الكلمـــــة الحـــــرّة

الكلمـــــة الحـــــرّة

منتدى ثقافي عام
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 غناء سياسي عن إنسان منسي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الهادي الزغيدي
مدير الموقع
avatar

عدد المساهمات : 4021
نقاط : 17453
تاريخ التسجيل : 08/11/2009
العمر : 43
الموقع : تونس

مُساهمةموضوع: غناء سياسي عن إنسان منسي   الجمعة يوليو 16, 2010 6:51 pm

'عن بلد' لشادي زقطان:

غناء سياسي عن إنسان منسي


سعيد أبو معلا


بجيتاره الياباني وصوته الأجش المبحوح يقف شادي زقطان محييا جمهوره القادم من امتدادات مدينة رام الله، يقف وحيدا وبخجل ليعبر عن اختلافه ضمن فعالية 'موسيقى في الحديقة' التي ينظمها مركز خليل السكاكيني الثقافي بشكل شهري، وكأنه في تلك الوحدة يؤكد حضوره كتجربة فنية فردية في فضاء الأغنية الفلسطينية المتراجعة.
يقف شادي مغنيا وفي جعبته مجموعة كبيرة من الأغاني التي صدرت قبل شهور أربعة في ألبوم تلقى الدعم من 'مؤسسة عبد المحسن القطان'، فجاء جديدا بحق، وطفا على سطح الساحة الفنية الفلسطينية التي تعاني من تحولات كثيرة من ضمنها ذلك الانفصام بين الأغنية والشارع.
جديد شادي الأول عنون بـ 'عن بلد' وأهدي إلى 'أسبير إنسا' حاملا الكثير من السخرية من عتبته الأولى طالما تتحول مع شادي كلمة إنسان إلى 'إنسا' في دلالتها العامية التي تفضح تهميش الفلسطيني الدائم ونسيانه.
تجربته مختلفة ومتمايزة عن كل ما قدم من غناء ملتزم / متزن/ ثوري/ مقاوم/ مرتبط بهموم الناس...الخ من التصنيفات التي أخذ بعضها من القضية الفلسطينية أكثر مما أعطاها.
الاختلاف هنا، وبغض النظر عن التصنيف، يتمثل في أن شادي لم يمنح القضية ذاتها إنما أعطي بسخاء ناسها ومهمشيها والمسحوقين ما يستحقون.
منحهم عطر الأغاني هذه المرة
حصل ذلك في قالب فني التزم بالاتقان والتجديد وانحاز فيه للإنساني فينا، مبتعدا عن الشعارات والعناوين العريضة، منتقيا تفاصيلنا دون ادعاءات أو حب فارغ، فجاء انحيازه صادقا وجميلا ودبقا ومفخخا بالكثير من الكلام الحميمي والمشاعر السخية والغضب والحسرة والظلم الذي تحول إلى غناء بسيط وسرد تأملي.
الشريط الجديد يصدمنا بواقعنا من حيث دقته في الرصد، وبذلك الدفق المزدحم بالأفكار والقصص بكل ما فيها من نزق وحب وحيرة ويأس لكن دون أن يطال هذا اليأس فسحة الأمل حيث يلتقطها شادي في أغنية 'في بلد' التي يقول فيها: 'في بلد.. عم تكبر فينا.. كل ما الدنيا تصغر.. علينا وعلى أمانينا.. بنربي الأمل تا يكبر.. وبيكبر فينا الشوق.. زي بحار للمينا...'.
في 'عن بلد' يقوم شادي ورفيقه عماد الصيرفي بكل شيء تقريبا بدءا من نقد الواقع السياسي بمآسيه من جهة المواطن الفلسطيني البسيط العادي، الذي لا يُرى ولا يقدم بوسائل الإعلام وليس انتهاء بحكاية حب شاب لفتاة تسير بشكل يومي في شارعه كما في 'بشوفك في البلد'.
أغان كثيرة تستوقف المستمع إضافة إلى الأغنية التي عنون فيها السي دي المكون من 11 أغنية من ضمنها مثلا '11 ألف محل فاضي' حيث يغني شادي للأسرى في السجون الإسرائيلية الذين يبلغ عددهم 11 ألف أسير.
في هذه الأغنية لا يُتحدث عن الأسرى بصفتهم مقاومين في سجون العذاب بل يحضرون كجزء أصيل من حياة حرموا منها.. يحضرون بصفتهم حيوات منعت من العيش مع أقرب الناس إليهم: العائلة / الجيران/ المخيم/ الأطفال...الخ.
فهو لا يغني لهم كأبطال خلف القضبان أو مقاومين تنهب حرياتهم ( حيث يحضرون بتجارب غنائية فصائلية) بل يستشعر حالة غيابهم التي لا ينتبه إليها أحد، فهناك شخص/ أسير ناقص في كل جزء من حياتنا: في الزحمة وفي طابور البنك أو في زحمة شراء الفلافل أو في سهرات الحلاقين في ليلة عيد أو في كرسي فارغ على السفرة وفي الأعراس والجاهات والسرفيس والمظاهرات...الخ.
هنا شادي يعيد تدوير القضية ويمنح الأشياء البسيطة والأماكن العامة والشعبية باقترانها بالقيمة، وكي يقنع المستمع ببشاعة الأسر مثلا يقدم له تفاصيل يومية لذلك الغياب حيث كان يفترض بهذا الأسير أو ذاك ان يشاركنا بها.
لا يتوقف شادي عند ذلك الحد، فالأغاني في هذا الشريط تتميز بأنها رحبة وواسعة وفيها مساحة كبيرة من القص أو الحكي، ففي ذات الأغنية نسمعه يسرد بإيجاز وتكثيف قصصا حقيقية منها حكاية الأم التي سجن أبنائها الخمسة حيث تغسل يوميا بناطيلهم على أمل أن يعود أحدهم فيجدها نظيفة، أما حكاية 'عم أبو حافظ' سائق التكسي الذي يحفظ كل بيوت مدينة رام الله فهي حكاية الخائف / القلق من أن يعتقد ابنه أن والده قد نسيه في زحمة أعماله في حين أنه يشقى طوال النهار محاولا أن يستصدر تصريح زيارة.. لكن المنع له بالمرصاد.
وشادي في تلك القصص أو تلك الرؤية التي تنحاز للإنساني في الأسير مثلا يلتف على كل الشعارات التقليدية التي يؤمن بها الفلسطيني أو لا يؤمن بها حتى! لتكون هذه المرة الأغنية بمثابة الفاجعه للمستمع عندما يدرك حجم الأماكن الفارغة في حياتنا.
أغاني شادي 'البراح' في موضوعاتها وكلماتها وفي الأفكار التي تبوح بها لا تصرخ إنما تقول بهدوء ويقين وصدق، وهي هنا لا تتورط في فخ النخبوية بل على العكس تماما، تقول كل شيء بذات اللغة البسيطة الواقعية والصادمة التي تترك أثرها على المستمعين.
في أغنية 'نشرة أخبار' يقدم صورة لفلسطين كما تقدم عبر نشرات الأخبار في القنوات الفضائية المختلفة فنستمع من خلال مشهد بانورامي إلى حال البلد: 'في بلد للأجار، في بيت فراشه من خراب بيوتنا.. ع الثورة بطل.. في عندك شرفة ع الذل...'، وينتقد في الأغنية ذاتها الاعتقال السياسي: 'هي في دورية برا.. مش واضح لمين.. لسه بياخذوا أوامر... مش عارف من مين.. حضري لي شلحة وحفاية.. قولي ان شاء الله بس يكونوا يهود'!!
وفي ضوء أغنية 'نشرة أخبار' التي تحتوي جزءا من غسيلنا الوسخ تبدو أغنية 'وطن' منطقية تماما 'لم يكن حلما.. تسلق السنوات.. تنفسه المكان والجسد.. ليبقى معي.. جاءني تعبا.. لا لم يكن حلما.. صار صمتا.. رغم كل الاغاني.. رغم دعاء جدتي في الصباح.. كل صباح.. كيف سنمضى الان يا قدري.. كم سيطول.. أفق وقل لي.. سيدتي كيف لي أن أترك.. من غيري سيرضى به نائما منذ سنين.. ستون أم أكثر كيف لي أن أتركه..'.
أغان كثيرة تستدعي التوقف لكننا سنتوقف هنا أمام استغرابنا من نضج هذه التجربة من محاولتها الأولى وهو أمر يندر حدوثه، في ضوء أن شادي الهاوي باحتراف لم يدرس الغناء أكاديميا أو ما شابه ذلك. فأين السر إذا في هذه التجربة الفردية؟
يبدو لنا أن ما يحرك تجربة شادي القادمة من رحم الأغنية المعاصرة بتلك الثقة ذلك الوعي بما لديه من إمكانيات وتلك الحساسية العالية والجارحة تجاه تفاصيل الناس البسطاء والرغبة في استثمار صوته ليقول قصصهم المعقدة والمنسية.
فشادي يبدو من خلال شريطه ذلك العارف لما يريد، والمدرك عن ماذا يكتب، وكيف يكتب تلك الكلمات التي تشبه الشعر وتقاربه غنائيا فيغنيها لتسقط على مسامعنا فرحين بها ومتعطشين لفعل تكرارها.
بقي أن نضيف أن تلك التجربة لم تكتف بالغناء بل طرقت باب الصورة ( فيديو كليب)، فشادي الذي يتقن التصوير والمونتاج أيضا يجد أن صورة الحياة في الشوارع الفلسطينية هي أصدق ما يمكن ان يغلف بها أغانيه، وهو في ذلك يقدم مجموعة من الكليبات تستحق أن تشاهد وتعتبر وثائق ومشاهد حية لحياة الفلسطيني ومن أبرزها كليب 'نشرة أخبار' وكليب 'وطن'.
هي تجربة موسيقية مختلفة لدرجة الالهام، تؤكد أن الفعل الغنائي لا يتماشى مع المرحلة ولا يخرج عنها بالضرورة وكذا لا يستمر أسيرا لشعاراتها ومقولاتها القديمة بل ينخرط شاقا لنفسه طريقا جديدا في محاولة التعبير عن واقع الإنسان المنسي وينتصر لروحه.
الرهان هنا على أغنية ربما تتجاوز مضمونها السياسي إلى تشكيل ذوق فني وحساسية جديدة في الشارع الذي حاولت الالتفات إليه لا الالتفاف عنه.
لكن السؤال: هل يستمع ذلك الإنسان المنسي لصوت هذا الشاب القادم من رحمه وزحمته؟ لتكن دعوة إذا.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elkalima-elhorra.ahlamontada.com
 
غناء سياسي عن إنسان منسي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الكلمـــــة الحـــــرّة :: المنتدى العام-
انتقل الى: