لرجل قال له: يا أبا العبر لم صار العطار يبيع اللبد، وصاحب السقط يبيع اللبن، فأجابه: لأن المطر يجيء في الشتاء، والمنخل لا يقوم به الماء.

وقال له شخص: لم صار كل خصي أمرد، والماء في حزيران لايبرد؟ فقال: لأن السفينة تجنح، والحمار يرمح. ‏
يتحدث أبو العبر عن بعض وقائع حياته الشخصية، وكذلك التي وقعت مع المقربين له. ‏

ومن ذلك روايته: خرج أخي الصغير إلى أحمد بن أبي داود، فشكا إليه خلة، فأمر له بألفي درهم، فمضى أبي بعده، فشكا مثل ذلك، فلم يعطه شيئاً، وعرفت سر من رأى فعرفني أبي خبره، فقلت له: قف معي عند باب ابن أبي داود، وكل الكلام إلي، فوقف معي وقال: شأنك. ‏
فلما خرج قلت: أصلح الله القاضي. هذا محمد بن عبد الله بن عبد الصمد الهاشمي، يسأل القاضي أن يلحقه بالأصاغر من ولده. فضحك، ولعنني أبي، وانصرف، فوجه إليه ابن داود بثلاثة آلاف درهم، فقلت له: أعطني منها ألفا، فو الله لولا ما لفتني إليه، ما أخذت شيئاً. ‏

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الغموض والأدب
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الكلمـــــة الحـــــرّة :: منتدى النقد الأدبي-
انتقل الى: