الكلمـــــة الحـــــرّة

الكلمـــــة الحـــــرّة

منتدى ثقافي عام
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 بحث جديد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الباحث سعد عطية الساعدي
عضو


عدد المساهمات : 2
نقاط : 6076
تاريخ التسجيل : 09/07/2012
العمر : 67

مُساهمةموضوع: بحث جديد   الإثنين يوليو 09, 2012 11:09 pm

الإنسان حيوان ناطق
حوار بين الرفض والقبول
سعد عطية حسوني الساعدي
التمهيد

عندما يلصق بالمعنى الإنساني وبصيغة العموم صفة الحيوانية . يحدث نوعٌ من الإرباك الفكري والتضارب العقائدي في بعض المناحي الخاصة والدقيقة على جعل الإنسانية وليدة الجنس البشري الواحد - آدم - وكذلك يثير تساؤلاً وجدلاً بين التسليم والقبول على أمر مطلقي هذا المعنى هم المناطقة وبين الرفض بجعل التعميم خطأً فادحاً لأن كل الأنبياء والرسل وأهل التكاليف والعصم هم من البشر وليسوا من الملائكة أو من جنس آخر .
إن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم وأفضل مضامين . وكرمه على باقي المخلوقات وجعله خليفته في الأرض . وخصه بميزة الفطرة وسلطان العقل والإدراك . حتى يعبد ويستعمر الأرض منتفعاً من نعمة التسخير .
هذه المكرمات والخصوصيات العامة تلغي مثل هذه الصفة الحيوانية العامة لأن الإنسان مميز عن الحيوانات والبهائم في أصل الخلق والتكوين على الرغم من وجود المشتركات الخلقية الأساسية في كل المخلوقات الحية وأول هذه المشتركات الشهوات والغرائز والحواس . ولمّا كان الإنسان مخلوق حي متفاعل في محيطه لا تعيبه هذه المشتركات أو تنقص من مكانته الآدمية المميزة . ويجب أن نفرق في القول بين أصل الخلقة والتعبير بالمثل والتشبيه والذي يلغي المطلقية والتعميم .
موضوع بحثنا هذا هو ما نناقش فيه القول الذائع - الإنسان حيوان ناطق - من أجل معرفة القبول فيه والرفض له . وماهية القيمة المعرفية أو الدلالة المنطقية التي يحملها لكونها ضرورة بيانية تجيز الإطلاق والتعميم .
ولو تصورنا السبب أو الحجة التي جعلت من القول معتمداً ومنتشراً لا تخرج عن سببين . الأول لو كان هذا القول صادراً من المناطقة أو الفلاسفة غير المسلمين فإنهم في هذا الجانب يأخذون الكليات لأنهم لا ينطلقون من عقيدة دينية دقيقة المعرفة والبيان كما هو الحال في الفكر الإسلامي وعلومه القرآنية .
والثاني لو كان مصدره المناطقة أوالفلاسفة المسلمين فتكون الحجة فيه المشتركات الخلقية كونها حجة أساسية فضلاًً عن بعض الإشارات القرآنية وهي تصف الذين تحكمهم الشهوة بأنهم أشر من البهائم . وهذا الوصف القرآني يخص العمل ونوع السلوك والذي يشتبه اصحابه بسلوك الحيوان .
هذه الأسباب والحجج سنناقشها في فقرات هذا البحث ومن خلال المصادر التي اعتمدناها وسيكون منهج مناقشتنا هذه على العرض والتحليل وصولاً الى الغاية المطلوبة التي قام من اجلها البحث .


المبحث الأول
حُسن تمام الخلق

{ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم }(1)
قال السيد الطباطبائي في كتابه الميزان عند تفسيره لهذه الآية المباركة : ( فله كمال القوام في كل شيء . وقد جهزه الله بالعلم النافع ومكنه من العمل الصالح )(2)
ظاهر بيان الآية المباركة وتفسير السيد الطباطبائي لها . وقد اكده البيان هو تمام وحسن تقويم خلق الإنسان مما يثبت الكمال وعدم النقص بصفته مخلوقاً مدركاً ومكرماً على باقي المخلوقات . وكذلك التفسير أعطانا معنى عاماً ولكنه دقيق لمضمون الإنسان بصفته مخلوقاً مدركاً ومكرماً. وعبّر عن تمام الخلق بما خص الله تبارك وتعالى الإنسان بالعلم النافع وهو الذي يتمكن من خلاله أن يسموا على سمة الحيوان والبهائم . طالما الإنسان يميز بعقله بين الحسن والقبح والصالح والطالح . وكأن السيد (قده) قصد في حسن التقويم هذه السمة العليا والنعمة العظمى العقل والعلم . وقد حرمت منه البهائم لكون حاجاتها الدنيوية شهوية لا أكثر .
ومما تجدر الإشارة إليه في معنى الآية المباركة هي إنها لم تخص الشكل والهيئة فقط بدليل التفسير ، ل تعدت هذه الظواهر المقصودة فيها أيضاً لتشمل بواطن التركيبة البشرية المكونة للمضمون الإنساني . في دقة الأحاسيس والمشاعر وجمال القدرات الذهنية والدقة النطفية البيانية والتي علمها الله تعالى للإنسان بدليل مضمون الآية الرابعة من سورة الرحمن . إذن فالإنسان ذو معرفة ومساحة بيانية واسعة ومتطورة مع تجدد الإبداع . وهي الوسيلة والميزة المشتركة لبني الإنسان . فيها يعبرون عن هواجسهم وأفكارهم ومن خلالها يتواصلون مع أجيالهم عبر الحضارة والعصور .
فكان النطق والبيان الإنساني ذو امتداد وتجديد زاد على الحاجة الحياتية المحدودة لمخلوق يسعى كغيره من المخلوقات . وهنا تكمن المفارقة والميزة الخلقية التي أشارت لها الآية المباركة التي ذكرناها . وبعد هذا العرض الأساسي سنتناول آراء بعض العلماء والتي خصت ماهية الإنسان وسماته الخلقية .
قال صدر المتألهين في هذا الصدد ( النفس الآدمية ما دام كون الجنين في الرحم درجتها درجة النفوس النباتية على مراتبها ، وهي إنما تحصل بعد تخطي الطبيعة درجات للقوى الجسماوية . فالجنين الإنساني نبات بالفعل ، حيوان بالقوة لا بالفعل . إذ لا حس له ولا حركة ، وكونه حيواناً بالقوة فصله المميز عنه عن سائر النباتات الجاعل له نوعاً مبائناً للأنواع النباتية . وإذا خرج الطفل من بطن أمه ، صارت نفسه في درجة النفوس الحيوانية الى أوان البلوغ الصوري ، والشخصي حينئذ حيوان بشري بالفعل ، إنسان نفساني بالقوة ، ثم تصير نفسه مدركة للأشياء بالفكر والروية مستعملة للعقل العملي . وهكذا الى أوان البلوغ المعنوي والرشد الباطني باستحكام الملكات والأخلاق الباطنية . وذلك في حدود الأربعين غالباً . فهو في هذه المرتبة إنسان نفساني بالفعل وإنسان ملكي أو شيطاني بالقوة ، يحشر في القيامة إما مع حزب الملائكة . وإما مع حزب الشياطين وجنودهم )(3) .
تناول فيلسوفنا الكبير صدر المتألهين (قده) في هذا المقطع مراحل نمو النفس الآدمية وقد وصفت في جانب من مراحلها بالحيوانية تارة بالقوة في مرحلة الأجنة على اعتبارها خالية من الأفعال وإنما القوة الحيوانية فيها في جانب النمو والتصير على اعتبار ذلك النمو الحيواني عام يشمل كل المخلوقات الحية الساعية . وتارة بعد انتهاء مرحلة الأجنة وصفها بالحيوانية بالأفعال بعد أن أثرت فيها الشهوات والغرائز . والوصف هذا لا يعني أن الإنسان كائن بهيمي بالكامل بل كان تعبيراً عن وجود المشتركات الخلقية التي وجدت في جميع تلك المخلوقات تدليلاً على النمو والعيش والسعي .
( هناك علمان يستطيع الباحث من خلالهما الإجابة عن هذا التساؤل وهما : علم النفس التجريبي وعلم النفس الفلسفي ، فنقول : إن الله سبحانه وتعالى قد تعلّقت إرادته الأزلية في أن يوجد موجودات مختلفة جعل لبعضها عقلاً دون شهوة وغضب وأوجد في بعضها الآخر شهوة وغضباً دون عقل ، وركب القسم الثالث من العقل والشهوة والغضب . والقسم الأول من هذه الموجودات هو ما تعبّر عنه الآيات والروايات بـ" الملائكة " ويعبّر عنه في البحوث الفلسفية بـ" العقول " ويختص القسم الثاني بـ" الحيوانات " وليست الحيوانات كلها في هذا القسم على حد سواء فقد تتغلب في بعضها الشهوة على الغضب كما في الخنازير ، وقد يحدث العكس كما في السباع وما يجمعها هو وجود الشهوة والغضب فيها دون العقل . ويختص القسم الثالث بـ" الإنسان " الذي عجنت فيه القوى الثلاث معاً ، حيث خلقه الله سبحانه وتعالى في أحس تقويم { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم }(4) - وجعله قادراً مختاراً في سلوك أي طريق يختاره من طريقي الخير أو الشر { ونفس وما سواها }(5) - فإن أمر عقله على شهوته وغضبه وجعلهما منقادين له ترقى في درجات الكمال حتى يصل الى مقامات لا تصل إليها حتى الملائكة المقربة . قال تعالى واصفاً موقع الرسول الأكرم " صلى الله عليه وآله " { ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى}(6) - وما ذلك إلا لأن الإنسان يترقى في درجات الكمال ويصل الى تلك المقامات مع وجود المنازع والمزاحم له في مسيرته وعدم وجوده في عالم الملائكة(7) .
نفهم من قول السيد كمال الحيدري ان النفس الآدمية ملهمة بالعقل والشهوة والغضب وهي القوى المؤثرة في أفعال وسلوك الإنسان . والتي عليها يقوم صراعه الداخلي الذي ينعكس في أفعاله في المحيط الخارجي المكون لسعيه الدنيوي . وتكون قيمة الإنسان من مدى أثر تلك القوى . فإنْ كانت سمة أفعاله شهوية أو غضبية أو الإثنان معاً مال بالشبه الى السلوك والأفعال الحيوانية . وإن كانت سمة أفعاله عاقلة رصينة من أثر القوة العاقلة كان إنساناً عاقلاً ذو قيمة أكبر وأفضل من قيمة الملائكة . فالوسيلة المعبرة عن الميزة الآدمية كبيرة وذات مساحة واسعة وللإنسان حرية الاختيارين الاحتفاظ بالقيمة الآدمية العليا على المخلوقات أو الهبوط الى مستوى البهائم والحيوانات . بالتصرف والسلوك لا في أصل الخلقة .


المشتركات الخلقية

حكمة الله - تعالى - جعلت أساسيات خلقية وتكوينية في غاية الكمال التقديري اشتركت فيها المخلوقات الحية كافة الساعية من أجل استمرار أنواع وأجناس هذه المخلوقات على وفق نظام إلهي متكامل لا نقص أو إرباك فيه أو فوضوية أو عبث في كل مجالات وأنواع العيش والتعاقب . وهذه المشتركات ليست عيباً وجودها في الإنسان طالما تشكل الجانب المهم في سد حاجاته الضرورية المشروعة . وكذلك لم تنتقص من مكانته الخلقية . ولا تهون مكانته الوجودية كمخلوق مكرم بالخلافة ومسير بالتسخير . ومن أجل استكمال فكرة البحث سنناقش هذه المشتركات .. حتى نصل للغاية والمقصد .

أولاً : الشهوة والغرائز

الشهوة والغرائز مشترك عام لا تستغني عنه المخلوقات أياً كان نوعها وجنسها . لأنه يلبي حاجة ضرورية من حاجات المخلوق . والذي من خلاله يتحرك المخلوق ويسعى . وكما عبر الذكر الحكيم في بيان هذا المقصد في الآية المباركة الآتية :
{ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون }(Cool
ونرى تفسير السيد الطباطبائي (قده) لهذه الآية المباركة مع وضوح بيانها ولكن لضرورة البحث حيث قال ( - { سبحان الذي خلق الأزواج كلها } فكل فاعل ومنفعل ينتجان تلاقيهما أمراً ثالثاً { مما تنبت الأرض } من النبات وقد يشمل الحيوان { ومن أنفسهم } أي من الناس { ومما لا يعلمون } من الخليقة )(9)
فالحكمة الإلهية التي قدرت هذه الشهوات والغرائز في الحيوانات بلا ضوابط رقابية كونها غير مسؤولة عما تفعل طالما رفعت عنها التكاليف والحساب . إلا الإنسان فإن شهوته وغرائزه مراقبة التصرف ومحكومة بالأحكام والحساب . بدلالة اختلاف قيمته الخلقية والاعتبارية عن باقي المخلوقات التي كلها اشتركت معه في هذا المشترك ما عدا الملائكة . والحكمة الإلهية في جعل هذا المشترك عام . من أجل أمرين هما :

أ- سد الحاجة العارمة من أجل الاحتفاظ بالأسر والفصائل لدى الحيوانات والتعايش المشترك حتى لا تطغى الوحشية والإنفرادية في كنف الكون الفسيح .
ب- من أجل الإنجاب والتعاقب واحتضان الأطفال لدى الإنسان والصغار لدى الحيوانات . وغريزة الأمومة المشترك العام من أكرم الغرائز أداء وحسن ووجدان وهذه من رحمة الله - تعالى - التي وسعت كل شيء . فمن دون هذا المشترك كيف سيكون حال المخلوقات بما فيها الإنسان .


ثانياً : الحواس والشعور
{ وفاكهةً وأبا } { متاعاً لكم ولأنعامكم }(10)
. بيان الايتين الكريمتين يدل لنا على وجود التعم والتي تكفل الله بها لسد حاجيات خلقه فهذا المشترك هو سبباَ لدفع المخلوقات كافة الى السعي من اجل سد الام الجوع وضرورة الضمأ بالاضافة الى الحواس الاخرى كي تتفاعل هذه المخلوقات في بيئتها ومحيطها الخارجي المعاش مع دلالة الفرق الجامع لحواس الانسان عن باقي المخلوقات انسجاماًًًً مع دورة الاساسي ووسع مساحته العملية المنظمة في الانتفاع من هذه الحواس في إبداعه العملي وإبتكاره الحضاري مما تعطيه هذه المحسوسات او المشترك ميزة خلقية ومكانية في مساحة الخلق والكائنات

ثالثاً : النطق
هذا المشترك هو مرتكز أساسي من مرتكزات البحث طالما جمع القول الذي نبحثه بين الحيوانية والنطق ولأن الإنسان هو الناطق الوحيد في المخلوقات . وبعد أن بينا قيمة الإنسان في المبحث الأول - تمام حسن الخلق - مروراً بالمشتركات التي قد تكون دعيمة القول . ولكن المسألة في النطق أعطتنا حجة أكبر لتبرير راينا ودحض حجة الحيوانية الناطقة بالصيغة العامة على الإنسان لأن النطق هو مشترك أيضاً في أغلب المخلوقات والذي أثبتت لنا ذلك النصوص القرآنية التي سنذكرها :
{ وورثَ سليمان داود وقالَ يا أيها الناس عُلّمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيءٍ إن هذا لهو الفضل المبين }(11).
{ حتى إذا أتوا على وادٍ للنمل قالت نملة ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون }(12)
ظاهر بيان الآية الكريمة الأولى تؤكد أن الطير ينطق وله لغته المحدودة في التخاطب فيما بين الأنواع والأجناس المنضمة ضمن مسمى الطير . ونحن نسمع أصوات هذه الكائنات ولكننا نجهل ما تعني . وسنرى تفسير السيد الطباطبائي لهذه الآية الكريمة حيث قال ( - { وورث سليمان داود } فورث ماله وملكه ، أما النبوة فلا تقبل الوراثة ، والعلم كرامة يخص الله بها من يشاء والنبي يورث العلم ولا يرثه { وقال } سليمان { يا ايها الناس عُلّمنا } أنا وأبي { منطق الطير } وهو ما تدل به الطيور بعضها على مقاصدها )(13)
والآية الكريمة الثانية تبين لنا أن أصغر المخلوقات حجماً وقدرة النملة لها نطقها في الكلام . ونستخلص من هذا المعنى القرآني بأن النطق أو الكلام لم يكن وقفاً على نوع من المخلوات طالما للنمل نطق وكلام . ونعود لتفسير السيد الطباطبائي . ( - { حتى إذا أتوا } بسيرهم { على وادِ النمل } وهو واد بالشام على ما قيل أو في أرض الطائف أو في أقصى اليمن { وقالت نملة } لسائر النمل )(14)
وفي تفسير السيد للآية التاسعة عشر من سورة النمل والتي لم نذكرها ولكن رأينا في تفسيرها إلتفاتة علمية دقيقة أو جبت علينا ذكر التفسير لمعنى ( قالت نملة ) وكيفية فهم سليمان لها مع العلم لا يُسمع صوت النمل ولو كان كذلك لسمعه غيره من الجنود القريبين من النملة كما نسمع نحن أصوات الطيور والبهائم فقال السيد الطباطبائي في هذا المعنى ( - { فتبسم ضاحكاً من قولها } وقد فهم ما في نفسها وعرف مقصدها دون أن يسمع صوتها ، إلهاماً من الله عزَّ وجلَّ )(15) والنمل الذي لا نسمع نطقه وكلامه في واقع الحال والتجربة ولكن يقيناً أنها تتخاطب فيما بينها وقد اختص النمل بالعمل الجماعي الدؤوب .
ونستخلص من هذه النصوص القرآنية التي ذكرناها امرين هامين هما.....

الاول :ان الانسان ليس بالتاطق الوحيد .بل ان الحيوانات والمخلوقات كافة بما فيها النمل تنطق وتتخاطب فيما بينها وبمقتضى الحاجة التعائشية المحدودة الثاني:ابمقتضى الحكمة القدسية والتقدير الالهي المنظم للكون والخلق لم يُخلق الانسان كائناً حيوانياَ محضاً. رغم مراحل النمو الجسماني ووجود المشتركات الخلقية . ولو كان كذلك الاقتصر دوره وقل الاهتمام الالهي به.ولم يتمكن بعض من الناس لان يصلوا الى مراتب لم يصل اليها الملائكة . وهذاشئناً لا يمكن للحيوانات والبهائم ان ترقى علىمضامينها الاعتبارية العامة.. ولهذا نرى الإنسان ساعي لاكتساب العلم ومتطورولكن النطق الذي خص الله تعالى به الانسان .هو نطق واسع مفعم بالعلم والحكمة و المعرفة وقد فاق نطق الحاجات المحدودة كما هو تطق باقي المخلوقات..
.

. . مع مقتضيات العصور ونمو الأجيال بدليل التجديد والإبداع .
فإذا جمعنا حسن تمام الخلق والذي جعل الله الإنسان في أحسن صورة هيئة وطاقات مبدعة مع النطق المعرفي والبيان الدقيق . كما أشارت الآية الرابعة من سورة الرحمان . عند جمع هذين الميزتين . الإنسان في دلالة القول هو المخلوق المميز ذو البيان ولرفعنا كلمة - الحيوانية - عنه طالما الميزة الأساسية في حكمة خلق الإنسان تدل على المعنى الأفضل على مفهوم الحيوانية . بدليل عندما عاقب الله سبحانه بعض الكافرين مسخهم الى قردة وخنازير تحقيراً لهم ونكالاً بهم. ولم يكرم أي من فصائل البهائم ويحوله الى إنسان لأن أصل خلقه في مرتبة البيهيمية . فالإنسان في مرتبة خاصة عليا . وهذا المعنى يعطينا أمرين مهمين أيضاً .

الأول : لأن الإنسان خليفة الله على الأرض ومُكرم بالعقل والمعرفة . فهو مخصوص الرسالات والكتب السماوية والحكام والعبادات . فكان المسخ حكم الله تعالى الدنيوي على من خرق تلك الخلافة والعبودية لله تعالى وسعى في الأرض كافراً معانداً يسفك الدماء ويفسد في الأرض . إذن فالعقاب كان نكالاً واعتباراً للآخرين . ودليلاً على قيمة الإنسان وميزته الخاصة .
الثاني : لما كانت الحيوانات بهائم خلقها الله تعالى زينة ووسيلة مسخرة لينتفع منها وبها الإنسان الخليفة لحمل أثقاله والأكل من لحومها والاستفادة مما على جلودها . وبما أنها كذلك فهي غير مساوية له بالقيمة والاعتبار ولا يمكن لها أن تكون في عصر ما قريبة للإنسان في المعنى والدلالة .

ومن خطبة أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) في هذا المعنى ( أنشأ الخلق وابتدأه ابتداء ، بلا رويّة أجالها ولا تجربة استفادها ولا حركة أحدثها ، ولا همامة نفس اضطرب فيها أحال الأشياء لأوقاتها . ولأَمَ بين مختلفاتها وعزز غرائزها وألزمها أشباحها . عالماً بها قبل ابتدائها محيطاً بحدودها وانتهائها ، عارفاً بقرائنها وأحنائها )(16)
قول أمير المؤمنين (عليه السلام ) يلزمنا الحجة في دقة التعبير من أجل بيان الماهية والاعتبار كما يتحقق الفلاسفة في أفكارهم . وملاحظة التفاصيل فيما تعني تلك الماهية لكل جنس ذات وملاحظة الاعتبار على أنه قيمة لا يفقدها الجمع أو المشتركات . حتى لا نطلق التشبيهات أو المشتركات بصيغة العموم والإطلاق خصوصاً على من فرقها الاعتبار والخصوص وإن اجتمعت في شيء آخر ما . مادامت المخلوقات الساعية وأنواع أجناسها لها حيثياتها وماهيتها وخواصها الاعتبارية . وأن لا تطغي الملتقيات كالمشتركات الخلقية على القيمة الاعتبارية .
ونستفيد هنا من مقطع للسيد الطباطبائي (قده) في هذا المقصد تأكيداً للدقة ومراعاة للاعتبار المقصود والمطلوب . والذي رأينا في المقطع غشارة فكرية عميقة ولكن واضحة الفائدة نفعتنا كثيراً فيما أردنا توضيحه في أصل فكرة البحث .

( من عوارض الوحدة الهوهوية : كما إن من عوارض الكثرة الغيرية )(17)

هذا العنوان أو الجملة أعطتنا الدقة ونبهتنا للخصوصيات والاختلافات الاعتبارية . وهي عين ما أردناه . حيث هناك عوارض في داخل الوحدة الهوهوية مثلما هناك عوارض في الكثرة الغيرية وسببها خواص الماهية وغاية الاعتبار والذي يتحقق بهما عين الاختلاف وسنتابع المقطع .
( ثم الهوية في الاتحاد في جهة ما . مع الاختلاف من جهة ما . وهذا هو الحمل . ولازمه صحة الحمل في كل مختلفين بينهما اتحاد ما . لكن التعارف خصّ إطلاق الحمل على مورّدين من الاتحاد بعد الاختلاف . أحدهما : أن يتّحد الموضوع والمحمول مفهوماً وماهية . ويختلفا بنوع من الاعتبار . كالاختلاف بالإجمال والتفصيل في قولنا : " الإنسان حيوان ناطق " فإن الحدّ عين المحدود مفهوماً . وإنما يختلفان بالإجمال والتفصيل ، كالاختلاف بفرض إنساب الشيء عن نفسه ، فتغاير نفسُهُ نفسَهُ ، ثم يحمل على نفسه لدفع توهّم المغايرة ، فيقال : " الإنسان أنسان " ويسمّى هذا الحمل بـ" الحمل الذاتي الأولي " )(18)


الدليل الفكري والواقع العملي

وجهة القبول الفكري والدليل المنطقي للقول المذكور بما نتصور لدى المناطقة هي بمعنى الحيوانية هي الحياة لا بدلالة البهيمية . على اعتبار أن الإنسان كوجود هو كائن جسدي نامي وحساس يتأثر بمؤثرات المحيط ويسعى للعيش لما يمتلك من حواس وشهوات وشعور تشده للحياة الدنيا وطلب مقاصدها الحياتية والتي لا غنى له عنها . هذا من الناحية الفكرية وجه مقبول كمقصد. على اعتبار كلمة أو دلالة البهيمية هي شيء آخر فاصل بين الإنسان العاقل الدارك والمسؤول بالخلافة والمحاسب على الأمانة التي حملها كمسيّد على الأرض . وبين المخلوقات المسخرة من أجل راحته واستفادته منها والتي لا تدرك حساً ونطقاً إلا حدود الحاجة الضرورية المحدودة وبما يناسبها .
هاتان الدلالتان لمعنى الحيوانية هي الحياة . والبهيمية هي تلك المخلوقات كما جاءت في النصوص القرآنية المباركة وهي إيضاح وبيان .
ولكن المسألة هنا هي في الواقع العملي وبما فيه الاعتبار الوجداني والعرفي والذي يثير سخطه أي من الناس لو قلنا له أنت حيوان ناطق . والتي لا ينفع حينها التبرير المنطقي طالما يشعر بالانتقاص .
ومن ضروريات القبول المعرفي هو يجب تطابق الفكر والواقع العرفي بحيث إذا قبلنا مسألة ما فكرية في جانب التداول المعرفي أن لا نرفضها في الجانب الآخر . مما يحدث إرباكاً وتشويشاً في الثبات الثقافي وتأويله وكأن القول في هذا المقصد ينطبق على إنسان من جنس آخر .
الثقافة العامة والفهم العام لدى الناس فيما بين الحيوانية والبهيمية أشبه بالمعدومة كفوارق وخصائص فنراها تتفرق في مجال وتندمج في آخر . ومن الصعوبة استياغها لدى الجميع عندما يشار إليهم بالحيوانية ويقبلونها على أنها الحياة . أو على اعتبارها خارج مفهوم البهيمية . لأن الإنسان معتد لذاته وكيانه وغيور على إنسانيته وشخصه حتى ولو تعارضت غيرته هذه مع دقائق المعرفة والمنطق .
وهنا نطرح رأياً مفتوحاً من أجل إزالة هذا الإرباك والرفض ونحقق القبول المعرفي العام وجعل معنى القول . إن الإنسان كائن دارك ذو بيان . أو أن الإنسان دارك بالعقل حيواني في المشتركات الغرائزية العامة . وذلك من أجل التخفيف من وطأةالمعنى وتلطيفاً لجوهر المنطق .








الهوامش

1- سورة التين / 4 .
2- مختصر الميزان - إعداد كمال مصطفى ، انتشار اعتصام ، للطباعة والنشر - ص 662 ، الطبعة الثانية ، 1426 هـ .
3- الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، صدر المتأهلين ص 136 ج 8 - دار إحياء التراث العربي - بيروت .
4- التربية الروحية / السيد كمال الحيدري ص 157 / 158 - دار الصادقين / الطبعة الأولى 1421 هـ 2000 م .
5- الآيات (1) التين / 4 (2) الشمس / 7 (3) النجم / 8 - 9 .
6- يس / 36 .
7- مختصر الميزان إعداد كمال مصطفى شاكر ص 504 انتشار اعتصام الطبعة / 2 / 1426 هـ إيران .
8- عبس / 31 - 32 .
9- النمل / 16 .
10- النمل / 18 .
11- المصدر السابق .
12- نفس المصدر .
13- نفس المصدر .
14- نهج البلاغة شرح محمد عبده ص 16 مؤسسة الأعلمي - بيروت .
15- 16- بداية الحكمة ، تأليف الأستاذ العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي ، ص 131 مؤسسة النشر الإسلامي / قم / طبعة 19 / 1423 هـ. ق .

نشر في مجلة ثقافتنا
العدد 5

وزارة الثقافة العراقية





زينب 5/4/2007
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
بحث جديد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الكلمـــــة الحـــــرّة :: المنتدى العام-
انتقل الى: